الأربعاء، 7 نوفمبر 2012

نخلة السعد --------يحيى بزغود




نخلة السعد



يحيى بزغود



على سبيل التقديم 

حتى لا نسكت عن الذين يريدون أن يعبثوا بذاكرة أبناء المغرب العربي ، خصوصاً اولئك الذين فتحوا أعينهم بعد الإستقلال ووجدوا أمامهم واقعا صنعه أناس لا يؤمنون بالمغرب العربي ولا مصلحة لهم فيه.

---------------------
نخلة السعد

«...عندما انتقلت أسرتنا لتقطن في دوار "أولاد ميمون"، بقبيلة أنـگا د، كان عمري ثلاث أو أربع سنوات، كان ذلك في بداية الخمسينيات من القرن الماضي.
كان المنزل الجديد عبارة عن بناية ضخمة مؤلفة من عدة غرف، ومخازن للحبوب وإسطبل للبهائم، تتوسطها ساحة كبيرة ويستند إلى أحد جدرانها مشرب للماشية. أما الإسطبل فيمتد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ويواجهك ببابين كبيرين، سقفه قرميد أحمر يميل نحوك ميلا خفيفا، بُني بداخله مِذْودٌ بالإسمنت على طول الجدار، خصص جزؤه الأكبر لعلف الأبقار، وتُرِك جزء منه يسيرٌ في أقصى اليمين للبغلة "نانو"، ولِما قد يجاورها من ذوات الحوافر ذات يوم!
كان المنزل يقع في ضيعة اشتراها "ديفيد بلِّيشة"، وهو يهودي يحمل الجنسيتين المغربية والفرنسية، من معمِّر فرنسي نصراني يدعى "بانيط". وكان والدي قد عمل سابقا مع ديفيد في ضيعة صغيرة تقع على طريق "العونية" بمدينة وجدة، وهو المكان الذي ولدت فيه.
قيل إني خرجت إلى الوجود ذات شتاء، بكلتا قدمي وليس بمقدم رأسي كما يولد أغلب الأطفال؛ وهم يسمون من يخرج من بطن أمه بهذه الطريقة غير المعتادة "فارسا"، قيل أيضا إن ولادتي تزامنت مع ولادة عجل ومُهْر، خرجا إلى الوجود في ذات الليلة الشتوية غزيرة الأمطار، فتفاءل صاحب الضيعة كثيرا وأهدى والدي كبش عقيقتي، وأهدت زوجته "إيرما" لوالدتي قماطا وألبسة وأشياء أخرى... وفتشت إحدى العجائز رأسي، بعد أيام، فوجدت في قُنَّتِه شعيرات تقف منتصبة، فقالت: "هذه نخلة السعد... لا تغفلي يا فاطمة عن ترطيبها بزيت الزيتون حتى تزكوَ برَكتُها وتنمو، ويستقيمَ (ميمون) العائلة" ؛ فتهلَّل وجه والدتي وسُرَّتْ حَدَّ البَجَحْ، وأكرمت العجوز بقالَبَي سكر ورغيف قمح بحجم كبير... حكاية ما انفكت جدَّتي لوالدي تعيدها في دعابة شامتة، إلى أن انمحت ذاكرتها كلِّيا قبل وفاتها بأيام.
ونخلة السعد دليل يُمْن وبركة عند أهلنا، لذلك تفاءلوا كثيرا، وظلت والدتي تحكي الحكاية لمن يريد أن يسمعها...أما أنا فأقنعت نفسي، حين كبرت ووعيت القصة، بأني ميمون الطالع فعلا، فلم أتردد في خوض المغامرات مطمئنا إلى مفعول "نخلة السعد"، غير أن هذه النخلة المباركة التي كادت العثَّةُ أن تذهب بها ذات مرض، خانني مفعولها بدءاً من منتصف الستينيات وطيلة السبعينيات فعشت مرارة وضنكا امتدا لعدة سنين...
أجل لقد ولدت ذات ليلة شتوية ماطرة ولكن أحدا لم ينتبه لتقييد يوم ولادتي أو ولادة أقراني من بني البقر والخيول، بشكل مضبوط، فبقيت أجهله حتى اليوم؛ وإن كنت أرجح أنها كانت ليلة من ليالي آخر دجنبر 1947 أو بداية يناير 1948، اعتمادا على ما حكته والدتي حين قالت إنِّي ولدت حين كان اللوز يزهر، وأشجاره تفعل ذلك عندنا بدءا من أواخر دجنبر وخلال يناير؛ كما قالت إنها أخذتني ذات يوم لعلاجي عند طبيب يهودي – وكان عمري حينها خمسة أو ستة أشهرـ ولكن الطبيب صرف من كان لديه من المرضى وأغلق عيادته، لأن الفتنة بين المسلمين واليهود اندلعت ذلك اليوم في مدينة وجدة، وهي فتنة حددها المؤرخون في مايو 1948، وقعت بتدبير من الحركة الصهيونية وإدارة الاستعمار الفرنسي، تزامنا مع تاريخ الاغتصاب الرسمي لفلسطين.
كان والدي سيعمل مشرفا على الضيعة الجديدة، أو"Commis"، كما يقولون باللغة الأجنبية ، وهو منصب أهَّلته له سنوات شبابه التي قضاها في أشغال الزراعة عند المعمرين الفرنسيين في الجزائر المحتلة، فاكتسب خبرة بفنونها، شهد له بها كبار الفنيين الزراعيين.

*****
... هنالك في الغرب الجزائري أطلق عليه الإسبان الفارون من الفاشية الفرانكاوية إبان الحرب الأهلية خلال النصف الثاني من الثلاثينيات وما تلاها لقب "الـﯕراندي"el grande نظرا لارتفاع قامته وبنية جسمه، تمييزا له عن محمد بيكينيو"piquiñio " وهي تعني في لغتهم قصير القامة...كما شهد له مجايلوه بفتوة برز فيها كَمْطَارْﯕي (مسايف بالعصا) ذائع الصيت، الشيء الذي جعل غير قليل من المستضعفين يطلبون الاحتماء بعصاه. والَمْطَارْﯕي، المنطوقة الأخير كما ينطق اليمنيون حرف القاف، من المطرﯕ ، وهو عصا دقيقة نسبيا ومتينة مصدرها المفضل شجرة "الزَّبُّوج "أو شجرة "الكُرِّيشْ"، يستعملها الَمْطَارْﯕي كما المسايف يستعمل السيف، هجوما ودفاعا مع خصمه.
... َكمطارْﯕي ،لا تُلْوى له ذراع، اشتهر محمد "لـﯕْـراندي"ووقع التسليم بشجاعته حينما فتك بِ "الرِّيني"ـ وهو من عتاة المعمرين المتجبرين ـ في حادث تناقله بعض الحاضرين باعتزاز. فقد قال احمد ولد البشير الذي كان يعمل عند "الرِّيني" آنذاك:... "كان الريني رجلا قوي البنية، نموذجا حقيقيا للاستعماري المتغطرس، يكره "ليزاراب" أي العرب، يلبس جزمة عسكرية ترتفع إلى الركبة ولا يُِِرى إلا بسياط cravache في يده، و من حزامه يتدلى مسدس لا يكاد يفارقه... يأتي مزارعه على صهوة جواد، فإذا رآه العمال انخلعت قلوبهم واصطكت أسنانهم... ولا يتردد في جلد بعضهم لأتفه الأسباب كما يُجلَد العبيد!
أخذ بتلابيب أحدهم ذات يوم، وجره إلى جذع صفصافة وشرع في جلده، فيما كان محمد لـﯕـراندي منشغلا في تشذيب فروع الكروم المحمولة على الأسلاك المعدنية، فلم ينتبه إلا على صرخات العامل المسكين يتضور من لسعات السياط ! فرمى بالمقص وعمد إلى سلهامه فألقاه على كتفه وتأبط َمْطَرﯕه (عصاه) وجاء يرمل نحو الرِّيني... فربَّت على كتفه برفق حتى إذا استدار نحوه بعينين يتطاير منهما الشرر انبهت وقال متفاجئا " روخ انت بئيد"!(اذهب أنت بعيدا) فنظر إليه محمد نظرة هادئة ولكنها حادة ومفزعة وقال: "تضرب اسيادك يا واحد الصُّوفاج " sauvage ؟! ثم سدد له لكمة على ذقنه فتقهقر إلى الوراء متعثرا يكاد يسقط أرضا ومد يده إلى مسدسه، ولكن لـﯖراندي في لمحة بصر استلَّ عصاه ونزل بها على يده فشلَّ حركتها ثم أشبعه ضربا... وسرى الخوف في صفوف العمال فوشوش بعضهم لبعض:..." لـﯕراندي راحْ في كَرْشْ غول... كيفاه؟ يْمَدْ يَدُّو على الرومي؟! والله غيرْ مْشى فيها!"... ولكن رجلا شهما من مسيردا كان يخفي اعتزازه وتثمينه لفعل لـﯕراندي، أقسم أن يبيع حلي" بنت حمزة" ـ زوجته ـ ليُنَصِّب له ثلاثة محامين، فلم ينل لـﯕراندي إلا حكما بعدم الاعتراض للرّيني وبالأيام القليلة التي قضاها في سجن سيدي بلعباس، فخرج من السجن أكثر هيبة... فقد قال "أحمد ولد البشير" ـ وهو مصدر الحكاية دائما ـ إن الـﯕراندي جاء بعد مغادرة السجن، بينما كان العمال يصطفون في طابور من أجل استلام أجورهم، فلما رأوه قادما قال بعضهم:" جا مول الهدّون لحمروالله اليوم محال واش تَدِّيوْ شي فرنك!" ولكن "مول الهدون الأحمر" اتجه مباشرة إلى الريني الذي كان يجلس إلى طاولة وضعت عليها أوراق نقدية وقطع معدنية... ففزع لما رآه متجها نحوه، فطمأنه محمد قائلا: 
- "ما تخافشْ!... لِي عَلَيْك خمسة أيام ونصف...، تذكر؟ فما كان من الرّيني إلا أن عد أجرة خمسة أيام ونصف، ودون أن ينتظر الصرف (الفكّة) وضعها في يده من غير أن ينبس بكلمة!"

*****

كان نزول أسرتنا بمقامها الجديد بدوار أولاد ميمون، في بداية الصيف. كان المسلك المؤدي إلى مدخل البناية الرئيسي محفوفَ الجانبين بأشجار الزيتون المصفوفة بنظام، ويمتد لمئات الأمتار، ووراء الزياتين تنتصب شتى أشجار الفاكهة المتنوعة، تلوح بثمارها لمن يعبر المسلك من الواجهة الأمامية. وعلى مقربة من الباب الرئيسي على يمين الداخل ـ قبالة بئر مهجور ـ تعلو شجرة كتان عاتيةٌ تشتبك أغصانها مع أغصان ثلاث صفصافات فنشأت مساحةٌ مربعةٌ من الظل الوارف، يحتمي به سكان الضيعة خلال الصيف من حر الظهيرة حيث جرت العادة أن يتناولوا غذاءهم ويثرثروا لساعات... وتركت في الجهة الشرقية وراء الصفصافات مساحة عارية لتزرع بالبرسيم والشوفان والخضر الموسمية. ... ووراء البناية تمتد الدوالي على أمداء شاسعة.
أراضي الضيعة من جهة الشرق تحدها الحافة الغربية لوادي "بونعيم"، أو على وجه الدقة، ينعطف "بونعيم" عند المقبرة المجاورة قليلا في اتجاه الشمال الشرقي، ليبتعد بعض المدى عن دشر إسماعيل المصمودي، بعد أن يلامس جزءا من الضيعة، ثم يلتوي إلى اليسار شيئا ما ويمضي بعد مدى قليل داخل الغرب الجزائري منتحلا اسم وادي المويلح... وبذلك تتحدد أراضي الضيعة شرقا بالمقبرة وبقليل من "بونعيم" ثم بأراضي إسماعيل المصمودي.
ولم تكن حال الوادي كما هي اليوم، وإنما كان ماؤه ينساب طوال السنة؛ فإذا ضربت الأنواء جهة الجنوب، طما النهر وخرج عن طوره، فيداهم تخوم المقبرة ويغرق قليلا من أرض الضيعة، ويهدد دشْر إسماعيل المصمودي. فإذا قحط العام وقلت الأمطار انخفض منسوبه كثيرا، ولكنه يستمر في الانسياب، فترتوي منه الماشية، ويجد الأطفال أيام الصهد مسبحا في بِرَكِهِ، فقد كان بعضها - كبركة هرَّاندو- واسعا وعميقا...يحصر كميات وافرة من الماء!
ولم تكن الضيعة تبعد عن حدود الجزائر مع المغرب إلا بمسافة لا تكلف الراجل أكثر من ربع ساعة من الوقت.
كان دشْر إسماعيل المصمودي أقرب الدشور إلى الضيعة، لذلك كانت ساكنته أول من تعرفنا عليهم من ساكنة الدوار.
فلقد جاء إسماعيل، وهو رجل طويل القامة أملس الوجه أسمر اللون، يعتمر عمامة بيضاء ويرتدي سروالا يطلقون عليه سروال "الـﯕـولف" لانتهاء ساقيه بأزرار تحكمها تحت الركبة قليلا... جاء أياما قليلة بعد نزولنا، يسوق أمامه بقرة يبحث لها عن فحل من ثيران الضيعة، فحوصرت في ركن من الساحة وأُخْرِج لها ثور عَتِيّ، فيما اقتعد إسماعيل لحافا إلى جانب والدي أمام الشاي، وعينه لا تفارق البقرة، فلما اطمأن إلى أن الوُدَّ قد جرى بين البهيمتين وأنها تُطْرَق كما كان يبغي، تهلل وجهه وكشف عن ساق فاحمة اللون مثل حطب محروق، وراح يصفعها بكفه بين الفينة والفينة، وهو يبسط الحديث، فعرفنا منه في هذه الجلسة الأولى، جل أخبار ساكنة الدوار! كان حديث إسماعيل مشوبا بغير قليل من التبجح و"الفشر"، ينم على أن الرجل يحب تملك الأرض حبا جما، فلقد تأسف كثيرا على الفرصة التي أضاعها لما تردد في شراء ضيعة "بانيط" التي عرضها عليه قبل أن يشتريها "دافيد" بثلاث سنوات... ولكنه عاد فطمْأن نفسه لحظات بعد ذلك، حين تذكر الأرض التي اشتراها من رجل يدعى "بن عاشور"... والأخرى التي اصطادها من مغفل يدعى بورحلة...
كان ظاهر الجدار الشرقي الذي يقع على يمين الداخل إلى ساحة البناية، يسند حظائر تواجه مشرق الشمس استعملت في عهد مضى، لإيواء الخنازير التي كان بانيط – المالك السابق- يربيها ويعتني بها، كما حكى لنا ذلك عبد القادر بنْجْرادْ، الذي اشتغل عند صاحبها راعيا بعشرين فرنكا في اليوم!...
لم تكن حظائر الخنازير مسقوفة ولم تكن جدرانها عالية... لذلك استعملتها والدتي في تربية الأرانب الأليفة، فجنت من وراء ذلك مالا لا بأس به، غالبا ما تشوّف إليه والدي الذي ـ رغم أجرته القارة وعلاواته الاستثنائية ـ لم يفلح يوما في أن يكون له مدَّخرٌ من المال، يغنيه عن الاستدانة الدائمة.
أما وراء الجدار الواقع على يسار الداخل إلى الساحة، على الوجه المقابل لغروب الشمس، فينفتح على سطح الأرض مدخل واسع لنفق يمتد مائلا في تدرج ينتهي إلى حافة ماء بئر تقع على بعد حوالي خمسين مترا حيث يوجد محرك كان في ما مضى، يدفع الماء في أنبوب ينتصب عموديا، ويقذف به في صهريج كبير تتفرع منه الترعة الرئيسية، التي كانت تسقي الأغراس، قبل أن يُهْجر البئر وتوضع على فوهته أكوام من السلك الشائك، ويتحول النفق المؤدي إليه إلى مطرح للنفايات، منذ أن سقط شاب في ماء البئر، بينما كان يحاول تشغيل المحرك فزلت قدمه، ومات غرقا... 
كان الغريق هو الابن الأكبر لبلعيد وميمونة يردُفُه محمد الملقب بالأقرع ثم فاطنة وأخيرا عبد الرحمن وهو يقاربني في السن وكانت أسرتهم تقطن في دشْر إسماعيل المصمودي إلى جانب أسرة بنعمرو وأخته الأرملة حبيبة مع ابنها "قويدر".
وكان بلعيد - وهو رجل دقيق القامة ممصوص الوجه أحمر العينين - به أثر من جوع مقيم، يأتي في البداية مرفوقا بزوجته ميمونة، عرفنا منهما أنهما ينتميان إلى "أولاد القاضي" وهي فخذة من قبيلة بني خالد التي ننتمي إليها نحن، وكان "بوزيان" ابنهما البكر يعمل في الضيعة على عهد "بانيط"، غرق المسكين في البئر، وتُرِك حيث وقع ولم يتطوع أحد أو لم يستطع أحد انتشاله، نظرا لعمق الماء، وظلت أمه "ميمونة" تحكي قصته بحرقة وأسى كلما زارت والدتي... فتتنهد عميقا وتتجمد الدموع على خديها وهي تعيد حكايته على مسامعنا... فنشأ نوع من التعاطف بين الأسرتين، وانتعش مخزون الأشجان عند والدتي فتذكرت من فقدتهم من إخوتي وعددهم ستة مات كلٌّّ منهم بحكاية خاصة قبل مجيئنا إلى الوجود نحن الثلاثة سليمان،أنا والميلود.
بعد هذه الحادثة المفجعة، استعيض عن البئر القديم، ببئر جديد ومحرك آخر وضع على سطح الأرض، بخلاف الكيفية التي كان عليها المحرك السابق... غير أن البئر القديم والنفق أو الفاصما – كما كنا نسميه تحريفا لكلمة avancement الفرنسية - ظلا مصدر تشاؤم بالنسبة لأسرتنا، فانتابها نوع من التوجس من المكان، وهيّئ لنا أننا نسمع دقا يتكرر ليلة كل خميس، يبتدئ إذا جنّ العشاءُ ويستمر إلى مقربة الفجر... كانت أصداء الدق تتردّد وراء البناية، كما لو كان شخص ما يدق شيئاً صلباً في مهراس، فأطلقنا عليه "بومهراز" ورغم أن التوجس خوفا من المرور بالمكان ليلاً، ظل قائماً؛ إلا أن الدق ليلة الخميس، غدا أمرا مألوفا، وبقي "بومهراز" يدق لسنوات، ولم يحدث أن أنكر أحد، صغيرا كان أم كبيرا، أمر وجود "بومهراز" على وجه الحقيقة والواقع، وليس على سبيل الوهم والخيال!.
وكانت زيارات "ميمونة" المتكررة مصحوبة بابنها الأصغر عبد الرحمن، وراء صداقاتي الأولى في مقامنا الجديد، فقد درج عبد الرحمن على المجيء لزيارتي دون أمه، مصطحبا معه جاره اليتيم "قويدر" ولد حبيبة... فنلعب معا لعبة "داسوس" يختبئ أحدنا ويقوم الآخرون بالبحث عنه، أو لعبة "القام" فننصب عمودا من حجارة بعضها فوق بعض ونقذفها من بعيد بغاية إسقاطها... أو نتناوب على "النقالة" بعضنا يركب وبعضنا يدفع، غير أن النقالة اللعينة، كثيرا ما كانت سببا في أن ننال عقابا مستحقا على مؤخراتنا، إذا ما تعجلنا الاقتعاد في أرضيتها غافلين عما بها من بقايا الروث الطري فتتسخ ملابسنا بزِبل الأبقار!
ولم يكن أخي سليمان يشاركنا هذه الألعاب لأنه أكبر منّا سنا، ولكنه كان شقيا حقا، فلم يكن يخرج هنا أو هناك إلا ويرتكب زلة، أو يتشاجر مع أحد الرعاة فيعود غالبا بلباس ممزق أو بجرح في جسمه، فينال من والدي محمد عقابا شديدا، يجعل أخي الصغير "الميلود" يبكي لأجله ويلثغ بالسب والشتم.
أما أخي الأصغر محمد الملقب بالخميس فلم يكن قد جاء إلى الوجود بعد... فميلاده سيكون في خريف 1955 متزامنا مع الحديث عن عودة محمد الخامس من منفاه، ولذلك لقَّبوه بالخميس.

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Best Buy Coupons تعريب : ق,ب,م