الاثنين، 12 نوفمبر 2012

الأفيون و الذاكرة(تابع) -3-

الأفيون و الذاكرة(تابع) -3-


للروائي يحيى بزغود

موسم الهجرة

كان رجال الثورة في القطر الجزائري قد أشعلوا فتيلها منذ نوفمبر 1954، ومع تطور الأحداث هناك اضطُرَّ كثير من المواطنين إلى النزوح من الغرب الجزائري في اتجاه شرق المغرب.
ولم تكن مدرسة "هوارة" قادرة، بحجرتها الوحيدة على استيعاب الوافدين الجدد، فضلا عمَّن وصلوا سن الدراسة من أبناء الدوار، لذلك بنيت على عجل، خلال عطلة الصيف، حجرة ثانية ومسكن للمعلم، فيما تُرِك المسكن السابق لشخص يُدعى الطاهر؛ كان ، في ما يبدو، منسِّقا لجبهة التحرير الجزائرية في تلك الجهة، إذ كثيرا ما كان يأتي متثاقلاً، متمايلاً بسبب عرجٍ في إحدى قدميه، ليبلغ بعض النازحين ممن يقطنون بالضيعة أو بجوارها، بأمر اجتماع في منزله بالمدرسة، طالبا منّي أن أَحَْتشَّ له قُبضة نعناع يانعة!
كان حظ الضيعة من النازحين كبيرا، فقد نزل بجوار عائلتنا أربع أسر، فسكن بوشفرة مع زوجته في غرفة بجوار غرفتنا واحتلَّت أسرة أحمد الشرﯕي مع ابنها الوحيد "حميد" ذي الخمس سنوات تقريبا، الغرفة المجاورة لعبد الله القصاب على اليمين ؛ وأحمد الشرﯕي في الحقيقة أصله من المغرب، أقام في الجزائر منذ طفولته وتزوج هناك، وتطبع بعادة ساكنة سعيدة في الشخير في مستهل كلامه فهو لا يجيبك إلا بعد أن يشخر ويدعو بخراب بيته مرة واحدة، فسميناه أحمد الشخرة! كان أحمد الشخرة رجلا قصير القامة إذا مشى سار متعجِّلا ناترا رجليه في خفة وجهد .
بينما استقر المحجوب مع زوجته في الغرفة المجاورة إلى يسار عبد الله القصاب، وهو رجل كان يحفظ القرآن، وعرفنا منه أنه عمل، لفترة ما، ممرضا في الجيش الفرنسي، قبل اندلاع الثورة بسنين.هو رجل طويل القامة أجلح، وخط الشيب ما تبقى من الشعر في رأسه، وجهُهُ أمرد، عيناه صغيرتان سوداوان تحتميان بأنف أقنى؛ إذا حدَّثك رماك بغمزات سريعة تَتْرَى لذلك سماه الأطفال، منذ اللحظة الأولى، بوغمزة.
بدا " بوغمزة "منذ الأيام الأولى حريصا على معرفة الأخبار ، فتساءل عما إذا كان عند ساكنة الضيعة راديو ، فلما لم يجد أحدا يملك شيئا بهذا الاسم ، أنفق حصيلة الأيام التي اشتغلها في الضيعة في شراء راديو يعمل بالبطاريات، وباع "الفونوغراف" المسمَّى عند الناس آنذاك ب "الشيخ المحـﯕن " لانتصاب ما يشبه القِمع أوالبوق فوقه ؛ باعه في سوق الخردة بثمن زهيد لا يفي إلا بالقليل من لوازم العيش للأيام المتبقية على موعد الأجرة المقبلة، و مدتها أسبوعان بالتمام والكمال، وحرم زوجته خناثة من الاستمتاع بالشيخ المُحـﯕن، إذا اخْتَلَتْ بنفسها. لذلك خاصمته، وارتفعت أصواتهما حتى انتهت إلى الجيران، فسُمِع زعيق المحجوب وهو يقول..".يا مْرا باغْيا تْردِّيني بْروتِي...(-abruti) باغِْياني نْعيش هنا كيفْ لَبْهَلْ ؟ لا أعرف ما يجري فالدنيا ...آ.. يا وعْدي تبكي على الشيخ المحـﯕن؟...راه ما بقاش "مودا"، غادي نشري لك واحد آخر، خير منو"؛ ويبدو أن "خناثة "استمرت في قول أشياء أغضبته، فعلا صوت المحجوب زاعقا مرة أخرى...."أيا اخْرْجي عْلِيا... بْرَبِّي لعْزيزْ عندي لَبْقيتِ... أيا امْشي... أيَّا زيدي.. اخْرْجي..."طوزاميرْدْ.." (tu nous emmerdes) ! فجاءت خناثة مغاضِبة عند والدتي، وتدخل والدي لإصلاح ذات البين بينهما وأنجد المحجوب بمؤونة من دقيق وسكر وشاي على سبيل السلف . وأصبحت كل مشكلة المحجوب مع البطاريات، إذ لم يكن بالقرب منا دكاكين ، وحتى دكان " سعيد البقال " البعيد عنا لم يكن لديه بطاريات لأنها غير مطلوبة كثيرا عند الناس .فكان المحجوب إذا نزل إلى المدينة اشترى منها مؤونة يحسبها كافية، و يشتري جريدة العلم بالعربية أو جريدة الاستقلال بالفرنسية أو كليهما فيقرأ ما بها ويتركها لنا مُلِحّا علينا أن نحافظ عليها و نسلمها إلى زوجته إذا فرغنا منها لتحتفظ بها في صندوق خاص مع بعض الكتب والأوراق، فكنا نتهجَّى ما بها، فلا نفهم منه إلا القليل....
غير أن راديو المحجوب كان من النوع الشره الذي يستهلك البطاريات بنهم فظيع ؛ فكنت تراه مُنْهَمِكاً في غَلْي البطاريات المستعملة طامعا في إنعاش ما تبقى فيها من مخزون الطاقة ، فإذا خَفَتَ صوت الراديو، وضعه بمحاذاة أذنه وألزم الجميع بالصمت ! 
و كانت الأسرة الرابعة من النازحين هي أسرة رمضان الواسيني.
كان نزق الأطفال يدفعهم إلى التفنن في خلع الألقاب على الكبار، فلا يضيعون فرصة من زلّة لسان تبْدُر من أحدهم، أو عادة متمكنة من حركة أو كلام، أو عيب مميز في الخلقة عند آخر، دون أن ينتهزوها لاختراع ألقاب لهم يتداولونها في ما بينهم بدلا عن أسمائهم الحقيقية، ويجدون في ذلك متعة بالغة!
فإسماعيل المصمودي الذي كان من عادته تعرية ساقه وصفعها كلما شرع في الكلام لقبوه هاصاﯕي (هذه ساقي). وهم ينطقونها بتفخيم السين ونطق القاف كما ينطقها اليمنيون.
أما رمضان الواسيني فلقبوه بـ انـﯕوسوب، إذ إن الناس في شرق المغرب وغرب الجزائر، إذا أرادوا التعبير عن كلمة "يعْني" قالوا "مَحْسوب"... ولكن رمضان، لسبب ما، كان يقول "انـْﯕوسوبْ"!
ولأن والدي – محمد- كان يرعى شاربين كثيفين، سموه موسطاش ( أبو شنب). ولما لم يجدوا في بوشفرة شيئا يلقبونه به استنجدوا بعاشور ـ وكان شيطانا حقا ـ فاخترع له اسما بوضع مقابل فرنسي لكلمة " الشفرة" في اسمه ، فقالوا له بولام!
كانت أسرة رمضان" انـﯕوسوب" متعددة الأفراد ولم يبق في غرف الضيعة بيت يتسع لها ، لذلك نصب صاحبها خيمة كبيرة بالقرب من الضيعة تقيم العائلة فيها نهارا، فإذا غشي الليل، انشطرت إلى فريقين، فيبيت رمضان وزوجته فاطنة وابنته حورية وابنه بندالي والرضيعة شهيدة في الخيمة، بينما يلتحق محمد والعيد والطيب بغرفتنا، أنا وإخوتي، ليناموا معنا، فيتمدد الجميع، بعضهم إزاء بعض في فراش واحد !. لذلك أصبح مطلوبا، لردح من الزمن، أن يفِيَ الفراش ضرورة، بحاجة ستة أفراد إلى النوم، قبل أن يلتحق بنا بندالي بعد أن احتلت حورية وشهيدة شق الخيمة الذي كان ينام فيه، ثم اضطر الخميس إلى أن يعتزل غرفة والدي...فأصبحنا ثمانية أنفار وانقسمنا إلى مجموعتين تحتل كل واحدة منهما ركنا من الغرفة بفراش مستقل.
كان الفراش، بالنظر إلى من يطلبون النوم، في ليالي الشتاء الباردة، مشكلةً حقيقية؛ فقد كان الفراش عبارة عن حصير يمدد على طول الغرفة، ويبسط فوقه "بوشراوط"، وهو ليس سوى حصير أيضا، لكن سداه خلط بقطع الكتان المستخلصة من الأثواب البالية، وقد توضع فوقه بضعة ألحفة، تمد عرضا، حتى يستفاد من طولها؛ أما الأغطية فلا تتعدى كساءين من الصوف ويكون أخي سليمان في هذا الجانب أو محمد ولد رمضان في الجانب الآخر عرضة لأن يسحب عنه الغطاء!
لذلك كنا نعمد في بعض الليالي، إلى جذوع الحطب فنضعها في جفنة قصديرية كبيرة، ونشعل النار، فنستعين بلهَبها، بعد عيون دامعة من معاناة الدخان، على مطاردة البرد، ويكون أسعدنا حظا من تكون الجفنة قريبة منه، فيسري الدفء إلى أعضائه وينام ملء العين قريرا!
بيد أن بعض الليالي تكون قاسية برياحها وأمطارها فتضطر بقية أسرة رمضان إلى الانتقال إلى منزلنا لتندمج الأسرتان، فينام الرجال في غرفة والأطفال في غرفة، وتتخذ الإناث من المطبخ غرفة للنوم ثالثة!
في مثل تلك الليالي الغاضبة، كثيرا ما كنا نستفيق على صوت رمضان "انـﯕوسوب" وهو ينادي على جميع من في الدار مفتونا، فتصل الأسماء إلى أسماعنا مثقوبة أو مبتورة، ذهبت الريح ببعضها.. سْـ... مان... مْحـ ...آد ... الـ.... ود ... فيفتح أحدنا الباب ليجد أمامه، رمضان وزوجته تحمل شهيدة في ذراعها وإلى جانبهما بندالي وحورية وقد غطَّوا رؤوسهم بألحفة وأغطية، وهم يحملون ما خف من وسائد و أفرشة وزاد...
فإذا استمر غضب الطبيعة أياما عدّة، تشاركت الأسرتان المتوفِّرَ من الغذاء ، وانتظم الأكلُ جماعة، غير مقيمين وزنا لعدد الأفواه التي تنتظر الطعام، فكل شيء وُجد، يغدو صالحا للوفاء بهذا الغرض... كسكس أو دشيشة شعير مع بطاطس أو قرع أو لفت عند والدتي؛ أو أرز وزبدة مما كان يجود به الصليب الأحمر، عند أسرة رمضان... وما كان أعظمَ إنسانيةََ الناس عند الضيق، في ذلك الزمن!
لم يكن بالضيعة كهرباء، ولم تكن مصابيح الكيروزين –عندنا- جارية الاستعمال بعد، لذلك كانت الاستنارة تتم بالشمع، فإذا أوشكت الشمعة على الذوبان، جاءت والدتي فأطعمت دمعها ببعر الأرانب اليابس فينتعش نَوْسُها، وينهزم الظلام قليلا إلى حين!
غير أن محمد وهو أكبر أولاد رمضان الواسيني (انـﯕوسوب) كشف لنا طريقة للاستنارة بالمازوط، الذي كان متوفرا بكثرة، لأن محركات السقي تشتغل به...فكان يعمد إلى قنينة من زجاج فيملأ نصفها ماء ويضيف إليه "المازوط"، ويُدَلّي فيه فتيلا من كتان عبر ثقب ينشئه في السدادة، ويشعل النار في ذؤابتها الناتئة فنستضيء إلى أن تنتهي السهرة، أو نضيق برائحة المازوط الكريهة وسخامه الأسود، فنطفئ المصباح عنوة، ويستمر بعضنا في الحديث عبر أعطاف الظلام !

******
التحق محمد ولد رمضان (انـﯕوسوب) للاشتغال بحظيرة الأبقار، يكنس روثها ويفرش مرابضها تبنا، ويحلب ذوات الحليب منها؛ واشتغل أبوه – رمضان- في الحرث وسقي الأغراس، أما أخواه، العيد والطيب فالتحقا بمدرسة هوارة؛ فتعززت بذلك مجموعتنا التي كانت تتكون أصلا من أخي سليمان وعاشور القصاب وعبد الرحمان ولد بلعيد وقويدر ولد حبيبة وأنا، فأصبحت عصبة يحسب لها حسابها في المنازلات بين أطفال الدشور، قُبَيلَ العُطل المدرسية.
ذلك أن أيام الشتاء كانت تمر ثقيلة، فينزل نشاط الأطفال إلى حده الأدنى، وتتباطأ حركاتهم وهم يرزحون تحت ثقل جلابيبهم وبرانيسهم، فلا يصطنعون من الألعاب إلا ما يتناسب مع ضرورة الانكماش والازدحام والمحافظة على الدفء...فإذا حلت أيام الربيع وفترة من أيام الصيف، تفجر ما لديهم من طاقة كامنة ونزَقٍ مؤجل... فكنت تراهم وقد تحلّلوا من أثقالهم ينصرفون خفافا بين الحقول، لا تستطيع تمييز رؤوسهم الناتئة كالقنافذ من بين السنابل والأعشاب البرّية، حتى إذا جاء آخرُ يوم يسبق العطلة، أصابتهم "الهَبْلة" وأعلنوا ما كان بينهم من عداوات صغيرة مصرورة، وانقسموا شيعا وعصبيات تبعا للمداشر، فيتكلف الصغار "Les petits" بحفظ الأمتعة، وينخرط الكبار في معارك لا تخلو من بعض الخسائر، ولكنهم يجدون في كل ذلك متعة ونشوة شبيهة بما يعتري المتحاربين في ساحات الوغى، عدا أنها خالية من أحقاد الحروب!
ولقد عرف المعلم بأمر هذه العادة، فكان إذا حان ذلك اليوم يقف على عتبة منزله مشيّعا إياهم بالنظر حتى ينصرف كل نفر إلى مسلك دشره ؛ بيد أنهم كانوا يتظاهرون بالانصراف وهم يرقبونه بطرف العين، حتى إذا اطمأن ودخل إلى داره، عادوا على أعقابهم ليلتحموا في معارك لا تضع أوزارها حتى ينال بعضهم من بعض، ويصابوا بالإجهاد!
على أن عصبتنا بقيادة أخي سليمان وعاشور القصاب ومع انضمام العيد ولد رمضان وأخوه الطيب، إضافة إلى انحياز الجيلالي القنفوذي وأصحابه بحكم وحدة الطريق المؤدية إلى دوارهم مرورا بالضيعة، ظلت مرهوبة الجانب ؛ ولم تتأثر إلا قليلا بالخصومة الشرسة التي تواجه فيها ذات يوم، الجيلالي مع العيد الملقب عندنا بـ الطامسو، والتي وقفنا فيها نحن على الحياد؛ لذلك لم يكن التحرش بنا يحدث إلا نادرا، فإذا قدر لنا أن نشتبك في معركةٍ ما، جاء صياد يذرع الحقول كأنما هتف به هاتف، فينضم إلى عصبتنا نابحاً، مكشراً عن أنيابه، فما يلبث "الأعداء" أن يجنحوا إلى السلم أو يطلقوا سيقانهم للريح! وبذلك صارت سطوة صياد معروفة عند أطفال الدوار ؛ خبِروها غير ما مرّة، في تلك المعارك "المجيدة"!
كانت تلك المعارك تجلب المتعة للأطفال، فينتظرون موعدها كما ينتظرون أيام العيد،غير أن إحداها ظلت ماثلة في أذهان التلاميذ، لأنها خرجت عن المألوف من المناوشات، وانقلبت إلى عراك حقيقي، استعد له الطرفان بما يكفي من الشراسة؛ كان الأمر يتعلق بمواجهة بين أخي سليمان من جهة وأحمد ولد لخضر الرميلي من جهة ثانية...
كانت العطلة الربيعية على الأبواب، وكان الحساب المصرور بينهما يعود في ما قيل، إلى وشاية سعى بها أحمد لدى المعلم ضد غريمه، يتهمه فيها بإقامة علاقة غير شريفة مع إحدى التلميذات، وهي شابة يافعة التحقت بالمدرسة، في سن متأخر مع بضع قرويات، ويبدو أن أحمد الرميلي كان يطمح إلى الفوز بها، فلما أخطأه الحظ نقل الخبر إلى المعلم على سبيل الانتقام، فأسرها سليمان في نفسه وانتظر فرصة العطلة. كان سليمان طويل القامة أوتي بسطة في الجسم، جعلته يبدو أكبر من سنه الحقيقي وكان أحمد الرميلي نحيف الجسم وممشوق القد هو الآخر، اشتهر بين الأقران بإتقان فن الملاكمة والقدرة على المراوغة؛ ولقد تحسب سليمان لأمره فأخفى في محفظته سلسلة معدنية من ذلك النوع الذي يستعمل في الدراجات العادية، ولم يُطْلع أحدا على أمرها؛ كما أن أحمد كان يتوجس من هذا اليوم ويتحسب لأمر صياد.. لذلك اصطحب معه كلبين ربطهما إلى جذع شجرة، غير بعيد من المدرسة.
فلما نشبت المعركة تحولت من مجرد لعبة طالما استمرأها التلاميذ عشية كل عطلة، إلى معركة ثنائية بين سليمان وأحمد الرميلي، وحاول أحمد في البداية أن يستبق سليمان بلكمات سريعة فتحمل سليمان بعضها ريثما يخرج السلسلة من تحت حزامه وينهال بها على أحمد حيثما أمكن، فانبجس الدم من رأسه ولم يجد من خلاص إلا الاستنجاد بالحجر، وسرت العصبية بين الدشور فحمِي الوطيس وتبادل الجميع اللكم والركل، والقذف بالحجارة. وحضر صياد إلى ساحة الوغى كعادته ولكنه وجد كلبي أحمد في انتظاره فاشتبك معهما في عراك ضار انتهى بانهزامهما فطاردهما، حتى تخوم ديار لخضر الرميلي، ثم قفل راجعا يذرع الأرض بين الحقول.
وكان الصخب الذي يصاحب الكر والفر قد انتهى إلى أسماع المعلم سي عالم فخرج غاضبا لمطاردة فلول المتخاصمين فاضْطُرَّ قائدا المعركة إلى فض الاشتباك محتفظين بأحقاد لم تنته إلا بعد أمد طويل... أياما قليلة قبل التحاق أحمد ولد لخضر الرميلي بصفوف الجيش الملكي في صيف 1959.


نشأ صياد جروا وحيدا يتيما بعد أن ماتت أمه تحت عجلات سيارة محمد الرايح، بينما كانت تعترض سبيلها مستبسلة كعادتها في اعتراض طريق من يلجون الضيعة دون استئذان، ثم مات جِراها الثلاثة أياما بعدها، ولم يبق إلا صياد – وهو الاسم الذي ناديته به قبل أن يفتح عينيه- فاعتنيت به وتحايلت لإرضاعه حليب الأبقار بشتى الطرق؛ وهيأت له مرقدا في قفة من تبن وضعتها بالقرب من معلف البغلة، فلما اشتد عوده ونمت عضلاته وسَّعت له المرقد باتخاذ قفة أكبر... فنشأت بينه وبين نانو صداقةٌ غريبة ازدادت صلابة مع مرور الأيام !
كانت نانو من ذلك النوع من البغال الذي يتمتع بالهدوء والذي يكلف في أشغال الضيعة، بالأعمال التي تتطلب دقة وفهمًا وامتثالاً!
فكنت ترى صياد إذا انتهى من مرافقتنا إلى المدرسة كعادته، تركَنا بالقرب من الساحة وعاد لتوه إلى حيث تقف البغلة، فأقعى بجوارها، فإذا ربطوها إلى المحراث لينجزوا خطوطا مستقيمة يحددون بها المساحات التي سيحرثها الجرار، سار إلى جانبها غاديا رائحا لا يفارقها ؛ ويبدو أن نانو قَدََّرَت أمر هذه الصداقة، وارتاحت لها، فباتت لا تبدي جهداً و رغبة في جر المحراث إلا بحضوره!...
*****
كان يفد على أسرة رمضان الواسيني في بعض الأيام شاب من أقاربه يدعى إدريس بن رحال، عرفنا منه أن أباه من أصل مرُّوكي (مغربي) عاش سنين طويلة في الجزائر، وتزوج أخت رمضان الواسيني هناك، ومات في مظاهرات 8 ماي 1945 بشرق الجزائر حين كان عمر إدريس لا يتجاوز 5 سنوات ، وعمر أخيه أحمد يتعدى السبع بقليل؛ غير أن أحمد لم يشأ النزوح إلى المغرب سنة 1956 لأنه كان قد أنهى تعليمه الثانوي وحصل على منحة لمتابعة دراسته الجامعية في الجزائر العاصمة (الدزاير) أياما قليلة بعد وفاة والدتهما!.
أشاع إدريس عن نفسه أنه سيلتحق بجيش التحرير الجزائري، وكان يحلو له أن يتكلم باللهجة المصرية وينطق الجيم على طريقتهم، فكان مصدر إعجاب الأطفال في الضيعة ومن يجاورونهم عن قرب في الدوار، وأصابتهم العدوى في نطق كل ما فيه "جيم" على طريقته.
كان إدريس يبدي اهتماما خاصّاً بعاشور القصاب، انفرد به ذات يوم وأسرّ له بأشياء، أبقاها عاشور طي الكتمان؛ ثم غادر إلى وجهة غير معلومة، فانقطعت زيارته للضيعة عدّة أشهر...

الأحد، 11 نوفمبر 2012

من مقام الصدى إلى مقام العبادة حفل توقيع ديوان (صلوات للفضيلة وضوؤها دمي) للشاعر محمد ماني

من مقام الصدى إلى مقام العبادة
حفل توقيع ديوان (صلوات للفضيلة وضوؤها دمي)
للشاعر محمد ماني


د. محمد دخيسي أبو أسامة

تقديم:

يعتقد في كثير من الأحيان أن السير على النموذج هو تحصيل حاصل، بين التقليد والرتابة والإبداع بالوتيرة ذاتها؛ غير أن الأمر هنا يتعلق بسير تدرجي من أصل إلى فرع: "من مقام الصدى إلى مقام العبادة"، كما حددناه في العنوان، وهو دليل على كون الشاعر محمد ماني ينهل من نهر الحب والعشق والوله ما يعطر به فؤاده، ويضمخ به نصوصَه الشعرية.
في إطار حفل التوقيع الذي نحضره، ستقوم قراءتي على تقديم الديوان (صلوات للفضلية.. وضوؤها دمي) بناء على رؤية مزدوجة، من حيث ارتباطه بالديوان الأول (مقام الصدى) ، كما أن التقديم يلزمنا الإحاطة ببعض الخصوصيات المميزة للديوان مفردا.


1- التعريف بالديوان: العتبات:

1-1 - العنوان: 
سبق لي أن وضعت تحليلا للعنوان في قراءتي للديوان، وتنطلق من فرضيتين أساسيتين هما:
الفرضية الأولى: تأخذ مرجعا لها القصد الصوفي لدى الحلاج من خلال عبارته الشهيرة: "ركعتان في العشق، لا يصح وضوؤهما إلا بالدم)، حيث تعود القصة إلى ما قبل إعدامه حين بترت يداه ورجلاه، ففاجأ الجميع ممن حوله بمسح وجهه بالدم مستعملا يده المقطوعة، فسئل عن ذلك فأجاب بقولته المشهورة.
لذلك استطاع الشاعر محمد ماني أن يبني علاقة بينه وبين الحلاج، انطلاقا من تروية نفسه بالعشق الصوفي حينا، واستلهام الثورة الروحية للحب والعشق الأبديين.
الفرضية الثانية: (وذلك بالنظر دائما إلى العبارة الحلاجية) اعتبار الفضيلة رمزا للذكاء والنجابة والمزية كما شرحها ابن منظور في لسان العرب، وهي ضد الرذيلة، ومن ثمة تكون الصلاة للفضيلة، باعتبار الشاعر تواقا إلى كسب رهان الحياة النبيلة، وكسب رهان صداقاته وعلاقاته مع أفراد محيطه انطلاقا من معاملاته الحسنة دون اقتراف لأي رذيلة. ويبقى الوضوء بالدم دليلا على العشق اللامحدود، والحب الأبدي لكل إنسان مخلص.
الفرضية الثالثة: اعتبار (الفضيلة)، وهي هنا دون تعريف ب(ال)، لكن تعريفها ينبع من شخصيتها، ومسحا لصورة إنسان يعيشه الشاعر أو عاشه في وقت سالف. ويكون إذاك أيضا وضوؤه دما، لأنه يتكبد الآلام ولا يغنم إلا الصد والهجر والكتمان.


1-2- العناوين الداخلية:
تتوزع قصائد الديوان عبر إحدى عشرة قصيدة، تأخذ القصيدة الأولى عنوان المجموعة مبتورا (صلوات للفضيلة...)، والسبب يعود إلى كون النص يحمل دلالة الآخر أكثر من وقع الحال على الذات، بمعنى أن الشاعر خص النص للحديث عن الفضيلة في غياب لفعله الخاص، الذي يتجلى في باقي النصوص خاصة في قصيدته: (لها جمالها... ولي مجازها) فالمجاز إذن وضوؤه بالدم، وتنازلُه عن تواضعه في سبيل أن يكسب عطف الآخر أو الأخَرَيْن إن صح التعبير.
تحمل باقي النصوص عناوين إيقاع الحب والعشق، دون أن ننسى أولوية تاء التأنيث في شعره، سواء حكيا أم تعبيرا أم إيحاء أم إهداء (إلى أمينة المريني.. مثلا).
1-3- العتبات النصية:
تأخذ النصوص التقديمية في الديوان شكلين اثنين:
تقديم تعريفي، في مقال الشاعر والأستاذ محمد علي الرباوي، الذي حاول تصنيف شعر الشاعر محمد ماني وفق الرؤية والمنهج والوظيفة، انطلاقا من كونه يقول شعرا يجيش في صدره، فيعبر عن ألقه وحبه مانعا غيرَه أن يستظل بظلها.
ثم قراءة تقديمية تعبر عن فحوى النصوص، ومقارنتها بباقي نصوص الشاعر في الديوان الأول (مقام الصدى)، ثم البحث في بعض الأسس الفنية والجمالية في المجموعة الشعرية من خلال سمات الخطاب والإيقاع والبنيات الدالة والدلالية، وهو ما قدمت به الديوان.
1-4- اللوحة التشكيلية: 
أول إشارة تتعلق بالألوان المستغلة في غلاف الديوان، فلو أمعنا النظر لوجدناها لونا واحدا متدرجا بين البني بدرجاته، والأزرق بسكونه البحري، والليل بسواده، كل ذلك تجمعه صورة المرأة المقنعة، ولعل القناع دليل على قصد الشاعر إخفاء صورة المرأة في شعره، كما يخفيها في ظلال حياته. وثاني إضاءة هي الإشارة الضوئية التي تخترق صدر المرأة كما يخترق الشاعر قلبها ويضمخه بدمه وعنفوان ريحه.
1-5- النصوص الفرعية: 
لم يبق أمامنا غير النصوص التي اختارها الشاعر كي تكون مفتاح قراءة شعره، وقد تشكلت من عبارات صوفية وأشعار تعبر عن الحب والوله والعشق الصوفي.

د. محمد دخيسي أبو أسامة أثناء مداخلته 
في حفل التوقيع 

المرايا... فكرتنا المعتمة / علي احمد -المغرب -

المرايا... فكرتنا المعتمة


علي احمد -المغرب -


المرايا....
لم ترانا في فكرتنا المعتمة
شيء له معنى كالضوء،
تستتر كما تستتر الحروف في الأبجدية
و تعبد لنا طريق الهدايا.
المرايا...
لم تكن فكرتنا الممكنة
تغار على سرير حبيبين
منقوصان من الاسم و الرمز
لا نشيد لنا و لا هوية
مشتتون على الفضاء النسائي
كصراخ الولايا.
المرايا...
كانت ... ما سبق من فكرتنا 
عن الثلج...أبيض أم أسود؟
تاريخ متكرر في كتب الجغرافيا المدرسية
شهوة الرجال في أزقة الكبت
و أنت....
لا تفسدي ما تقوله الحكايا.
المرايا...
هل ترانا...
أم تستخف بنضرتها الثاقبة،
كل شيء جامد...
حجرا كمذاق الليمون
كوخزة شوكة الورد في الخاصرة،
كل شيء جامد...
هامد كنار تحت تبن...
يوزعنا شظايا.
المرايا...
قالت ... إن الحب فكرتنا المعتمة
ما الحب..؟؟؟
شيء خارج التجربة...
هل ستصدقنا المرايا
داخل كينونتها الخائبة؟؟
قالت...
قلت...
المرايا لم ترانا في فكرتنا المعتمة
شيء له معنى كالضوء.

السبت، 10 نوفمبر 2012

حفل توقيع ديوان صلوات للفضيلة وضوؤها دمي


حفل توقيع ديوان

صلوات للفضيلة وضوؤها دمي



الشاعر محمد ماني يوقع ديوانه

عاش المقهى الأدبي هذا المساء على إيقاع " صلوات للفضيلة وضوؤها دمي" مولود جديد تم تسجيله في كناش الخزانة الأدبية، 
حضر حفل التوقيع الكثير من الفعاليات في الحقل الأدبي ابداعا ووصفا. جاؤوا ذكورا وإناثا شبانا وكهولا ، روادا و من حذا حذوهم ومن لا زالوا يتلمسون طريقهم على درب الإبداع...


افتُتح الحفل بكلمة ترحيب، باسم جمعية جذور للثقافة والتنمية وباسم المقهى الأدبي وباسم مقهى لاميرابيل.تلتها وصلة موسيقية على أوتار العود داعبتها أنامل الفنان :عبد الحفيظ خلوفي.
تم بعد ذلك سُردت نبذة من السيرة الفنية للشاعر المحتفى به :محمد ماني،ليستلم الكلمة الدكتورالناقد والباحث بنيونس بوشعيب، في مداخلة لتقديم الديوان موضوع التوقيع
قدم العمل مركزا على ثلاث نقط
1 العلامة الإشهارية، وتناول فيها الجانب التسويقي للمؤلف من قبيل تصميم الغلاف والعنوان ودلالته او دلالاته... التمهيد بمجموعة من النصوص تمهيدية لأعلام الأدب العربي والغربي....والتقديم وحيثياته وظيفة ...ثم الإهداء بين التصريح والتلميح
2 العلامة الإبداعية،ويتعلق الأمر بالنصوص الإبداعية التي بلغت إحدى عشرة قصيدة وترتيبها دلاليا ،وعلاقةً بالذات المبدعة والظروف المحيطة بها
3 العلامة النقدية وهنا أشار الناقدإلى النص النقدي (دراسة نقدية للديوان صاحبت النص الإبداعي)وحاول وصف عمل الناقد(الدكتور محمد ادخيسي)

خرج الحاضرون من جو الاهتمام والإنصات بتركيز إلى جو الموسيقى من جديد للحظات معدودات قبل أن يعيدهم الناقد محمد ادخيسي إلى أجواء الديوان من خلال مداخلته التي عنونها:من مقام الصدى إلى مقام العبادة

1 استهل الناقد مداخلته بمحاورة العتبات؛كشف عن حديث العتبات في فرضيات(القصد الصوفي..الفضيلة والذكاء ..الفضيلة//الصد والهجر) أماط الثام عن بلاغة عناوين القصائد،المبنية على إيقاع الحب، مرورابالتقديم بالنصوص الفرعية وانتهاء باللوحة..
2 تناول محتوى الديوان من جانب نوع من المقارنة بين ديوان الشاعر الأول:مقام الصدى والديوان موضوع التقديم"صلوات للفضيلة وضوؤها دمي"خلص إلى ان الديوان الثاني امتداد للديوان الأول من خلال ثلاث ملاحظات:
أ-ظل الشاعر غير معترف بالحب
ب- بعد ذلك لاحظ أن الشاعر تدرج في الانتقال من العام إلى الذات
ج-ثم انتهى بالنظم إلى مرتبة التجلي بروح ذات نزعة صوفية

أعطيت الكلمة للشاعر ، ظل جالسا إلى المنصة تناول في كلمته الحديث عن الشعر والشاعرية مع نوع من الاعتداد بالنفس.بعد ذلك استوى واقفا يتفنن في إلقاء إحدى قصائد الديوانن...
اختتم الحفل عن إعلان عن بقية الأنشطة المسطرة لهذا الشهر سواء في المقهى الأدبي أو الصالون الأدبي أو بالمكتبة البلدية الساورة أو مؤسسة مولاي سليمان
وأخذت صورة تذكارية جماعية


تغطية /عيسى حموتي

الرؤية وجمالية الإيقاع في "حاءات متمردة"// للشاعر عبد السلام مصباح

           الرؤية وجمالية الإيقاع في "حاءات متمردة"[1]
 للشاعر عبد السلام مصباح

الطيب هلو

   على سبيل التقديم:
      يبني الشاعر المغربي عبد السلام مصباح، على امتداد أعماله الإبداعية وترجماته الشعرية، أفقا شعريا خاصا ومتميزا، يتسم بأناقة اللغة الشعرية التي لا يخطئها القارئ المتذوق، وينماز بإيقاعه السلس الجميل، سواء في انتقاء الأوزان أو في اختيار القوافي أو في ارتياد مجاهل المكونات الإيقاعية الداخلية التي تزيد النص بهاء وتمنحه جمالا.
أما ديوان "حاءات متمردة" الذي نحاول الاقتراب من مداخله فيعد تجربة سامقة في الشعر، باهرة في الصنعة الشعرية. تؤكد تواشجها مع تجربة الشاعر في الحياة ورؤيته الممتدة في أفق ارتياد مكونات القصيدة التفعيلية، بما تمنحه من فخامة إيقاعية مع تجديدها باستمرار، بامتطاء مكونات بلاغة الإيقاع المؤسسة على عناصر منها: التوازي والتكرار والترصيع والجناس وغيرها، وصهرها بأناقة اللغة الشعرية الحالمة، والراكضة وراء الخيال المبهج والصور المبتكرة، لغة تميل إلى تعبير الرومانسيين، لتنزاح عنها في سبيل خلق مثال جمالي داخل القصيدة يعادل جمال الحلم الذي يتخذ الشاعر منه مجالا واسعا للرؤيا.
 1 ـ الرؤية الشعرية:
اختار الشاعر المغربي عبد السلام مصباح، في ديوانه "حاءات متمردة"[2] الذي تتناسل فيه الصور الشعرية لترسم ملحمة، يتشابك فيها الحزن بالحلم، والحرف بالحب، وينعكس داخلها الألم في مرآة الأمل، أن يتخذ لتجربته قطبا تدور عليه كافة النصوص، حتى كأنها تنويعات على مقام واحد، مقام الحاء؛ حيث الحب والحلم والحزن والحرف والحرية تطوف حول هذا القطب، ومن خلال طوافها المستميت ترسم دوائر ذات شقين: شق فردي ذاتي تتراءى على صفحته الكينونة، وشق جماعي تنعكس على مرآته هموم الأرض والكون، وهموم الوطن والأمة، والهم الحضاري العام؛ مما يعمق الانكسار الذاتي المندمج بأحلام البسطاء. فمنذ قصيدته الأولى "عن الحلم والفرح"، يبدأ الشاعر العزف على هذه المقامات، والإبحار بعيدا في هذه المحيطات الشعرية، راسما صورة الحلم الغائب، والفرح المؤجل والحب المهزوم:
أبحر الطير
بعيدا
غاب خلف الريح
في جفنيه
صوت الحلم
غنوه.
فرح
يولد
ينمو
 يتناسل
وفي عمق هذا الانفراج البادي، يفاجئنا المقام الشعري بالمفارقة القائدة إلى الانكسار، حيث "الشمس تمحو كل ظل"(ص8) وحيث عاد الطير، "الآمل في الأنجم الحبلى وأثمار السحب، بخيبة الأمل حاملا تحت جناحيه الألم
وبنى عشه على أشواك ورده "
بهذه الصورة الحزينة يبدأ الشاعر ملحمة الحزن حيث يعترف قائلا:
طرت
حتى ملني
بحر الزمن
طرت
حتى عافني
درب السفر
أزهر الحزن
بأعماقي
شجر
فالاستعارات الكثيفة ترفع سقف الألم عاليا، وتعمق هذا الإحساس بالحزن، الذي لا يأتي جاهزا، وإنما ينمو داخل الذات وئيدا ومؤلما، وغير منتَبَه لنموه، لينفتح النص على نهاية فيها أمل قادم، ومتمرد عبر استعمال لفظة (رغم) التي وُظِّفَتْ لتكريس التحدي، والتبشير بالأمل، حيث يجد الحَبَّ والمياه والدفء في كل الفصول. ويستمر الشاعر في عزف لحن الحلم في القصيدة الثانية التي تتخذ "حلم" لها عنوانا، بعيدا عن أي تعريف أو تحديد ـ من خلال استعمال النكرة ـ والقائم على الاستمرارية، فيبدأ النص بالفعل المضارع (أحلم) بعد أن كان النص السابق قد بدأ بالفعل الماضي (أبحَرَ الطير)؛ مما يرسم ملمحا من ملامح الانفراج. إن الأحلام تأتي بامرأة من أقصى اليأس المتراكم
                      من أقبية الحزن
                      ومن أكوام القهر
                      محملة بالصبوات
                      وبالعشق

لكن أحلام الشاعر مشروطة، مرسومة وفق مقاس الانتماء لأحلام البسطاء. فالمرأة المطلوبة متفردة، لا تشبهها واحدة في السرب، ولها قدرة على محو أزمنة الإحباط وأتربة الخيبة عن الشَّعر الأبيض، وتقبل مقاسمة عيش البسطاء وتعب الرحلة في صحراء الحرف، وبين شعاب الهم اليومي، وتستطيع أن توقد نار الحب، وتوقظ الأحلام المتأججة، وتسقي الإنسان من نبع الحب كؤوس الأمل. هذه المرأة /المثال التي في وجودها قدرة عجيبة على رسم حدود جديدة لعالم مثالي سعيد، على المستوى الفردي (ما أسعدني لو أراك من شرفة الحلم تطلين...) وعلى المستوى الحضاري؛ إذ يرسمان (خريطة لعالم بلا حدود، بلا نقط تفتيش)، وهو عالم صغير لا يتسع إلا للشاعر والمرأة وثالثهما الحب، وهنا تمتزج حاء الحلم بحاء الحب، خروجا من حاء الحزن، حيث تتمرد الأولى على المواضعات الاجتماعية والطبيعة بانغراس الواحد في الآخر، وتتمرد الثانية على حدود الواقع، إذ الحياة بلا خوف ولا حزن، وبلا أقنعة. إن حاء الحب وحاء الحلم تتمردان عبر خيال الشاعر المولد لانزياحات لافتة، حيث لا يكاد يخلو سطر من صورة شعرية رائقة، ترفع مستوى التوتر إلى أعلى درجاته في رومانسية حالمة، متماهية مع هموم الواقع؛ مما يجعل الرغبة في الغياب أمرا ملحا لتحقيق النسيان وكتابة أبجدياته:
ننسى المكان
وننسى الزمن
وفي خفقة
نبحر
نبحر
في زورق حلم      
تعالج نصوص عبد السلام مصباح، إذن، جوهر الخراب الإنساني، وإن كان ذلك يتخذ عنده تمظهرات عدة، منها الهم اليومي والحب الممزق، والذي استعمله مرارا كحرفين منفصلين (حاء ـ باء)، وإن كانت هذه التمظهرات تقوم بمهمة الرصد والتفسير لهذا الخراب؛ مما يجعله يتجاوز الهم المؤقت العابر ليصبح ذا جذور عميقة في كيان الشاعر.
 وحتى لا نتيه مع الحاءات المتمردة، نتوقف عند تمظهر حاء واحدة، هي حاء الحلم لاطّرادها في كل النصوص وبشكل لافت حتى لا تكاد تخلو صفحة من هذا اللفظ، مما يحوله إلى بؤرة ضوئية أساسية، عنها تتفرع باقي الدلالات، فهو تارة يملك صوتا، وله قدرة على التعبير، ويشكل مخرجا من مأزق الذات الحبيسة، وفي أحيان أخرى يتجلى أمنية عابرة يطلبها الشاعر (ص42).
    إن الحلم يتخذ، إذن، تجليات عدة، يصعب رصدها جميعا، لكن يمكن الكشف عن بعضها. فالحلم، في نصوص عبد السلام مصباح، متأجج مندفع (أحلم باللحظات الصّخابة) (ص88) يملك صوتا (صوت الحلم)، ومدويا فهو (متصاهل في رحم الكلمات)، وهو نار متأججة تستيقظ في أعماق الشاعر أو بيت له شرفة تمنح فرصة التأمل في الآفاق الواسعة والأرجاء الرحبة (من شرفة الحلم تطلين)، وهو أحيانا زورق يمكِّن من تجاوز المسافات والإبحار بعيدا، كما يرتبط بالجنون والعشق (تخصب نيران العشق معمدة بجنون الحلم ). وكي يعمق الشاعر استعارات الاندفاع للحلم يعطي نموذج الحلم السلبي الذي يرفضه:
تخلع عنها
ثوب الأزمنة المنخورة
والحلم الناعم
والهدرة.
 هذا التصور لا يجعل من الحلم  هروبا سلبيا، وإنما يجعله امتدادا للفعالية والإنجاز (صوب شعاب الحلم الفعال )(ص 95 )، الذي يمنحه الحرف أحيانا، ويمنحه الجرح الذي (يقطر/ يرسم للمستضعف /حلما / وعدا/ ونبوءه) (ص119) كما أن الأحلام مزهرة، طافحة بالخصب:
بحثوا
عن أنفاسي الحمراء
عن أحلامي الخضراء
عن لغة الحب
وعن سبع سنبلات خضر
تتدثر بالحلم.
 وارتباط الحرف بالحلم وثيق في نصوص الديوان، حيث يعبر الشاعر عن هذا التلازم بقوله:
يشعل للحرف الشارد
حلمي (ص 121)
وقوله:
الحلم المتوهج
والحرف (ص83 )
وارتباط الحب بالحلم، حيث (الحب أخضر)(ص126)، وارتباط الحلم بالمرأة:
أخذوا قلبي
وصورة من أهوى
من تعشقني
من أعطتني الحلم ربيعا
وسقتني الحرف
 ينابيعا   (ص125 )
من هنا، يبدو التلازم الوثيق بين الحاءات الأربع؛ فكل واحدة تفضي إلى الأخرى، وتتجمع كلها لتعانق أحلام البسطاء وتروي عطش الأرض العارية التي يشتهي الشاعر معانقتها في نص "توقيعات على سنفونية الخصوبة"، والذي هو قمة التوحد الصوفي بالمعشوقة الأرض، والتي يفاجئ القارئ حين يعلنها في آخر النص:
ألثم كل تفاصيلك
حرفا
حرفا
ألف
راء
ضاء.
مما يجعل رؤية الشاعر حالمة بامتياز، تتجاوز الحدود المرسومة للحلم الرومانسي، لتقدم صورة للثورية الحالمة عبر الكشف عن هموم الشاعر الكونية، وارتباطه بأحلام البسطاء والمستضعفين، فالمرأة تتجاوز الحدود الجغرافية للجسد، لتصبح معادلا للأرض، والشعر يتجاوز كونه تعبيرا عن هم متقوقع على الذات، بل ينتقل للتأمل في قضايا أكبر ومشاكل أعمق. فإذا كان معجم الحلم يستحوذ على الديوان فإن معجم الهم اليومي والمعيش يحضر موازيا له، وإن كان حضوره أقل. والمرأة الحاضرة ـ كمعشوقة ـ في جل النصوص لا تتعدى كونها الأرض، كما في قصيدة "توقيعات".
  إن "حاءات متمردة" نص واحد، وملحمة للحلم، ترفعه من مجرد تعبير نفسي يحتاج إلى تأويل، إلى أسطورة متكاملة، تطرح حلا جوهريا لمعالجة مشاكل الذات والعالم.
2 ـ التكثيف الموسيقي:
يحفل ديوان "حاءات متمردة" بلغة شعرية سامقة، تمنح الإدهاش بفضل ما يتناسل داخلها من صور تنزاح عن المألوف وتخالف المعتاد، لكني ارتأيت أن ألامس جمالية الإيقاع لأنه يمنح للخطاب الشعري  سلطته داخل الديوان، ويجعله خطابا منظما بفعل ما يتأسس عليه من تكرار التفاعيل والأصوات والصيغ الصرفية والوحدات الدلالية، وما يمنحه ذلك من أثر نفسي وانطباع جمالي خاص يدركه المتلقي وإن كان يتعذر تقنينه بنفس درجة تقنين قواعده.
  إن جمالية التكثيف الموسيقي تتجلى من خلال تمظهرات عديدة تؤسس الإيقاع عند عبد السلام مصباح، إذ يقوم التشكيل الشعري عنده على عناصر متعددة أهمها:
أ ـ الإيقاعات النغمية
إن الحديث عن الإيقاعات هو حديث عن الأوزان الشعرية في حلتها الجديدة وعن خصائصها وتجلياتها المعاصرة ، ولعل تخصيصنا لها بصفة " النغمية " دليل على صلتها الوثيقة بالصوت والاهتمام منا بما هو سمعي أكثر من الارتباط بالصورة الخطية التي تمكن دراستها ضمن ما يسمى بالتشكيل البصري.
 إن أيا منا حين يسمع أن ديوانا يتكون من ستة عشر نصا، فإنه يتصور ـ لا محالة ـ وجود تنوع كبير للأنساق النغمية وإمكاناتها، إلا أن هذا الديوان الممتد عبر126صفحة ، يفاجئنا بكونه لا يسخّر إلا بحورا ثلاثة، كما أن قراءة الديوان تبيّن أن نصوصه نسجت على إيقاع واحد، سريع ولاهث، يكثر من الحركات ـ على الرغم من قلة التنويع  في البحور ـ فقد احتل الخبب 13 قصيدة، بمعدل يقارب 82%  في حين جاءت قصيدة واحدة متنوعة التفاعيل تقترب من قصيدة النثر، مع قصيدة واحدة للرمل، وواحدة للهزج بمعدل 6% لكل واحدة منها، وقد احترم الشاعر الأوزان في صورته التفعيلية الصافية، فلم يتجاور داخل النص الواحد أكثر من بحر. ومن أهم البحور التي لمحنا حضورها: الخبب والمتدارك حيث يجمعهما النص الواحد أحيانا، وهذا الجمع ليس من بدع الشاعر، إذ لوحظت هذه الظاهرة على القصيدة المغربية منذ السبعينيات، في قصائد محمد بنيس ومحمد بنطلحة وأحمد بنميمون وعبد الله راجع وأحمد بلبداوي وعلال الحجام ومحمد الأشعري وحسن الأمراني ـ كما كشفت عن ذلك رسالة الشاعر عبد الله راجع " القصيدة المغربية المعاصرة بنية الشهادة والاستشهاد"ـ وهذا الإيقاع يتسم بالتنوع والخفة والسرعة وبغناه وكثافته الموسيقية، و"لجوء الشاعر المغربي إلى المتدارك/ الخبب مبرر بغنى هذا التشكل وتنوع وحداته الإيقاعية. ولكننا نرى أن لهذا التبرير ما يزكيه، فالإيقاع الناتج عن تشعيث فاعلن والمسمى بضرب الناقوس أو قطر الميزاب يكاد ينطبق مع الدارجة المغربية التي يغلب عليها الحرف الساكن، والمد في نهاية المفردة" ـ كما يقول عبد الله راجع (ج1ص156) كما أن الشاعر يستعمل الهزج في قصيدته " ثلاثية الحرف والبعث" ص 73 والرمل في قصيدة " عن الحلم والفرح" ص7
والرمل بحر "سهل، يسير، ذو نغمة واحدة متكررة، ... وأقل ما يقال عنه إنه بحر بسيط النغم، مضطرد التفاعيل، منساب، طبلي الموسيقى، ويصح لكل ما فيه تعداد للصفات، وما تلذذ بجرس الألفاظ، وسرد للأحداث في نسق مستمر." ـ حسب ما يرى عبد الله الطيب في المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها ـ وفي اختيار الشاعر لهذه الإيقاعات مناسبة للتعبير عن رؤية الشاعر، فهي تستجيب لرهان الوحدة والتدفق وللرؤية العميقة التي، من أجل تجليتها، خط قصائده.
ب ـ التعامل الخاص مع القافية:
إن الشاعر عبد السلام مصباح يشكل القوافي بحرية تامة، فهو يجمع بين أنماط من القوافي، لكن النمط الذي يهيمن على نظام التقفية عنده هو القوافي المرسلة، ولعل أول ما ننطلق منه للحديث عن هذا النمط من القوافي هو ربطه بالرأي القائل بضرورة الوزن والقافية بشكلهما الخطي دون الاحتفاظ بحرف الروي، من هنا تصبح هذه القافية هي ما خلت من حرف الروي، وهي "معروفة قبل مجيء الشعر الحديث فيما سمي بالشعر المرسل."[3] ونجد من القائلين بهذا الرأي د.عز الدين إسماعيل الذي يرى أن الشعر " لم يكن ليستغني عن القافية، ولكنه يستطيع أن يستغني عن الروي المتكرر في نهاية السطور، ومن هنا استغنى الشاعر عن القافية بوضعها القديم ، لكنه ألزم نفسه مقابل ذلك بنوع من القافية المتحررة تلك التي لا ترتبط بسابقاتها أو لاحقاتها إلا ارتباط انسجام وتآلف دون اشتراك ملزم في حرف الروي، وبذلك صارت النهاية التي تنتهي عندها الدفعة الموسيقية الجزئية في السطر الشعري هي القافية,"[4] وهذا اللون من التقفية يجعل القصيدة تكاد تقترب من الشعر المنثور، إذ تتجلى هذه القافية في تغييب حرف الروي في نهاية المقاطع، ففي قصيدة "عن الحلم والفرح" ندرك أن الشاعر يبني نصه على مقطعين شعريين اعتمادا على التدوير العروضي، إذ تتوازن الوقفة العروضية/ النظمية مع الوقفة الدلالية، وينتهي المقطعان باللفظتين التاليتين (ظل ـ فصول) وهما قافيتان مختلفتان من حيث حروف القافية وبنائها، على الرغم من التشابه في حرف الروي (اللام)، وهو الأمر ذاته الذي نلمحه في نص "حلم" الذي وظفت فيه القوافي المرسلة التالية في نهاية مقاطعه (الرحمة ـ اليومي ـ القمع ـ الأمل) وفي هذا المنحى سارت جل نصوص الديوان. وإلى جانب هذا النمط وظف الشاعر القوافي المتواطئة، وقد استنبط محمد بنيس هذا النوع من التقفية في الشعر الحديث من رصد النقد القديم لظاهرة تكرار القافية في الشعر العربي، حيث كانت تعتبرها عيبا سمي بالإيطاء، و"يقصد بها القافية التي تنادي على توأمها في البيت الموالي أو الأبيات الموالية."[5]
ويحتل هذا النمط حيزا كبيرا في هذا الديوان، ويتخذ أشكالا متنوعة، إذ يكرر الشاعر نفس اللفظة في نهاية كل مقطع كقوله: "ما أجمل ذلك" في نهايات مقاطع قصيدته "نداءات" (ص 17) والتي اختار لها ـ في بدايات المقاطع ـ  تكرار عبارة " ما أسعدني" ليمنح النص كثافة موسيقية وليبنيه بناء حلزونيا. وتجدر الإشارة إلى أن الشاعر كرر هذا النمط من البناء في أكثر من قصيدة مثل قصيدة " ما تيسر من سفر الخروج" إذ كرر كلمة (نخرج) في بداية كل مقطع، وقصيدة "حلم" التي كرر فيها عبارة "أحلم أحلم بامرأة تأتيني" وقصيدة " باسم الحب وباسم الحرف" التي كرر عنوانها في بداية مقاطعها، وقصائد: "اعتراف" و"شفشاون" و" ثلاثية الحرف والبعث" وغيرها حتى لنكاد نقول إن البناء الحلزوني هو الطاغي على البنية الخارجية للديوان. مما يؤكد حرص الشاعر على التكثيف الموسيقي بدل التنويع، ولعل ميزة هذا الإطار هي توزع القصيدة إلى مقاطع مع تكرار نفس البداية في كل مقطع، وتنبني على الدفقة الشعورية، كما يسميها عز الدين اسماعيل، إذ للقصيدة نقطة انطلاق شعرية تبدأ منها وترتكز عليها يعبُرُ الشاعر فيها مجالا شعريا محددا ومغلقا، يكشف فيه عن شطر من رؤيته الشعرية، ليدخل مجالا شعريا آخر إلى أن تنتهي القصيدة معلنة اكتمال الرؤية الشعرية، ذلك أن كل مقطع يكتسب استقلاليته و كأنه حركة منفصلة تنعزل عما سواها من الحركات / المقاطع، ويندغم بها في الآن ذاته.
كما نلاحظ في الديوان غياب القوافي المتراسلة، لأن هذا النوع من القوافي يمكن اعتباره امتدادا طبيعيا للشعر القديم، إذ يتكرر نفس الروي في نهاية كل سطر أو كل بيت، و"من الجدير بالذكر أن هذا النمط القافوي غالبا ما يوجد لتحقيق إشباع غنائي أو لون من الانتشاء الذاتي."[6] وهذا النمط قليل في الشعر الحديث لأنه يخلف نوعا من الرتابة، وقد حاول الشعراء المعتمدون هذا النمط تكسير هذه الرتابة بالإتيان ببعض الأبيات المرسلة أو الشاردة، وعلى نفس الخط سار الشاعر عبد السلام مصباح.
وإلى جانب القافية في نهايات المقاطع الشعرية اختار الشاعر قوافي داخلية أغنت النصوص صوتيا ودلاليا، ويكفي أن نمثل لها بقوله:
أنت قرنفلة الماء الجائل
تحت ضلوع الخيمة
والرمل
وبين تراجيع الخيل
تفاصيل الليل
وفي مملكة العشاق
الشعراء (ص35)
فأدرج ثلاث كلمات (الخيل ـ الليل ـ الرمل) لتشكل قوافي داخلية لهذا المقطع الشعري.
ج ـ التوازي والتكرار:
 اهتم الشاعر عبد السلام مصباح بعناصر الإيقاع الداخلي، فحرص على استثمار التوازي، وتنويع تشكيلاته سواء من الناحية الصرفية أو النحوية أو الدلالية، وقد نوع في البنيات التي اعتمدها لتحقيق جماليته ومن أمثلة التوازي التركيبي:
ـ طرت شهرا /طرت عاما/ طرت عشرا/ طرت عمرا
ـ طرت حتى ملني بحر الزمن/ طرت حتى عافني درب السفر
ـ ليس بها شرق غرب/ ليس بها أنت أنا/ ليس بها غير الألفة.
والمتأمل في هذه الأمثلة يدرك أنها تؤدي وظيفة إيقاعية صوتية بسبب تكرار الصيغ والحروف، وإلى جانبها تؤدي وظائف تعبيرية كالتنامي في المثال الأول والترادف في الثاني والتوحد بين المتقابلات في الثالث؛ مما يمنح النص قوة موسيقية و طاقة إيقاعية هائلة تخلق صورا سمعية لافتة.
أما التكرار فهو يغطي مساحة واسعة داخل رقعة النصوص، ويتخذ مواقع متنوعة، فأحيانا يأتي في أول النص ليمنحه بناءه الحلزوني، وأحيانا يتخذ شكل القوافي الداخلية وأحيانا يستأثر بموقع القافية ضمن ما أشرنا إليه من قواف متواطئة. ومن أمثلته في بداية النص:
ـ أحلم/ أحلم بامرأة تأتيني...
ـ نخرج/ نخرج من قبو الكلمات
أما في وسطه فنمثل له بقول الشاعر:
ــ نرقص/ نرقص/ نرقص حتى يورق نبض القلب.
وقد منح التكرار للأفعال وظيفة تصويرية وأعطاها حركية حتى لكأننا أمام مشهد.
وقد استثمر الشاعر إلى جانب ذلك ما تمنحه كافة العناصر البلاغية من إيقاعات فوظف الترصيع والتجنيس، إذ هيمنت صيغتي (فعْل ـ فعَل) على جل ألفاظ النص مثل:
ـ فعْل = طير ـ خلف ـ شهر ـ عشر ـ يأس ـ قهر ـ همس...
ـ فعَل = سفر ـ زمن ـ شجر ـ نغم ـوطن ـ تعب ...
مع التجاور الممكن بينهما مما يؤكد حضور التكثيف الموسيقي داخل هذا الديوان حتى أنه غدا ظاهرة لافتة تعكس روح التجريب لدى الشاعر عبد السلام مصباح من داخل النسق العروضي التراثي وليس من خارجه.
في الختام: نؤكد أن تجربة الشاعر المغربي المبدع عبد السلام مصباح ترتكز على ثلاثة عناصر أساسية تمنحها فرادتها وتميزها هي: الإيقاع والرؤيا واللغة الشعرية، وهي الأسس الضرورية لكل شعر جيد. وبتوظيف هذه العناصر استطاع الشاعر أن يحقق لنفسه موقعا داخل خريطة الشعر المغربي. فهو قامة شعرية، يصعب على دارس القصيدة المغربية القفز عليها. وكل محاولة للكشف عن مكامن السحر والجمال في القصيدة المغربية المعاصرة لابد وأن تجد في هذه التجربة الممتدة، والباذخة إيقاعا وصورا وخيالا بغيتها.




[1]  ـ ـ حاءات متمردة ـ محمد مصباح ط1/ 1999 دار القرويين ـ الدار البيضاء

[3]  ـ أحمد المعداوي، البنية الإيقاعية الجديدة (م.س) ص 73
[4]  ـ د. عز الدين إسماعيل، الشعر العربي المعاصر ... دار العودة ص 67
[5]  ـ خالد بلقاسم، قفاز بلا يد وبناء الإيقاع، العلم الثقافي ع 779 بتاريخ 20/6/1992 ص3
[6]  ـ محمد الكنوني، البنية الإيقاعية في شعر محمد الخمار الكنوني، منشورات السفير مكناس ص 43

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Best Buy Coupons تعريب : ق,ب,م