الثلاثاء، 27 نوفمبر 2012

همهمات السفر الأخير/محمد العرجوني

همهمات السفر الأخير

محمد العرجوني
ذاك الصوت البعيد..
الآتي من أبراج العراء...
من وراء الوراء..
عبر هباء الأرض والسماء..
ممتطيا تلابيب الحصى..
مرتشفا رذاذ صفصافة المنتهى..
قد يزأر كوحش الصدى..
أو يجهش بالبكاء..
أو يطلق سهم القهقهات
 التي شاخت في المنفى..

ذاك الصوت البعيد..
يقترب من صحن الدار..
محفوفا بشيء من الهباء
 من الغبار..
وشذى المسك وشظايا النار..
ملتحفا شهبا من المهابة
من الوقار..

هل أنت مستعد للسفر..
يا كائنا من طين وصلصال؟..

وما بال السؤال..!! مادام القرار
قرار من نادى بالترحال!!

فمرحا بدابّة الحصاد
وبنهيق ضاقت به
سرائر العباد
يقتلع الأوتاد
يحُز ما تمايل من السيقان
وما سما كأعمدة
دار لقمان

هيا تقدم و لا تتلعثم
أمام اختبار الكلام!!..
كسّرْ زجاج رئتيك!!
لم تعد قادرتين على الصفير
ولا على الزفير..
تشبع بجراح الحشرجات
 وأنات تسبح في الأثير..
أياك أن تتلكأ..
فحبات العرق صارت مطرا مذرارا..
صارت موجا تعلوه زُبدا
 تهمهم هديرا
خذ آخر نظرة من حولك...
 تجازيك حينما تنوء بحملك...
وتُرفع فوق الرؤوس إلى مهدك...
قد سُخرت لك طاقات الصهيل...
واكتُريت لك نوجة الريح...
ترسيك قبالة رعد فصيح...
يزمجر كضربات الصوان على الصفيح...
معطاءٍ.. سخيٍّ.. وغير شحيح...
من حوله
 تتطاير كل أنواع الشظايا
كلما تقدمت بشبر...
نحوه
أبرق بردا وشتاء... ولفك بدعاء الصبر..
على حافة فوهة القبر...
اقترب من صرحه..
استعن بدقات البندير
العالقة بكتفك الأيسر
منذ آخر رقصة "النهاري"
وصمت القلب..
فثمة ملجأ كل مسافر
أُرغم على شد الرحيل
كلما ضاقت روحه بسبل الأرض...

وجدة في 08 نونبر 2012

هداية في حانة /:بقلم إسماعيل علالي


هداية  في حانة


:بقلم إسماعيل علالي

ألف ارتياد تلك الحانة المقابلة لبرج إيفل كل مساء، وألفته الحانة  بكؤوسها ونبيذها

وشخوصها وشموعها التي أضفت عليها تراتيل جاك بريل،ولارا فابيان جاذبية

ورومانسية، وكان كلما دخل الحانة ، بادرته الساقية جاسمين  بكأس معتقة، وترحيب

عذب عذوبة لكنتها الإيطالية، فهي طالبة في الجامعة الفرنسية للغات، و تعمل ساقية في

 أوقات الفراغ لتوفير حاجاتها المختلفة ،وقد عودها أنيس  كلما لعبت الخمرة برأسه،

أخذ يدها اليسرى بلين إلى لهيب الشمع، فتطاوعه في رغبته حتى تحس بريح النار تبغي

إحراق أناملها فتبعد يدها الماسية وتمازحه بصوت معاتب:

-ويحك يا عربيد ....

-كررتها مرة  ثالثة وكدت تحرقني...

-الذنب ذنبي  مادمت أنساق لطيش حماقاتك...

-ويرد بألفاظ متعثرة تأبى  السقوط من فيه: إن نار جهنم أشد حرقة لو تعلمين....وإني

لأبكي دما حين أرى مثل هذه الروح  البريئة تسير دون وعي نحو الجحيم....

فتتعجب من مقولته و يخونها فهمها الذي صار يتخبط في التيه كلما سمع هذه اللازمة.

ومع كثرة تكراره لنفس الفعل والقول، بدأت جاسمين تسائله،أملا في فك شيفرة تلك

الطلاسم،إلا أنه كان يرجئ الإجابة بدعوى أن كثرة النبيذ قد غيبت عقله وحجبت عنه الفهم

والتفهيم وأن الجواب عن سؤالها موطنه الكتاب-هكذا بإطلاق-.

فقررت جاسمين  بعد عجزها عن فك طلاسم أقواله البحث عن هذه النار وهذا الجحيم الذي

ستؤول إليه ، فبدأت تبحث في الكتب والشابكة عن مصير الإنسان بعد الموت، فوجدت

ضالتها صدفة في محاضرة مصورة للشيخ أحمد ديدات مترجمة إلى الفرنسية،

فانبهرت بقوة البرهان والاستدلال عند أحمد ديدات مما دفعها إلى شراء أناجيل وقرآن ،

فبدأت بقراءة ترجمة القرآن كل يوم وعقد مقارنة بينه وبين الأناجيل ظنا منها أن الإجابة

التي تطلبها تتأتى عن طريق المقارنة، وأثناء قراءتها المتأنية للترجمة  القرآنية

استوقفتها  صورة بلاغية اقشعر له بدنها، إنها المعنى الذي طالما انبهم عليها  في

 الحانة، إنه الدليل الذي تبحث عنه ،إنه الدواء الشافي لمسألتها، فتبسمت باكية وقد

حضرها قوله وفعله،وقالت:

-كاد جهلي وإلحادي يقتلني لولاه، فقد ظننت ناره تكويني بينما كانت سببا لإحيائي وإعادة

 تكويني...

فهرولت مسرعة إلى الحانة -بعد غياب ليس باليسير- وكانت رغبتها في لقائه هي دافعها

لدخول الحانة-بعد عزمها اعتزال هذه العوالم التي لم تعد تنتسب إليها-  بغية شكره وإبلاغه 

بما حصل معها، وكذا لتطلب منه التوبة و بيان كيفية إعلان شهادة التوحيد، فقد تبين لها

أنه كان مسلما سلبت الغربة  منه إيمانه وعقيدته، لكنها-للأسف-  لم تجده ، فقد أخبرها

 رب عملها بأنه وجد ميتا في بيته جراء نوبة قلبية.



شفرة قديمة /الكاتب: محمد البوعيادي

عنوان القصة: شفرة قديمة


الكاتب: محمد البوعيادي
انزوت إلى ركن ركين في الغرفة، فوق السرير تكومت، يتخاتل الطيف إليها من خلال ثقوب الذاكرة و الأحداث، تسكن في عزلة هذه الغرفة المهترئة و لا شيء يغير من إيقاع الغياب الأزلي، مغص الرحيل المُفاجئ لازال متقدا في بطنها الممزق، كأن ذلك الحب وليد لم يكتمل نموه، كأنه جاء إلى العالم بولادة قيصرية مزقت خلالها الحبل السري و انفجرت فيها المشيمة قبل الولادة بدهر
طويل فاندلق ماء الرحم مهراقا كشلال من الحروق و الألم....
ترنحت من صعقة الذاكرة، و أخذت قلما قديما في يدها، تختط له بعضا مما لابد من قوله قبل إغماد نصل الانعتاق في شريان الألم:
من طفلة الأَخْيِلَةِ إليك أيها النَّازِيُّ القبيح. بدون تاريخ.
حبيبي:
البارحة استلمت رسالة من علبة البريد تتضمن التحاليل الكثيرة التي
أجريتها نزولا عند رغبتك، تفحصت قبل قليل بعضها و رميت الباقي في القمامة
التي لم أفرغها مُذ أسبوع أو أكثر، قال لي الطبيب أن عندي حالة اكتئاب
حاد و أرق مهول، حاول تفسير الاكتئاب في بضعة سطور: هو حالة فقدان للرغبة
في الحياة تصاحبها أعراض عديدة كالتفكير في الموت و الانتحار - الشعور
بالحزن و الإغراق في السوداوية- فقدان المتعة في الأكل و كل الأنشطة التي
كانت تسعدني من قبل ؟؟- هبوط في الطاقة - إحساس بعدم القيمة و جلد الذات
؟ - تغير في الوزن...
في الحقيقة (و لا حقيقة على الإطلاق) لا أدري ما الذي( يخربقه )هذا
المعتوه، فكل ما يقوله لا يرتبط بحالتي في شيء، زاد وزني بعض
الكيلوغرامات و انفتحت شهيتي للأكل، لكني لم أندم على زيارته على كل حال،
فقد أمتعني أن أشاهده و هو يمضغ الكلام الغليظ المُفرغ من أي معنى، أفكر
أحيانا أن الأطباء نشالون أكثر من صعاليك حيّنا القديم، المستشفيات ذاتها
مؤسسات للاختلاس غير المباشر، فكيف ستعمل إذا شفي كل الناس؟ و ماذا سيربح
الدكاترة إذا شفي المهزومون و محروقوا الذاكرة، بل ما الذي ستفعله غسالات
الجثث لتوفير خبز أطفالهن اليومي؟ إنهم يدسون السموم للناس و يساهمون في
إمراضهم عن سبق إصرار و تغوط ..
في أول حصة من حصص العلاج النفسي كنت أفكر فيك بكل جوارحي، قلت ربما كنت
الطبيب الوحيد الذي يستطيع انتشالي من هذا الوحل، كنت أفكر أن حقنة واحدة
في اليوم من شفتيك قادرة على تسكين الألم و لو لحين، لكنك لم تكن هناك،
عمدت إلى مبدأ التقية الشيعي، أتعرفه؟ ، بمقتضى هذا المبدأ أستطيع إخفاء
الحقيقة و إظهار ما ينتظره الخصم مني حتى أشل تفكيره، فعلا ألفيت الطبيب
خصمي منذ الوهلة الأولى ، أراد أن يدخل إلى أقصى نقطة فيّ ليعري ذاكرتي و
يبسط تاريخي الملوث فوق طاولة مكتبه المغبرة، لكني لم أكن في حاجة إلى
استرجاع ذاكرتي و لا تاريخي المنبوذ، كنت في حاجة لرجل غبي مثلك يستمع
لترّهاتي عن الله و الكون و المرأة و الشهوة و الغواية و الحضارات
الغابرة من بابل الألوهة إلى روما التي أحرقها نيرون و هو يضحك...
ما أردته طوال فترة غيابك هو بوق كبير بحجم منزل، أزرعه في صحراء المكسيك
الخالية و أصرخ فيه يوميا بدون كلل ، أصرخ حتى تتمزق أرجاء المكان و
تتمزق معها حبالي الصوتية، و لا يسمعني أحد سوى السحالي و الرمل و الفضاء
اللا متناهي مثل جوفي، أحكي كل شيء عنا و عن الماضي و الرؤى التي تنخر
جمجمتي كل ليلة حتى مطلع الفجر، وكأن حبات الرمل جمهوري الخاص و أنا
النجمة الوحيدة هناك...هي ذي رغبتي المستعرة المجنونة التي تعوضني عن
الانفجار العظيم.
كنت أريد شخصا أستطيع أن أصب في أذنيه شبق ذاكرتي المتعبة، فأنا كما تدري
(
أو ربما لا تدري) أعشق الحكي عنّي، عن متاهاتي الدفينة و أشيائي الصغيرة
بتفاصيلها العبثية، لكن الناس لا يستمعون لأن أذواقهم متبلدة...لكن أنت
استمع الآن.
كنت أنظر إلى الطبيب بشفقة، كل ما يعرفه عن حالات المرض قرأه في كتب
صفراء و يعتقد من كل قلبه و بكل وعيه و جوارحه أن المرأة صدى أو ميدان
تجريب لتلك الترهات التي قرأها...
لا علم له بأن الشيطان لا يسكن التلافيف الصفراء، و بأن الرغبة المجنونة
لا تظل محبوسة في الرفوف في انتظار قارئ ما..
لا علم له بتاريخ الغلمة و الغواية، بأرتيميس و تُعامة أصل السماء و
الأرض و لا علم له بِلوسالومي التي جننت ربه في العلم و مرجعه الأكبر،
حاولت أن أنظر في عينيه و هو يتخبط كطفل يتعلم المسير، يقول ما أحفظه عن
ظهر بطن في الكتب، " استرخي ، اتركي لنفسك حرية الكلام و التعبير..."
التداعي الحر الذي ينهجه مع المكبوتين، أولئك المساكين الذين يبكون
ماضيهم عند أول خروج عن الوعي تحت غطاء الثقافة الشمولية، الثقافة التي
تشرع غياب العقل في حالة التطبب، لكن هل أنا عاقلة حتى أغيب عن العقل؟
كنت أقرأ استراتيجيته كاملة في داخل مخيلتي، أتوقع كل خطوة من خطواته و
لا يخيب توقعي أبدا، يا له من ملل.
لو أنني غبت عن حالة التناسق في القول،لو عبرت عما كنت أفكر فيه آنذاك
كنت لأصيبه بسكتة قلبية، لا يعرف الدكتور أن فرويد أصيب بالجنون بسبب
امرأة و أن راينر ماريه ريلكه شاعر النمسا العظيم أصابه الاكتئاب بسب
المرأة نفسها، أربعة عظماء كادت أرواحهم تزهق بسبب غواية قطة نمساوية
شهباء،آخرهم مجنون القوة و الإرادة، و الآن، هو النكرة التي لا ذكر لها
يحاول تحليل نفسية امرأة؟
كنت أراقب الأشياء في الصالون المرتب على أبجدية كلاسيكية، بعض التماثيل
البرونزية الصغيرة من العصر الفكتوري، كتب صفراء على رفوف قديمة، يبدو أن
الدكاترة يستمتعون بمظهر المكتبات الخشبية المُترفة و بالمدفئات من طراز
العصر الوسيط..أذواقهم لا تختلف كثيرا، في سديم روتيني واحد يصطفون
كالجراد..
في أول جلسة لم أرغب في الكلام، بقيت أستمع إليه و هو يتدفق، قال الكثير
عن الحياة و الناس، سألني عن محيطي و بعض الأصدقاء و الأشياء التي تشممها
كالكلب لينفذ منها إلى داخل قلعتي، لم يكن يعلم أن لا قلعة لي و أني ملكة
في الريح، إمبراطوريتي على عروش الخمائل و السنديان، حيث حدودها من أرائك
الوهم...
لكنه مثلك يا حبيبي كان مجرد رجل، فأنّى له أن يفهم؟
لا أريد اليوم أن أكتب لك عن أشيائي الصغيرة، فأنا أعرف أنك لا تقرأ
رسائلي كاملة، ربما لا تقرأها على الإطلاق من يدري؟ قد تكون زوجتك عالمة
بمراسلتي لك، قد تكون أحرقت كل الرسائل التي وصلت و كل الرسائل التي تصل
دون أن تخبرك عن شيء، فالنساء جبانات جدا في هذه البقعة الخربة مثلهم مثل
الرجال، لكن من يهتم ؟...
سأروي لك شيئا عن الجلسة الأولى ، لأنك من نصحني بالطبيب و أعطاني عنوانه...
كان يتحدث عن ضرورة التعاقد الأولي بين الطبيب و المريض و أشياء أخرى مملة:
+
ستكونين في أمان تام ما عليك سوى أن تخبريني عن كل شيء، إحساساتك،
مشاكلك النفسية و العاطفية، الأدوية التي أخذتها، كل شيء، ثم استرخي
تماما و افعلي ما أطلبه منك و ستشفين أكيد...
آخر زياراتي لصديقك الطبيب كانت قبل أسبوع، مدّني بهاتفه الخلوي الخاص و
قال في ثقة تامة:
+
أنا في الخدمة دائما، اعتبريني صديقك و متى شعرت بحاجة إلى التحدث اتصلي...
في الغسق الأخير من الليلة الماضية جاءت الرؤى من جديد،كنت مهتزة قليلا،
نمت على الوسادة و قلبي يجتزه الهلع، أحسست برطوبة الثوب الأبيض تنحت
جداول بشرتي الرطبة و تدغدغها بلين يبعث على الشك، الضوء في الغرفة خافت
و هادئ، كان الضوء يستريح، شممت رائحة النسيم قادمة من فتحة صغيرة من
النافذة، و رائحة شجرة المسك الليلي فغمت أنفي حين اهتز الإزار الأبيض
فاسحا لها مسلك العبور، أحيانا تكون الروائح الطيبة مبعثا على الخطر و
الخوف ...
آخر مرة رأيت فيها تلك الرؤية كانت قبل فراقنا بأسبوع، بعدها تعدد الزوار
و تعددت المسارات التي تتبعها الأحداث كل ليلة..
حين أحسست بأزيز الباب الخارجي للبيت اتصلت بالدكتور، قال :
+
هي مجرد تهيؤات طبيعية لفترة النقاهة، حاولي أن تفكري في شيء آخر،
استثيري عقلك الباطن بالذكريات مثلا...
كان صوته مقتولا بالنوم و التعب..قطع الاتصال.
حاولت أن أشعل ذاكرتي بشيء ما، كنت أنت زيت و وقود ذلك الاشتعال، على أن
رماد النار تكوم بسرعة في ثخوم الثغرين، لم تدم نار الذاكرة طويلا حتى
خمدت، فقد هاجمت سيول النافذة موئل الشعلة، أطفأتنا بسرعة مثلما تنطفئ
الفراشات المضيئة آن حلول الفجر..
كنت هنا فوق السرير ( حيث أكتب الآن هذه الرسالة)، ذات ليلة أذكرها و لا
تذكرها، تسربل الثوب تحت فخذين مشتعلين حد الاحتراق، في الليلة الموعودة
كانت مدارج النور تخفت حينا و تنضو عنها غبار السواد حينا آخر، لتشب نار
القداسة في نهدي، يداك احترقتا باللهب المقدس، اخترقتني، لازالت أذكر كيف
ضمّدتُهما بقبلتين بيضاوتين كشريط طبي، في احتكاكهما بنتوءات الصدر
اشتعلت نار صغيرة عند رؤوس الأصابع..
أحاول أن أوقظ هذه الذاكرة، العقل الباطني يريد، لكن أطراف جسدي ترتعش
مخافة أن ينفلت الريق الأخير من حلقي..
كان ضوء الغرفة خافتا و أصفره ينعكس على ألوان الجدران الناعسة، لثمتَني
بين عيني و قلت ما معناه: لن تأتي الرؤى بعد اليوم، سأطردها..
صدقت آنذاك أن النافذة الصغيرة ستظل مفتوحة إلى الأبد، دون أن أخاف أنا.
فتحت سلسلة الثوب الأحمر بهدوءِ إله من جبل الأولمب، صدفات الصدر تطايرت
لوحدها كأن جاذبية ما ضايقتها في مرساها على حافتي النهدين المتوسلين في
بكاء، امتد الكفان مغلفين برغوة ساخنة نحو عنقي، فككت إبرة الحجاب عن
شعري و رميت الشال المطرز فوق أرض الغرفة الباردة فدسناه بقدمينا، لامست
المسافة الطويلة بين آخر الدقن و أول الكتف و حككت رمانتي الكتف بلطف و
توأدة، كانت أقدامي تهتز و ركبتاي تصطفقان ككوبي قهوة و تسري في رعشة
الخلق الأولى، في سيالتي العصبية كانت أشولك الغلمة تسافر متسارعة كإيقاع
مرح...ثم لحست عنقي بشفتيك كما قطة شامية مرقطة، ببطء يبعث خذرا لذيذا (
يجتاحني لحد اللحظة كلما تذكرت) مسحت جغرافية الجيد و طوبوغرافية الجسد
شبرا شبرا، آه كم كان البيت آمنا ذاك المساء؟، لم تكن الرؤى لتشغلني و
أنت تفتح فيّ شوارع الرغبة، في عاصمة الشبق، متروبول اللذة، كنت أحس كأني
آمنة أكثر من برج بابل، كصندوق حديدي بأقفال عملاقة كانت ذراعاك، لففت
ذراعك حول خصري و ضغطتني برفق و حنو وبعض الخشونة حتى تكسرت ضلوعي دون
ألم.. صنوين في الجرح كُنّا ، طفلين يلعبان تحت مطر الجسد و لا همهما أن
تتسلل القطرات بين مسام الجلد، كان الدفء و كنت تملأني و تملأ المكان...
أحاول أن أطرد الأشباح الآن، من خلال تلك اللمسات المحرقة ، تختلط في
مخيلتي صور تلك الليلة، ما قبل الأخيرة، كأننا كنا عريسين على مذبح آلهة
القمر..
من الباب الخلفي يأتي نقير خفيف على الدفتين الكبيرتين، و خطو خفيف
يقترب، تثاءب الدفء الليلي من النافذة و كان القمر يتوهج وسط هالة من
النور الشفاف..
من خلال الزجاج تبدت لي صورتك، كأنك القادم، تبسّمت ثم بكيت، ثم شعرت
بالفزع..لم تكن أنت القادم بل كانت الأخيلة، فكيف أطردها؟
أعود إلى ذاكرتي ( لا تعترض دعني أذكرنا كيف كنت تحييني قبل أن تنثرني
رمادا على سفح الغياب)..
أعود إلى ذاكرتي أحاول أن أستحضرك، أن ألدك من رحمي كي تؤنس وحدتي في
خلاء البيت الشاسع، أرغب في الصراخ لكن بيتي الصغير ليس صحراء المكسيك،
قد يحملني الجيران إلى صديقك الطبيب البليد..
أحاول أن أغافل الطيف الذي ينظر إلي من فتحة النافذة الصغيرة، عيناه
مبرقتان كالرعد، يحملق في فأشعر أن برودة ما تشقق صدري و شفاهي، فأين
أنت؟
قلت أين الدفء الذي منحتني إياه؟ ( لا أعاتبك الآن بل أحكي فقط فلا
تعترض)، قلت أين صدرك أغرس فيه أنفي لأحس الأمان في رائحة جلدك الغريبة..
أريد أن أتنشقك لا أريد العلاج، أنت ، كنت وحيدة في البيت ، إبان مرور
الطيف إلى الشق الآخر من النافذة، تصورتك تتحرك حول البيت كفراشة ربيعية
رشيقة، أيام كنت تعود سكرانا ، تغني فأسمع صوتك قبل ولوج الباب الخلفي،
أتعطر و أتزين لك فقط، أشعر بالدفء يغزو المكان، لم تكن الأطياف لتتجرأ
على دخول البيت، وحدك كنت تدخله و تدخلني متى تشاء..
الرابعة و النصف، حان آذان الفجر، كلٌّ إلى صلاته و أنا أتلو أوردة
غيابك، لازلت أمسك القلم و الطيف يحوم حول البيت، أشعر به قريبا جدا، سقط
القلم من يدي فحملته مرة أخرى ، تذكرت...
كنت أكتب شيئا ذات ليلة ماطرة، جئت كالقطار في وقتك المحدد، على سكة
الشوق و الحرائق المشتعلة جئتني، ضممتني فوق الكرسي من خلف، مررت يدك على
جبهتي و في ساقية ظهري بلطف فسقط القلم...
سقطنا معه و لم نقم ...
يتصاعد الآذان بالتكبير و يتصاعد في جسدي رعش الخوف الآن، غطاء السرير
يرقص تحتي من الخوف، أنتظر لحظة انخطاف قصوى يقتحم فيها الطيف باب الغرفة
و يذبحني من عيني بشفرة حلاقة قديمة..
يغرس أصبعيه في عيني و يقتلعهما ثم يقطع أوصالي و يأكل قلبي بنهم وحش من
وحوش الغابة، يمضغ أحشائي يلفظها على أرض الغرفة ثم يسحقها بحذائه
العسكري...
كنت أنت قبله تقطع أوصالي بالشهوة، تقطع شفتي، تمزقني ...
تحت المكتب تعانقنا، تصاعد آذان ربّهم ، ضحكنا، مزقت ثوب النوم الشفاف
على جسدي، فتطاير مزقا مزقا في فضاء الغرفة، انهمكت فيّ كأنك تحفر عن كنز
في أرض الغرفة، و كنت ضئيلة منكمشة تحتك كقطة أليفة، في دفئك كنت منزوية،
تملِكُني فأهيم في سقف الصالة بعينين معربدتين، تكتسحني غائرا كجرح عميق،
فأرخي جفوني في سكرة العشق، أموء تحتك كما قطة مشردة و يغمرني الأمان من
أخمص قدمي إلى منتهى جبهتي..
كنت أحبك حد التمزّق و كانت ثقتي فيك كبيرة كبر البحر و بعد السماء، ماذا
الآن؟ تريدني أن أزور صديقك الطبيب؟...
حبيبي: ( سأظل أناديك حبيبي إلى آخر نفس رغم كل الخرائب التي خلفتها في
روحي و جسدي و رغم كل الحروق التي تركتها على جلدي).
فلتذهب أنت و صديقك الطبيب إلى الجحيم، فلتغرقا في حمم الخراب و العفن،
أنا لست حمقاء و لا مريضة، أنا أحبك فقط...
(
تبكي و هي تخط الحروف)
أرجوك اعذرني عما قلت أرجوك، أحبك، أحبك أحبك...
لا أريد أن أعود إلى الطبيب، لازال الطيف يأتي كل ليلة، أريدك أن تطرده
أنت، أن تأتي و تأخذني في حضنك كسداة صغيرة في قلب وردة، أن تطوقني
بذراعيك فقط، هناك الآمان و سر الخلود و هنائي الأبدي...
سأعترف لك الآن، أنا أخاف وحدي هنا، أشعر أن كل شيء يحملق في بكره و
ضغينة، جدران المنزل تهمس في أذني: أكرهك أكرهك، أخاف أن تجتمع و تلتصق
علي في الممر إلى بيت النوم فتسحقني...الستائر تتمايل هامسة لي: خلفي

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Best Buy Coupons تعريب : ق,ب,م