الثلاثاء، 13 أغسطس 2013

إلى زهْرة الكوْن/بقلم محمد الزهراوي



إلى
زهْرة الكوْن 
 في
اليَوْم العالَمي لِلشِّعر
بقلم محمد الزهراوي
 
ماذا أقولُ..
في مَلِكَةٍ غَنوج
عنْ حُفْنَة زَبيبٍ
كمْشةِ مِسْكٍ ..
زَيْزفزنَةٍ قُصْوى
وَحلْوى الزّنْجَبيلِ .
حَياؤُها الْيوسُفِيُّ
يُدْمي الْحَديدَ
وصدْرُها ذاكَ
الوَريفُ الدِّفْءِ
وطَنٌ كوْني..
فارْحَموها
ياحيتانَ الْبِحار.
إنّها اليَوْمَ..
شهْرَزادُ الْحَداثَةِ.
كُلُّها آهاتُ
اشْتِياقٍ لَنا
بِذِراعيْنِ نَحيفَتَيْنِ
فمنْ سِواها كانَ
حارِسي الّليْلِيَّ
وحْدَها مَزاميرُ
حنانٍ ومَزاريبُ
وجْدٍ وحُب..
مَن كانَ غيْرُها
مانِحي وَلا تكَلُّ.
انْظروا الّلوْعَةَ ..
أُنْظُروا إلى إِشْراقَةِ
الْقَلْبِ الْمُعَنّى..
لِلإلهَةِ المَجْهولَةِ .
ها هِيَ ..
قيْثارَةُ أشْعارٍ
بِيَدِ الرّيحِ
وفَنارَةٌ فـي
لَيْلِ الإنْسانِ..
عيْناها أصْباحُ
نَهاراتٍ خُضْر..
تُطِلُّ بِنا عَلى
غَدٍ آخَرَ خلْفَ
أُفُقٍ قَصِيٍّ
وَدونَ الأبْحُرِ.
هِيَ رَوْضَةٌ
ثَمِلَةٌ بِالْحُبِّ
تُهَلِّلُ لِـيَ..
فـي السّريرِ
اَلأرْضُ المُقَدّسَةُ
تحْتَنا وفوْقَنا..
اَلسّماءُ الْكَريمَةُ.
حضْنُها الْحَبيبُ..
دارُ نَفْيٍ إِلَيَّ
بَسَماتُها الْعِطارُ
أزْهارُ فَلاةٍ
ونَظَراتُها الْبَعيدةُ
مِياهُ نَهْـر.
هِيَ البَدَوِيّةُ
الْكُحْلِ نَرودُ أوْجاعَها
كَماعِزِ الْجِبالِ..
ننْهَشُ أحْزانَها
الكَوْكَبِيّةَ مِثْل فاكِهَةٍ
وَلَمْ نشْبَعْ جِنْسِيّاً
مِن لَحْمِها الْغَضِّ.
تَثِبُ بِنا الْخَنادِقَ
صَوْبَ بَرِّ الأمانِ
وَهِي لا تَدْري.
عفْوَكِ أَيّتُها النّبِيّةُ
فـي لَيْلِنا الْمُعْتِمِ..
أنا خُدْعَةٌ
لَفّقوها فَصَدّقْتِها
وأعْتَذِرُ مِنْكِ..
عنْ شَهْرَيارٍ جَديدٍ
وَرَبٍّ قَديمٍ قَديم؟
ماذا أقولُ فـي
مدْحِ سيِّدَتي
أكْثَرَ وَهِي مُحَرِّضَتي
عَلى الْحُبِّ..
حَتّى الْبُكاءِ
والْمهْمومَةُ بِيَ
تحْت سِياطِ
الزّمانِ الْوعْرِ
وحَتّى فـي مسْتَنْقَعِ
الشّيْخوهَةِ الْكَدِر.
دَعيني أُمّاهُ..
أنا فقَط أتَغَنّى
بِشِيَمِكِ السّكْرى
وعَطايا أياديكِ
الرّسولَةِ ولا أُحِبُّ
ثدْيَيْكِ وحْدَهُما
وَإِنّما أعْبُدُ..
رُكْبتَيْكِ أيْضاً
فأمْشي مُطأْطَأَ
الرّاْسِ وكاهِلي
يَنوءُ لَكِ بالدُّيونِ.
ولا أطْماعَ لـي..
إلاّ أنْ يَكونَ
لِقَوامِكِ الرّشيقِ
أنْصابٌ فـي
الْمَيادينِ وصُوَرٌ
في كُلِّ الْكُتبِ.
وأخافُ علَيْكِ..
لا أُريدُ أنْ
يقْرُبَكِ الّليْل..
لا أن يَمسّكِ الْهَواءُ
لا الْفَجْرُ لا الشّموسُ
ولا الطّيوبُ..
لِأنّني بِدونِكِ شِبْه
مَيِّتٍ أوْ كَمِثْلِ
حَلَزونٍ جَريح.

شاعر مغربي

الهلوسة: سخرية الكتابة و هوس الإبداع/مداخلة: ذ. محمد العرجوني


الهلوسة: سخرية الكتابة و هوس الإبداع

مداخلة: ذ. محمد العرجوني
المقهى الأدبي وجدة: 30 يوليوز 2013
لقاء: الهلوسة سخرية الأدب وأدب السخرية
***
1-   ماذا عن كلمة : الهلوسة؟
لسان العرب: الهلْس والهُلاس: شدة السُّلال (الدّاء) من الهُزال ...يعطي المهْلوس: الذي يَأْكل ولا يُرى أَثرُ ذلك في جسمه. ومهْلوس العقل أي مسلوبه. ومهْتلس العقل أي ذاهبه.
في معجم المعاني نجد: الهلوسة: أَخْيِلَةٌ يَظُنُّها الإِنْسانُ وَقَائِعَ حَقِيقِيَّة، وهي مرتبطة بالتحليل النفسي، منها:
     هلوسة الألم
     هلوسة الإحساس بدواخل الجسد
     هلوسة التملك
     هلوسة العملقة
     هلوسة ترائي الذات
     هلوسة تصغيرية - عجائبية
     هلوسة تصورية
     هلوسة تفريقية
     هلوسة جماعية
     هلوسة حجم القامة
     هلوسة حسية متعددة


2-   الهلوسة في علاقتها بالأدب العربي:
لم أجد ما يشفي غليلي في الأدب العربي... لكن ما يمكن إجماله، أن الأدب العربي، وخاصة الشعر منه، غالبا ما ينعت صاحبه بالساحر، أو المهبول والمخبول والشيطان، وما قصة وادي عبقر إلا خير دليل على هذا:
"وادي عبقر يقع في نجد وهو وادٍ سحيق، واذا قيل فلان (عبقري) فهو نسبة إلى وادي عبقر. وتقول الروايات إن هذا الوادي تسكنه شعراء الجن منذ زمن طويل، ويقال إن من أمسى ليلة في هذا الوادي جاءه شاعر أو شاعرة من الجن تلقنه الشعر، وأن كل شاعر من شعراء الجاهليه كان له قرين من هذا الوادي يلقنه الشعر.
مثل:- لافظ بن لاحظ جن صاحب امرؤ القيس
هبيد بن الصلادم جن صاحب عبيد بن الأبرص
هاذر بن ماهر جن صاحب النابغة الذبياني
مدرك بن واغم جن صاحب الكميت بن زيد."
(عن ويكيبيديا العربية)
3-   الهلوسة بالأدب الفرنسي:
في القرن التاسع عشر، مع الرومنسية التي تمردت على العقل والعقلانية الكلاسيكية، ومع ظهورالتحليل النفسي، لم يعد الإبداع خاضعا لقوانين ظلت تتحكم في الذوق الذي كان يراد له أن يكون كونيا، برفضه للذات. أصبحت الذات طليقة حرة، وأصبح الإبداع يهيم في الخيال إلى درجة الهبل. واصبحت الصورة من نتاج الهلوسة الذاتية. هذا ما أبرزه Jean-Louis Cabanès: « Psychologie, histoire, esthétique : les hallucinations à l’entrecroisement des discours »، في : Le numéro 6 des Cahiers de littérature française, dirigé par Paolo Tortonese.
 هنا يشير الكاتب إلى نوع الهلوسة التي تهم المبدع، في استعماله صورا غريبة، لكنها لا تعتبر مرضا، بل تدخل في مجال الإبداع. ما يبرهن على ذلك هو نعت الشاعر فيكتور هيجو ب:  الساحر المتنبئ. نعت سوف يلصق كذلك ببودلير....صفة تضفي نوعا من الحكمة على الشاعر..وهكذا تبدو الهلوسة التي تحتل مكانة مركزية في الصيرورة الإبداعية، على أنها نتاج الذاكرة أي "إحياء الأحاسيس المنسية"، ونتاج الخيال الذي يبدع انطلاقا من الجمال المثالي.
أما في القرن العشرين، فإن الدادائية والسريالية والتكعيبية إلخ..أعطت الضوء الأخضر للهلوسة نتيجة الصدمة التي تلقاها الإنسان الغربي على إثر الحرب العالمية الأولى. صدمة برهنت على أن السعادة التي تغنى بها العقل منذ النهضة، ما هي إلا سراب. ودعت الدادائية، بنوع من الهلوسة، إلى رفض وهدم كل شيء، والانطلاق من جديد، بل ذهبت إلى حد تمجيد الحرب لهدم كل شيء. إلا أن السريالية التي تأثرت بداية بها، انفصلت عنها رافضة فكرة الحرب والهدم، لكنها تأثرت بالتحليل النفسي، واستقر رأيها على صدق الإبداع انطلاقا من الهو، لأن كل ما ينتمي للعقل، ما هو إلا نفاق و لا يعبر عن صدق مشاعر الإنسان. كتابات السرياليين تتميز بنوع من الهلوسة الإيبناغوجية Etat hypnagogique، أي الكتابة خلال لحظة تقع بين النوم واليقظة، حيث لا بستطيع العقل التحكم في الإبداع، وهكذا لا يؤثر سلبا في هذه العملية. للإشارة فإن ديوان روبير ديسنوس: Corps et biens، كتب تحت تأثير الهلوسة الإيبناغوجية. زيادة على هذا، تعتبر الكتابة الأوتوماتيكية، والكتابة المدعمة بالكولاج (صور، لوحات إلخ)، تقنيات يعتمدها السورياليون الذين يؤمنون كذلك بالكتابة الجماعية، كما هو الشأن بالنسبة لتقنية ما يسمى ب: "الجثة اللذيذة Le cadavre exquis..
4-   ماذا عن السخرية؟
يحاول الأستاذ حسن الراوي توصيف الكتابة الساخرة كما يلي:
" تعتبر الكتابة الساخرة الواعية من أجمل أنواع الكتابات وأصعبها بلا شك، فالسخرية الحقّة هي قمة الإحساس بأهمية الأمر، وهي الضحكة المُرّة بوجهٍ باسم، وهي الشعور الحزين بثوب متفائل، وهي المعبر الكبير نحو الأمل رغم زيف الضحكات. لن تكون الكتابة الساخرة كتابة جميلة إلا بتمييز الكاتب الفرق بين السخرية المسؤولة الواعية ... وبين السخرية لمجرّد السخرية ولمجرّد الاستنقاص من قدر الآخرين والتجريح بهم. الكتابة الساخرة تريد من الكاتب قبل ارتكابها أن يمسك في يده مشرطاً لا قلما، حتى يكون دقيقاً في سير سطوره، وحتى يتسنى له أن ينتقل من فقرة لفقرة بخفة وسهولة، وحتى يتوّجس بمشرطه أين يكون مصدر الألم. يظن بعض الكُتاب للأسف أن الكتابة الساخرة هي مجرّد التهريج بتوافه الأمور، والتجريح بكرامة الآخرين، وتعاطي كلمات ومصطلحات سوقية عدة عبر كتاباتهم! لا، إن الكتابة الساخرة لا يُجيد قيادتها كل كاتب أراد أن يمتطي صهوتها إلا من كان فعلاً ذو روح ساخرة حيث أن فاقد الشيء لا يعطيه، وهي أرفع قدراً من التجريح والتهريج، لأن السخرية الواعية المسؤولة هي أداة من أدوات التوجيه والنقد، ولا شك أنها تضع الإصبع فوق الجرح، وتبين مكمن الضعف والخلل، ولكن بشكل وأسلوب غير مباشر." (الحوار المتمدن)
"أمثلة من الأدب الساخر أوردها الأستاذ السبع في مواقف سجلها التاريخ بقديمه وحديثه على المستوى العربي والعالمي، كما استعرض مجموعة أسماء لأدباء هذا الفن عبر العصور، معرفا بهم بشكل مختصر، وقارئا لنماذج من أدبهم، ومنهم الجاحظ وعلي بن سودون البشبغاوي في العصر القديم، وموليير، وجورج برنارد شو، ومارك تون، وعبد الحميد الديب، وحسين شفيق المصري، وجورج جرداق في العصر الحديث." (الحوار المتمدن)
حسب الأستاذ العتيبي:" (...) في التاريخ العربي تراثٌ مثير من الأدب الساخر يمتد من عصر الجاهلية حتى يومنا هذا مروراً بالعصر النبوي فالراشدي فالأموي فالعباسي، تناقلته الكتب بشتى تصنيفاتها، وكتب فيه جماعات من العلماء، منهم الأدباء والفقهاء والمحدِّثون وأهل الكلام والفلاسفة." (الحوار المتمدن).
5-   هوس الإبداع
ونحن ننظم هذا اللقاء تحت شعار: السخرية في الأدب وسخرية الأدب، إنما اعترافا منا بأهميته، وتماشيا مع منتوج فرض نفسه على كل الأصعدة: الصحافة والإعلام والأنترنيت. هو نتاج حالة نفسية يعيشها المبدع الواعي بمجتمعه، نتاج حالة خراب ربما تقربنا من الحالة النفسية للسرياليين، نظرا للأزمات الثقافية والاجتماعية والسياسية، التي خلقت نوعا مت التوتر لدى المواطن المبدع، نتيجة لفقدان الأمل والضبابية التي تميز مستقبل شباب طال انتظاره...ظل ينتظر التنمية الثقافية والاقتصادية..ظل ينتظر انقشاع بريق أمل ينسي النكسات والعتمات...شبابا انتابته فكرة العبث..رغم تشبثه بقيمه الأخلاقية والثقافية..العبث بالمفهوم الوجودي أحيانا، حيث يريد أجوبة إنسانية، لمشاكله الوجودية..لأن العبث يأتي نتيجة النداء الإنساني أثناء مجابهته لصمت العالم اللامعقول، كما اشار إليه الفيلسوف ألبير كامو.
لهذا جاءت نصوص المهلوسين غنية من هذه الناحية حيث تطرقت إلى:
-      الظواهر المشينة والسلبية في مجال الثقافة: الزبونية في تنظيم اللقاءات، والليبيدو الذي يتحكم فيها، والنقد المغشوش الذي يحابي الأصدقاء، وإفساد الذوق لدى المتلقين..
-      اليأس الاجتماعي نتيجة للعطالة المفرطة والأزمات الاقتصادية..
-      اليأس أمام الفاعلين السياسيين الذين برهنوا عن عدم قدرتهم لإيجاد الحلول للمشاكل الاجتماعية والثقافية، وبرهنوا عن انتهازيتهم..
-      اليأس أمام بعض الظواهر التي تبرز النفاق الديني، حيث أصبح الدين مطية للتقرب من السلطة يل والتمكن منها..نقد ساخر إذا لتسييس الدين...
-      نقد العلاقة المصلحية المبنية على فكر الزاوية: هكذا يعارضون هذه العلاقة بطريقة تجمعهم على شكل "زاوية"، له شيخها (زروال)..
-      اليأس أمام فشل المبادرات لاسترداد الحقوق على الصعيد العربي الإسلامي، القضية الفلسطينية كمثال، الحرب على العراق، الربيع العربي إلخ...
أما فيما يخص خصوصية النصوص التي من خلالها يمررون سخريتهم، فهي لا تنتمي إلى جنس واحد، إنها تخترق مجموعة من "الأجناس" التي تحاول تكريس ذاتها؛ حيث نجد القصة القصيرة جدا، والمقامة، والومضة الشعرية، والمسرح، والمقالة الصحفية إلخ... ولو أن البعض منهم يصبو إلى خلق جنس جديد، يؤسس للهلوسة بشكل متميز، رافضا ما سبق ذكره.
يعتير إذا هذا اللقاء الذي رحب به مسيري المقهى الأدب بوجدة بمثابة تشجيع لكل ما يصبو إلى طرح أسئلة ما أحوجنا إليها في الحقل الأدبي والثقافي. أسئلة تنم عن وعي بضرورة خلخلة الإنتاج الأدبي الذي ما لبث يستنسخ تجارب الأولين، رغم بعض الانزياحات عن المألوف التي حاولت دخول مغامرة الإبداع بشكل متميز. هي إذا مغامرة محفوفة بانتقادات المحافظين الذين يتشبثون بالمألوف مخافة من كل محاولة جريئة تتمرد على هذا المألوف للدفع بالإبداع إلى الأمام، وتحريك ماء البرك الآسنة. فعلى المهلوسين أن يكونوا واعين بأن أقلاما محافظة تُشحد لتربكهم، عليهم إذا تقعيد تجربتهم على أسس صلبة، لا تجرفها المياه الآسنة التي سوف يحركونها لتصبح مياها جارية متحركة ومؤكسجنة ....
*****

هلوسة الكلب/بقلم: عبد السميع بنصابر


هلوسة الكلب



بقلم: عبد السميع بنصابر
إلقاء: رشيد أبو نزار 


لَم يُكن لديّ الوقتُ الكَافي لأستَعيذ بالله مِن الشّيطانِ الرّجيم، فالكلبُ الأسوَدُ الّذي باغَثَني فَجرَ هذا اليومِ وأنا ذاهبٌ إلى المسْجد كانَ ذكيّاً.. رَغم أنّني أؤمِنُ أنّ الكِلابَ السّودَ الّتي تظهرُ فجراً هيَ شياطينُ "مُسيَّفة".. حملتُ حجراً ورميتهُ بها، بَيدَ أنهُ كان يملِكُ من اللّياقَةِ ما جَعلهُ يتخوّى عَليها بِمهارةٍ زَعزعَزت كِياني.. قالَ لي وهوَ يَقتَربُ منّي مُبتَسِما "قديمة!".. غمغَمتُ "أعوذ بالله من..." قاطَعني مرّةً أُخرى "طزز! قديمة حتّى هِيَ".. شمّرتُ عَن ساعِديّ وقَفّطتُ جِلبابي.. نقّزتُ في الهواءِ ونقّز هو الآخر.. تعانَقنا في الأعالي وتعاركنا حتّى طارتْ عَجاجتُنا.. ضَربةٌ في وجهي وضربةٌ في وجهه.. عضَضتُهُ في مؤخّرته.. ونبَحَ طويلاً إثرها.. عِندما ابتعدتُ عنهُ قليلاً، شعرتُ بِجِسمي يتضاءلُ ويخِفّ.. أمّا هو فقد استحالَ كومةً من الضّبابِ لم أتبيّن داخِلها.. كانَ جسمي قد توقّف عن التّضاؤل لحظتها.. تحسّستُ جسمي.. وشعرتُ بفروٍ كثيف غطّاهُ.. ظهرَ نتوء على مؤخرتي ثُم طالَ حتّى صارَ ذيلاً كامِلا.. تحسّستُ وجهي أيضا، صارَ لي قَمقومٌ حقيقي كأي كَلب.. كَلب؟.. صِرتُ كلباً.. كَلباً حقيقيّاً!.. أمّا الكلبُ الأسودُ فقد رأيتهُ يخرجُ من الغمامة مُرتدياً جِلبابي وبَلغَتي.. لَم أسْتَسغِ الأمر فتَبعتُه، لكنّهُ كانَ دائما أكثر لياقةً منّي.. هَرولَ إلى المَسجد وتركَني لدى البابِ أترصّدُ خُروجه.. أٌقيمتِ الصّلاة فأقعيتُ قُرب الحائط أنتظر.. كانَ الإمامُ كَثير اللّحن أثناء القراءة، وارتَكبَ أخطاءً كثيرا في المدود وأحكام الميم والنونِ المُشدّدة والساكنة والتنوين.. وخلَطَ بين روايتيْ ورش وحفصٍ وقالون.. استغربتُ كيف لي أن أُلاحِظَ هذا الآن وأنا أُصلّي خلفهُ دائما دون أن أنتبه إلى أخطائه.. كُنتُ كثير السّهوِ أثناء الصّلاة.. سلّمَ الإمام وبعدهُ المأموم والمصلون ثُمّ خرجوا تِباعاً.. ترصّدتُ الكَلبَ الذي صارَني هذا الفجر.. ما إن ألقى ببلغَتـ"ــه" أمامهُ ودسّ قدمه فيها حتّى نقّزتُ عليها بأسناني.. رفسَني برجله وسَرتِ الحميّةُ في قُلوبِ المؤمنين، فتهاوت عليّ أقدامٌ كثيرةٌ وحجارةٌ ونعال.. لم يكُن لديّ الوقتُ لأشَرحَ لهُم فانتحيتُ رُكناً قصيّاً حتى أسْلَم منهم، وعندما فتحتُ فمي لأشرح وجدتُني أقول "عووو عوو هَوْ هاااو".. بكيتُ لحظتها وهربتُ بعيدا.. في الطّريقِ وجدتُ كلبةً بيضاء شاردة قُربَ طارّو زَبَلٍ.. سألتُها "ما اسمُك؟" أجابتني "نسيت".. واستَطرَدت "لونُك جميل".. تبادَلنا الحديث وعرفتُ أنّها كانت تنتظرُ مومِساً قُربَ الكاباريه، سَرقَت منها إنسانيتها ليلتئذ بَعدما كانت كَلبة، وأنها حزينةٌ لأنها فقدت أيضا مع جسدها حقيبةً فيها "لاكارط كيشي وكل الأوراق".. تذكرتُ بَلغتي وجلبابي فسردتُ عليها حكايتي.. "كُنتِ مومسا؟" سألتُها فأجابت "نعم".. "غريب، أكرهُ المومسات لكنني أحببتُك وأنت كلبة".. قالت " لا تعجب، بدوري أحببتُك كلباً أسود، رَغم أنني عندما كُنتُ إنسانة، كان جارُنا مول الزريعة الأسود يتبعني ولم يُصوّر مني ما يُنقي به أسنانه".. فرحتُ بمشاعرها تُجاهي.. ولم أُفكر في أنها الآن تملكُ بكَرة أم لا، البكرةُ الّتي تسبّبت في فراقي مع حبيبة قبل أيام.. قالتْ "نتمشّاو شوية؟" قُلتُ "نعم تفضلي" على الرصيف كُنتُ أمشي مُلتصقاً بها.. وقُلتُ "آجي علاش ما نتزوجوش كاع؟".. قالت لي وهي تنعطفُ إلى طارّو زبل قريب " آجي نفطرو بعدا ويحنّ الله".. تبعتُها مسرورا وأنا أفكر في أنني سأفطر لأول مرّة مع أُنثى بجيب فارغ.. بل بدون جيوب كــاع..

مداخلة المهلوس رشيد أبو نزار


مداخلة المهلوس رشيد أبو نزار


 في لقاء الهلوسة الذي نظم بالمقهى الأدبي وجدة

تحت شعار الهلوسة سخرية الأدب، وأدب السخرية
يومه 
30/07/2013

تحية ثقافية الى كل الحضور الكريم وتحية حب وتقدير   يبعثها لكم الأعضاء المؤسسون "لصفحة المهلوسون الجدد"، الذين يشكرون المقهى الأدبي ورواده على احتضانه لهذا النشاط الأول من نوعه في المغرب كله ..ويشكرونهم على ثقتهم في فكرة أطلقها شباب طموح الى تغييرنمط  ثقافي، لا نخشى  القول :أن  به كثير من الشوائب والأمراض التي  لا ينفع معها الا البدأ من جديد، ونبذ كل ما هو مشين، وكل ما لا يمت للثقافة الرصينة بصلة .. لا بد من فئة تندد : ( بالجوانب السلبية التي ساهمت بشكل كبير في تردي المشهد الثقافي، بداية بالنقد الإخواني أو الأصدقائي”.. والحوارات الممجدة، والبورتريهات المشبوهة، والقراءات العاشقة بل المغرقة في عشقها حد الارتياب)،  هكذا تحدث المهلوس عبد السميع بنصابر في أول مقال تناول صفحة  المهلوسين الجدد، ونشر بجريدة الأحداث المغربية عدد 4576 بتاريخ 2 فبراير2012 بقلم  الصحفي ميمون أم العيد ،الذي هو أيضا كان  قلما غير مهادن في البداية الأولى لانطلاق   المجموعة...
وفيه أيضا أي المقال تصريح اخر للمهلوس شكيب أريج .. إذ يقول: "وفي الوقت الذي نحتاج فيه أدبا يهز الضمائر ويوقظها نقرأ أدبا عن الصابون والكراسي والمظلات وقشور الليمون..والأكثر من هذا أن الأدباء تحولوا إلى قراء لبعضهم وفتحوا أوراش كبيرة للصباغة والمداهنات …لكل هذا لا بد من ردة تصل درجة الكفر على واقع مشوه، لا بد من ردة تصل درجة الجنون والهلوسة.."
وبتاريخ 08 فبراير 2012 سيكتب صلاح بوسريف في عموده بجريدة المساء، عن ما يسمى "بالمسخ الثقافي"، ويذكر فيها بادرة "المهلوسون الجدد" إذ يقول "ليس من قبيل الصُّدْفَة أن يقوم مجموعة من الكُتَّاب والمثقفين المغاربة الشباب بإنشاء صفحة على الفايسبوك، لفضح الفساد الثقافي في المغرب، وما أصبح سائداً من سلوكاتٍ، أساءت كثيراً للمثقفين وللعمل الثقافي بشكل عام(...)أوافق شخصياً على كل ما فضحوه من سُلوكات، وهو مما كنتُ دائماً أكتبُه وأقوله، وأعمل على رفضه، باعتباره عملَ مافْياتٍ وميلشيات، وليس عمل مثقفين ومؤسسات ثقافية. ثمة أشخاص وضعوا يدهم على كل ما يعني الشأن الثقافي، وفرضوا هيمنتهم على الجمعيات الثقافية والفنية، وهم أيضاً من كانوا مُهَيْمِنِين على قرارات وزارة الثقافة، وعلى فعَّاليات المعرض الدولي للكِتاب، وكانوا يُقَرِّرُون في السفريات، وفي طبيعة المشاركين في " أنشطة " هذه المؤسسات، .. وكل هذا كان سبباً رئيساً في إفساد المشهد الثقافي وتزويره."

وبتاريخ الأحد ٢٩ يوليو ٢٠١٢ بجريدة الحياة اللندنية
كتب عبد العزيز الراشدي مقالا بعنوان :«المهلوسون الجدد»: كسر النمط أم شغب مبتدئين؟
مؤكدا فيه على : أنّ الحاجة إلى مثل هذه الصفحات، الناقدة للواقع الثقافي المغربي، حيوية، في ظل المجاملات الطاغية على المشهد العام والضعف الفني اللامحدود. فـ «المهلوسون الجدد» يرون المثقف بعين اللّوم لأنه «تخلّى عن دوره ورسالته» في زمن اختلاط الأسئلة، علاوة على «تزكية الكتّاب والكاتبات بطرق مشبوهة»، كما أن ظهور سمات نافرة في الحياة الثقافية، من قبيل المجاملات الفنّية، و «الاعتراف بالأدباء الذين يكتبون في الخارج على حساب الكتّاب المحليين»، وغيرها من الظواهر التي يعتبرها بعض الكتّاب «المهلوسين» سلبية، تعزز «شرعية» مثل هذه الصفحات المستفيدة من هبة الإنترنت.
ولعلني بهذا أكون قد وضعتكم في الصورة الأولى لبداية نوع من الكتابة اسمه الهلوسة، لكني أحس بماذا يدور بداخلكم من سؤال جوهري، هو ما هي الهلوسة؟ وما تعرفيها؟  ومن هم بالضبط هؤلاء "المهلوسون الجدد"؟ أقول  أنه في إطار بحثي عن تحديد مفهوم للهلوسة وجدت نفسي أمام هلوسات متعددة، فكل شخص من هؤلاء المؤسسين  له  طاقة من الرفض واختار لها الشكل  الذي يراه مناسبا للتعبير عنه، لكن  القاسم المشترك بيننا  هو الجنون الذي بداخله حكمة يستنبطها القارئ آخر كل هلوسة..
فالهلوسة عند عبد السميع بناصر مثلا يراها أنها :جنس من أجناس الأدب.. تمتح من النثر والشعروالمسرح والمقامة ، ويُمكن أن نرى فيها أيضا ميتا-أدب.. بعبارة أخرى: (عندما يحكي الأدب عن الأدب).. فهي تُحاكي جميع الأجناس الأدبية قصد مساءَلَتِها... وقد عرفت بعض التحول على أيدي بعض رواد الصفحة من أمثال رشيد أبو نزار وعبد الباسط بوشنتوف (العموري)، الذين فتحوا لها أبوابا جديدة بجعلها مختبرا لمناقشة ظواهر سياسية واقتصادية ورياضية..الخ ...
وفعلا  هذا ما حاولت  فعله شخصيا  حسب منظوري وفهمي لهلوستي المتواضعة أن أتجازو ذلك الهلوسة  الأدبية  التي  كانت موجهة مثلا للقصة ق ج..  وأحب أن أذكر أن هجومنا بطريقة الهلوسة ق ج على ق ص ج كان يستهدف الرديئ منها ..فعقلي مثلا لم يتوعب أن تكون مثلا هذه العبارة:
"شرب كأس شاي ، أغمض عينيه ، و تخيل أنه يشرب ويسكي "على أنها قصة قصيرة جدا ".
  أو مثلا 
"قال : لا
  قال: اقتلوه
و يتباهى صاحبها أنه جاء بأقصر قصة قصيرة في العالم ...
هكذا كان ردي ساخرا عنيفا بعض الشيء ولم سيتسغه الكثيرون..
وكذلك الهجوم على الشعر أيضا حين أصبح ينعت كل من كتب سطرين متتباعين  شاعرا.. وكل من قرأ "لعنطر"-حسب تعبير الأستاذ مصطفى السلاوي- أصبح يستضاف في الملتقيات والاذاعات..
 وأحب أن أحيي من هذا المنبر الأستاذ السلاوي على عرضه القيم الذي كم تمنيت أن تحضره  أقلام المقهى الأدبي كلها ..ففي عرضه ما النقد؟ وما الناقد؟  كانت له الشجاعة والجرأة في أن يطرح كثيرا من النقط التي يتحاشى العديد من الأستاذة وخاصة النقاد ذكرها، لأن هم من لهم الألولية في دق جدران الخزان وليس جماعة المهلوسين لأن للناقد  الحقيقي  دوركبير وأمانة يحملها على عاتقه... أحيانا  حتى تلك الجيم التي يضعها في الفيسبوك يجب أن يحاسب عليها وقد قلت في احدى اللهلوسات:
" هناك "الجيم" الحسنة وهناك "الجيم" السيئة ( الَواحَدْ يَعْرَفْ فينْ يْحَطّ صَبْعو ما يَبْقَاشْ يْخَلّطْ " ..
خاصة في مجال الإبداع (لأن "جيم" اسي الرباوي او سي بوزفور مثلا ماشي هي جيم فاتي فلور)...
   كانت هذه أمثلة الهلوسات الأدبية، لكن الأمر بمنظوري الخاص سيتطور إلى مجالات أخرى بدورها تستحق الخلخلة ودق جدارن  خزانها فكانت هلوسات بطعم اجتماعي سياسي  وكذلك تفاعلي/  آني مع كل  أنواع الأحداث التي تجري حولنا ،لأن كل هذه المجالات تنخرها نفس الرداءة.. لهذا أجدني  ميّالا الى  تعريف الشاعر  محمد لعوينة للهلوسة، حين يرفع مرتبة الهلوسة إلى مرتبة الفلسفة،: أو لنقل هي منهج نقدي...أو هي حالة وجودية يعيشها الانسان المبدع في ظل ظروف تعج بالرديء و الغث..هي منهج للتعاطي مع النصوص...ومع كثير من الظواهر المشينة والسلبية...الهلوسة ذوق...ليست بالعلم و لا بالفن...هي حالة صوفية لا يعرفها الا القليل ممن عاشوا الواقع المرير...الهلوسة عدم قبول لرداءة الواقع...لكن مع معالجته بالطرق اللطيفة...بالسخرية..بالفكاهة..باللامبالاة"
وحتى لا أخرج من دائرة المهلوسين فبدوري لي مفهومي للهلوسة لا يخرج كثيرا عم ما سبق ولكن يجمل الهلوسة على أنها خطاب تختلف عن انواع كثيرة وسائدة من  الخطابات او تحاول تميز نفسها  :عن الخطاب السياسي الخشبي...عن خطاب الشارع الشفوي الساذج...عن الخطاب الأكاديمي المتعالي...عن الخطاب الاديولوجي بشقيه الديماغوجي والدوغمائي عن الخطاب الهزلي التهريجي...عن الخطاب المجاملاتي الشيميكولوري...عن الخطاب الأخلاقي المثالي...ولنا عودة مفصلة في هذا الموضوع
واختم بهلوسة عن الهلوسة :
هلوسة الهلوسة
إن خطاب الهلوسة هو خطاب الرفض المغموس  بالسخرية المرة وليس مجرد رفض من أجل الرفض كما  أنه  ليس خطابا سطحيا يستهدف تصفية حسابات شخصية ...الهلوسة أعمق  تصارع أفكارا  شاذة وظواهر مشينة لا تقتصر على ميدان  دون آخر  قد تبدأ كل  هلوسة من محيطها لكن تتسع إلى ميادين أخرى لأن  الظواهر  المشينة والشاذة لم تترك  ميدانا الا ونخرته ..لهذا كلما كن الصراع فكريا  كلما  كانت  الفكرة  أوسع وأشمل وأعمق..أما إذا نزلت  الى قعر التشخيص  تحولت  الى "شنشفني  نشنشفك "...باختصار الهلوسة جنون العقلاء

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Best Buy Coupons تعريب : ق,ب,م