السبت، 19 يناير 2013

إصدار شعري للشاعر المغربي بوعلام دخيسي تغطية فاطمة الزهراء المرابط

هديل السَّحَر"

إصدار شعري للشاعر المغربي بوعلام دخيسي
تغطية فاطمة الزهراء المرابط 
 

          عن مطبعة الجسور بوجدة، صدر مؤخرا للشاعر المغربي بوعلام دخيسي ديوان شعري بعنوان: "هديل السَّحَر"، يقع الديوان في 108 صفحة من الحجم المتوسط، تتصدر غلافه لوحة تشكيلية للفنان المغربي محمد سعود. ويضم الديوان 30 قصيدة منها: " رقص الطفولة"، "قطار العمر"، " مولد في بيت أمي"، " ...أنت لها"، "مرثية الفراق"، "كدت أهجرني"، "ضع لها عنوانا"، "على ناصية الحدود"، "حوار في المنتصف"، "قالت لي الساعة"، "الفراشة"، "مالي والعشق"..
وقد جاء في تقديم الشاعر المغربي الطيب هلو: «... إن تجربة بوعلام دخيسي في محطة انطلاقها هذه – باعتبار "هديل السحر" أول ديوان للشاعر – تمتلك رؤيا شعرية واضحة الملامح، بارزة السمات لا تحتاج إلى مجهود كبير لاكتشافها، فهي تعلن عن نفسها سافرة، لا يحجبها غموض ولا يسترها حجاب، لا تخاطبك من وراء جدر، وإنما تنثال عليك بلغة واضحة في كل النصوص، كما في استعراض الشاعر لمن تمكنوا من ضرب أوتاره، والذين يحلو له ترتيبهم: حروف تتقن الذكرى/ ولحن ناعم يخفي الأنين/ وجمال لوحة آخر المستبشرين. إنها رؤية ترتكز على اللحن/الإيقاع، والصورة/جمال اللوحة، والاتقان كسند ضروري لكل جمال...»
والمبدع المغربي بوعلام دخيسي، شاعر من مدينة وجدة، عضو رابطة الشعراء الشباب والمقهى الأدبي و الصالون الأدبي بوجدة،  بدأ كتابة الشعر في أواخر 2005، نشر نصوصه بمختلف المنابر الإعلامية، شارك في عدة مهرجانات شعرية بالمنطقة الشرقية. و"هديل السحر" هي باكورته الشعرية الأولى.


الشاعر في المقهى/بقلم الشاعر رشيد سوسان

الشاعر في المقهى 

بقلم الشاغر رشيد سوسان
إلى أستاذي الشاعر: د. محمد علي الرباوي.

مِنْ خَلْفِ الصَّمْتِ أُطِلُّ عَلَيْهِ أَراهُ هُناكَ عَلى كُرْسِيٍّ مَرْصُوعٍ بِالنَّغَمَـاتْ.
أَتَخَيَّلُ أَلْفَ حِـوَارْ...
أَتَصَوَّرُ أَلْفَ قَـرَارْ...
(هَلْ تَتَكَلَّمُ) بِالْفَحْوَى لُغَتِي، أَمْ إِنّ الْقَلْبَ يَحَـارْ؟
مَلْعُونٌ هَذا الرُّكْنُ الْواقِفُ مِنْ قُدّامِي، هَذِي السَّارِيَةُ الْخَرَسـانِيَّةُ تُخْرِسُ قَسْراً نَظَـراتِي تَغْـزُو كُلَّ جَداوِلِ رُوحِي ... وَتَهُدُّ كِيَـانِي، تَشْـمَخُ فِي وَجْـهِي كَالتِّـنِّـيـنْ...
وَلِكَيْ لا أَلْفِتَ أَنْظارَ الزُّبَناءِ وَأَقْلامَ الأُدَبَاءِ، أُغَيِّرُ مِنْ وَضْعِ الْكُرْسِيِّ وَفِي عَزْمٍ آتِي عِلَلاً وَزِحَافَـاتْ...
مِنْ صَهْوَةِ هَذا الْخَبَبِ السَّاحِرِ أُبْحِرُ فِي النَّظَرَاتْ...
وَأَنا فِي الرُّكْنِ الْمُظْلِمِ بِالْمَقْهَى أَسْتَرِقُ النَّظَرَاتْ...
ثُمَّ أَرَى (الْقَمَرَ الْأَسْرِيرِيَّ) الْمُزْهِرَ فِي الرُّكْنِ الشَّرْقِيِّ مِنَ الْمَقْهَى...
وَبَدَتْ لِي فِي الْأُفُقِ الْأَخْضَرِ بَعْضُ سَنَادِبِهِ الزَّرْقَـاءْ...
رَابِضَةً بَيْنَ (الرُّمّانِ الْحَجَرِيِّ) وَبَيْنَ (الْأَعْشابِ الْبَرِّيَّهْ).
(كَهْفٌ) هَذا أَمْ مَقْهَى؟ أَمْ فَيْضُ حَدَائِقَ مِنْ نُـورْ.
كَهْفٌ هَذا أَمْ مَقْهى؟ أَمْ دِفْءُ التَّكْرِيمِ (بَرِيدُهُ قَدْ وَصَلَ الْآنْ).
وَجَناحَـاهُ سَبائِكُ مِنْ ذَهَبٍ حَرَّى، تَرْسُمُ أَطْبَـاقَ (الْحُلُمِ الْأَبْيَضِ)، تُعْلِنُ
مِيلاَدَ تَباشِـيرِ (الْغَيْـثِ) الْمُشْتَعِلِ الْيَوْمَ عَلى أَرْصِفَةِ الظَّمْآى، رَاسِمَـةً مَمْلَكَـةَ (الْبَيْـعَـهْ)...
وَالْأَحْرُفُ فِيهَا اشْتَعَلَتْ مِنْ نُـورْ.
أَوْ وَاصِفَةً مَلْحَمَـةَ (الْوَلَـدِ الْمُـرِّ) الْـواقِفِ كَالطَّـوْدِ يُرَصِّعُ أَشْجـارَ (الْأَحْـجـارِ الْفَـوَّارَهْ).
يَصْنَعُ مِنْها (أَطْباقَ جَهَنَّمْ)...
وَيَشُقُّ بِها أَطْوارَ (مُكابَدَةٍ) تَتْرَى، وَبِها يَكْتُبُ جَهْراً زَفَرَاتِهِ يُرْسِلُها فِي شَكْلِ هَدايا (لِعَصافِيرِ الصُّبْحِ) الْمُنْتَظِرَهْ...
يَا فَرْحَتَها هَذِي الْأَطْيَـارْ.
هَا هِيَ ذِي تَنْتَقِلُ الْآنَ وَتَشْدُو فِي فَرَحٍ فَوْقَ الْأَشْجارِ وَبَيْنَ الْأَشْعَـارْ.
أَوْ تَرْوِي أَحْلاماً فَوْقَ رُبَى الْأَلْحـانِ وَبَيْنَ "بَسـاتِيـنِ الْوِجْــدَانْ".
           *    *    *    *   *   *   *
مَوْزُونٌ أَنْتَ جُلُوسُكَ فِي الْمَقْهَى مَوْزُونْ.
مَوْزُونٌ أَنْتَ (مَـواوِيـلُكَ) قَدْ وَرَدَتْ مَاءً يَا "صـاحِبَنَا الْمَوْزُونْ".
مَوْزُونٌ أَنْتَ وَسِحْرُ بَيانِكَ أَجْنِحَةٌ تَهْدِي قَلْبَ الْـواجِدِ وَالْحَيْـرَانْ.
مَوْزونٌ أَنْت وَأشْعـارُكَ قَدْ بَسَقَتْ مِنْها أَغْصانٌ مُورِقَةٌ بِالنَّجْوَى، مُثْقَلَةٌ بِالْأَثْمَارِ، مُوَشَّحَةٌ بِالْأَزْهارِ، مُعَطَّرَةٌ بِالرَّيْحانِ، مُكَلَّلَةٌ بِنَدَى الْإِيـمَـانْ...
هَا أَفْئِدَةُ الظَّمْآى تَهْوَى سِحْرَكَ، تَهْوَى عِطْرَ حَـدائِقِكَ الْمَوْزُونَةِ، تَسْعَى حَائِرَةً مِنْ فَرْطِ الْعِشْقِ الْمَوْصُـولِ، وَمِنْ خَيْـطِ الْوَجْدِ الْمَـمْـدُودِ إِلَى النُّـورِ الْأَخْضَـرِ يَـا "صـاحِبَـنَا الْمَـوْزُونْ".
مَوْزُونٌ أَنْتَ وَمَجْنُونٌ يَا "صـاحِبَنا الْمَـوْزُونْ".
وَ(مَواوِيـلُـكَ) أَلْحـانُكَ آهَـاتُكَ أَشْعَـارُكَ قَدْ رَقَّتْ كُلُّ حَوَاشِيـهَا...
وَتَجَلَّـتْ فِيـهـا مَمْلَكَـةُ الْإِنْـسَــانْ.

     رشيد سوسان

ملاحظـة: ما كُتب بين قَوْسيْن إِشارة إلى دواوين الشاعر مُحمد علي الرّبّاوي. وهي كالآتي:
"الْكهْفُ والظِّلّ" – "هلْ تَتكَلَّمُ لُغةُ فلسْطين" – "الْبرِيدُ يَصِلُ غداً" – الطَّائِرانِ والْحُلمُ الأبْيَض" – "أَطْباقُ جَهَنّم" – "الرُّمّانَةُ الْحَجَرِيَّة" – "عَصافِير الصَّباح"( للأطفال) – "الْأَعْشابُ الْبَرِّيّة" – "الْبيعَةُ الْمُشْتَعِلَة" – "الْوَلَدُ الْمُرّ" – "الْأَحْجارُ الْفَوَّارَة" – "أوَّلُ الغَيْث" – "مَوَاوِيل الرّبّاوِي" – "مُكَابَداتُ السِّنْدِباد الْمَغْرِبِيّ" – "قمَرُ أَسْرِير" .

دراسة تحليلية للمجموعة القصصية "وطن الخبز الأسود " لمحمد المباركي: بقلم الطالب حسام بالي



  دراسة تحليلية للمجموعة القصصية 

"وطن الخبز الأسود " لمحمد المباركي
الفصل الاول 

مقدمة:

بقلم الطالب حسام بالي

الحمد لله ذي الجلال الذي عجزت عن إدراك كنهه عقول العارفين، والكمال الذي قصرت عن إحصاء ثنائه ألسنة الواصفين، والقدرة التي وجلت من رهبتها قلوب الخائفين، والعظمة التي عنت لعزتها وجوه الطائعين والعاكفين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير خلقه، وعلى آله وصحبه ومن تحلى بهديه وعلى خلقه.
أما بعد،
إذا كانت القصة التقليدية بما تحمله من خيال وزخم عاطفي ومواقف درامية، تثير في قارئها هوس الاندماج تشد أعصابه وتصيبه بالخذر فيتيه بين ظهرانيها ويتقمص شخصياتها ويتماهى معها. فإن القصة القصيرة الجديدة على عكس ذلك تماما توقظ كل خلية من خلايا قارئها وتشعل فيه القلق والتساؤل.
ولعل هذا بالضبط ما شدني إلى عالم محمد مباركي القصصي، منذ أول لقاء لي به. فقررت أن يكون موضوع بحثي هو: دراسة تحليلية لمجموعته القصصية "وطن الخبز الأسود".
وهكذا فقد تطرقت في المبحث الأول من الفصل الأول إلى التعريف بالقصة القصيرة ثم عمدت في المبحث الثاني إلى التمييز بين القصة القصيرة والرواية والأقصوصة، ثم أوردت في المبحث الثالث ورقة عن موقع هذه المجموعة القصصية في الفن القصصي.
فيما خصصت الفصل الثاني لدراسة الجانب الفني في المجموعة القصصية من خلال دراسة الفضاء المكاني والزماني، وتحديد الشخصيات في علاقتها بالمتن الحكائي، دون أن أنسى دراسة الذاكرة الشعبية لحضور الموروث الشعبي الذي يؤرخ للمنطقة، وانتهيت إلى دراسة الجانب اللغوي في المجموعة القصصية، ثم البناء الفني، وفي الأخير ذكرت بعض الاستنتاجات التي خلصت إليها، وختمت الفصلين بخاتمة عامة.
وكأي طالب اعترضتني مجموعة من العوائق والإشكالات أهمها غياب أي دراسة تناولت هذه المجموعة القصصية لكونها من الأعمال الحديثة، إلا أنني وجدت من يذلل هذه العقبات أمامي، ألا وهي الأستاذة الكريمة "مريم لحلو" التي تفضلت بالإشراف على هذا البحث، ومنحتني من توجيهاتها ما أنار طريقي في دراسة المجموعة القصصية. ويبقى عملي هذا مجرد دراسة متواضعة أتمنى أن تعزز بدراسات أخرى من أجل الوصول إلى إعطاء صورة متكاملة حول هذه المجموعة.


المبحث الأول: تعريف القصة القصيرة

أصبحت القصة القصيرة منذ أوائل هذا القرن فنا له أصوله وقواعده وعناصره الفنية والمضمونية وطرق التعبير التي تميزه، عن بقية الفنون الأدبية، وتواتر الإنتاج في هذا الفن وتكاثر وأبدع فيه الكتاب ما شاء لهم أن يبدعوا، كل حسب موهبته وبراعته وتمثله للعالم من حوله. وعبر فترة زمنية تمتد من الربع الأخير للقرن 19 وتستمر إلى وقتنا الحاضر، وملامح هذا الفن تزداد اتساعا وتميزا وأطره وألوان التعبير فيه ترحب رحابة لا تعرف الحدود، على اعتبار أن الفن لا تأسره الحواجز أو الآفاق المرسومة، وجاء النقاد بعد ذلك، كما هو الشأن بالنسبة للشعر والمسرح وغيرهما من الفنون، ليتأملوا هذا الوليد ويتابعوا نموه ويحاولوا بعد ذلك تحديد المجال الذي يرتع فيه، ثم ليستخصلوا المقاييس التي يراعيها الكاتب القاص أثناء إبداعه، وليضعوا بعد هذا كله، أصول هذا الجنس الأدبي الجديد([1]).
وفي فترة مبكرة اعترف ف. شلوفسكي قائلا:"إنني لم أعثر بعد على تعريف للقصة القصيرة"، كما اعترف أحد أبرز كتاب القصة القصيرة في العالم العربي، وهو يوسف إدريس، قائلا:"فن معقد إلى الدرجة التي لا أستطيع أنا شخصيا بعد هذا العمر في ممارسته أن أعرفه..."([2]).
وفي الطريق إلى وضع مفهوم للقصة القصيرة تواجهنا مجموعة من التعريفات، تتضافر كلها في النهاية للوصول إلى هذا المفهوم.
فإدغار آلان بو القاص الأمريكي الأول يعتبرها قصة تقرأ في جلسة واحدة وشكري عياد ينظر إليها على أنها تسرد أحداثا وقعت حسب تتابعها الزمني مع وجود العلية، وهو تعريف مقتبس عن الناقد الإنجليزي:"آلان فورستر" في "أركان القصة" إذ يقول "أساس القصة هو الحكاية، والحكاية عبارة عن قص أحداث مرتبة في تتابع زمني مع وجود الحبكة والحبكة هي سلسلة من الحوادث التي يقع فيها التأكيد على الأسباب والنتائج".
ونجد الدكتور "رشاد رشدي" يعرف القصة القصيرة بأنها تروي خبرا ولكن لا يمكن أن نعتبر كل خبر أو مجموعة من الأخبار قصة، فلا جل أن يصبح الخبر قصة يجب أن تتوفر فيه خصائص معينة، أولها أن يكون لها أثر كلي، بمعنى أن الخبر الذي ترويه (القصة) يجب أن تتصل تفاصيله وأجزاؤه مع بعضها بحيث يكون لمجموعها الأثر أو المعنى الكلي([3]).
وفي نفس السياق يقول مصطفى علي عمر:"...تمثل القصة القصيرة حكاية تعرض في عدد قليل من الصفحات، ولهذا سميت بالأقصوصة، وتعتمد في بعض الأحيان على خبر، يدور حوله مجموعة قليلة من الأفعال، وقد تشمل موقفا معينا يعبر عنه الكاتب بإيجاز دون إسهاب أو إضافة، فمن سماتها الخفة والسرعة والبعد عن الأعماق والأغوار"([4]).
وبالإجمال نستطيع أن نقول أن القصة القصيرة تتناول قطاعا عرضيا من الحياة، تحاول إضاءة جوانبه، أو تعالج لحظة وموقفا تستشف أغوارهما، تاركة أثرا واحدا وانطباعا محددا في نفس القارئ، وهذا بنوع من التركيز والاقتصاد في التعبير وغيرها من الوسائل الفنية التي تعتمدها القصة القصيرة في بنائها العام، والتي تعد فيها الوحدة الفنية شرطا لا محيد عنه، كما أن الأقصوصة تبلغ درجة من القدرة على الإيحاء والتغلغل في وجدان القارئ كلما حومت بالقرب من الرؤية الشعرية.

المبحث الثاني: تمايزات القصة القصيرة عن الرواية والأقصوصة

في هذا المبحث سنحاول ذكر أبرز مميزات كل جنس على حدة، لكي نصل في الأخير إلى الفرق الذي يكمن بين هذه الأجناس.
إذا فالقصة القصيرة حسب عبد الرحيم مودن تعد "من المصطلحات الشائعة في السرد المغربي الحديث، وهو يرادف، من حيث الاستعمال، مصطلح القصة. غير أن وصفه بالقصر، يعود إلى جانب الكم الذي مثل عنصرا معياريا في التعامل مع النص سواء بالنسبة للكاتب أو المنبر الصحفي الذي تربت في أحضانه النصوص القصصية إلى هذا النوع.
ويظل مصطلح القصة القصيرة من أهم المصطلحات في الكتابة القصصية المغربية، سواء على مستوى المجاميع القصصية أو على مستوى القراءة، وأخيرا على مستوى الأسماء التي مثلت تجارب مختلفة.
وبالإضافة إلى هذا وذاك، إن تجربة القصة القصيرة بالمغرب مرآة لأنماط التجريب واستنباط عناصر سردية انتمت إلى أنواع أدبية أخرى مثل المسرح والشعر والفن السينمائي والشعري وبنية الأسلوب الكاريكاتوري والبلاغة اليومية وأشكال الحكي التراثي كالمقامة وغيرها.
وأما الأقصوصة فقد تتداخل – وهذا ما نلمسه في المجال الإبداعي – الأقصوصة بالقصة القصيرة إلى حد التطابق خاصة على مستوى التسمية. غير أن الأقصوصة تتميز بطابع التركيز المجهري على الحدث المفرد، والشخصية الواحدة الموجهة لعملية الحكي، والمتحكمة في فضاء النص بدلالاته المختلفة"([5]).
وأخيرا فالرواية "نص سردي مطول، متعدد الشخصيات والفضاءات والأحداث والمرجعيات... يقوم على المتخيل الذي يخضع لمستويات التحويل الأسلوبية والبنائية بهدف كتابة تاريخ استعماري لحقبة ما بكل عناصرها، الإنسانية المتفاعلة مع حياتها الجديدة التي وفرها فضاء النص المتخيل"([6]).
فالرواية إذن هي أحدث أنواع القصة، ويطلق عليها القصة الطويلة لأنها أطول أنواع القصص على الإطلاق (550 صفحة) وتقرب من 40.000 كلمة وأكثر.
والآن سننتقل إلى جانب المقارنة وهنا سنحصر المقارنة بين جنس القصة القصيرة والرواية، في جميع المستويات، وسنبين بعض الفروقات بين القصة والرواية.
فالقصة القصيرة تختلف عن الرواية في علامات فارقة هي: الطول، الرؤية، الزمن، الشخصيات، الأحداث، البناء، اللغة، المكان وأخيرا الأسلوب.
1- الطول: تتكون الرواية من شخصيات وأحداث عديدة، وتمتد عبر مساحات زمانية عريضة ويتطلب ذلك بالطبع صفحات كثيرة تتجاوز المائة في أغلب الأوقات، وفي المقابل من المنطقي أن تكون القصة أقصر لأنها لا تتناول غير حدث واحد بسيط أو تغوص في خلجة من خلجات النفس الإنسانية تقع تحت ضغط ما.
أقصى طول محتمل في العرف الأدبي للقصة القصيرة هو ثلاثون صفحة وما تجاوز ذلك حتى سبعين صفحة يعد رواية قصيرة وليس قصة قصيرة.
أما الحد الأدنى فقد ارتضى العرف الأدبي ألا يقل عن خمس صفحات، على أن تسمى القصة التي تقل عن خمس صفحات بالأقصوصة وهو نوع أدبي شاع خلال ربع القرن الأخير وهو قصة قصيرة بلغت درجة عالية جدا من التكثيف وهو ما بات يعرف ب"القصة القصيرة جدا".
2- الرؤية: تمثل الرؤية نقطة الانطلاقة الأساسية في تصور النص الأدبي وهو لا يزال نطفة في رحم البوتقة الإبداعية لدى الكاتب... والرؤية في القصة القصيرة ليست غير نقطة ضوء تطل في لحظة بسبب موقف قد يبدو للبعض عاديا، وإذا كان الروائي يبدو أحيانا وكأنه يرى الإنسانية جمعاء فإن كاتب القصة القصيرة يطل على العالم من ثقب صغير في الباب ومع ذلك فيمكن أن تعبر رواية كبيرة وقصة قصيرة جدا عن رؤية واحدة.
3- الزمن: يعد الزمن محور اختلاف رئيسي بين الرواية والقصة القصيرة، ذلك أن الرواية تتناول أحد قطاعات مجتمع ما وقد تستوعب الحياة في أكثر من شريحة ومرحلة عمرية عبر فترات طويلة نسبيا قد تكون شهرا أو سنة أو عدة سنوات، أو ربما عبر قرون من الزمان أما القصة القصيرة فقد تصور موقفا يستغرق دقائق أو ساعة أو ربما ساعات أو يوما كاملا.
4- الشخصيات: إذا كانت الرواية ترصد حياة مجموعة من البشر في زمن ما فإنها تحرص على رسم تفاصيل ملامحهم الجسمانية والنفسية والعقلية والإمكانات الاقتصادية والثقافية.
لكن القصة القصيرة ليست مطالبة بكل ذلك لأنها معنية بتصوير شخصية واحدة أو اثنتين في موقف بسيط مكتفية برسم صورتيهما بالإيماء إلى ملامح- فالاهتمام يكون عادة بالحالات النفسية ومعطياتها الخارجية.
5- الحدث: تتعدد الأحداث في الرواية وتتوالى في صورة تركيبية بعضها يفضي إلى بعض صاعدة من البسيط إلى المعقد وتشارك الشخصيات كل على حسب أهميتها في صنعها ودفع عجلتها لتشكل عالم الرواية الكبير. أما القصة فلا تحتمل غير حدث واحد وقد يكتفي بتصوير لحظة شعورية نتجت عن حدث تم بالفعل أو المتوقع حدوثه ولا يدهش القارئ إذا انتهى من القصة ولم يعثر بتاتا على حدث إذ يمكن أن تكون مجرد صورة أو تشخيص حالة أو رحلة عابرة في أعماق شخصية ثائرة أو حائرة.
6- البناء: البناء هو الشكل وهو المعمار الفني، يمكن أن يتشابه بين القصة والرواية، لكن حجم الرواية واتساع عالمها يجعل أحيانا من نقط التقارب أمرا متعذرا.
فالبداية في القصة القصيرة هي مفتاح العمل في أغلب جوانبه ونقطة الانطلاق الأساسية لهذا العالم المحدود لأن القصة يبدأ بناؤها مع أول كلمة ومعها يشرع الكاتب في الاتجاه مباشرة نحو هدفه وهو ما لا ينطبق على الرواية المتشبعة.
7- اللغة: أمام الروائي فرصة طيبة ومتسع كي يدبج العبارات في تصوير الشروق والغروب وروعة الأفق والبحر والغيوم والسماء والفضاء الشاحب ويصور لنا حال البطل ومشاعره فهو يرسم صورة تفصيلية لكل حدث ولكل عنصر في بيئة الحدث.
أما القصة القصيرة فهي نص مكثف إلى أقصى درجة لا حشو فيه ولا تأكيد ولا تكرار وربما يسمح بالتشبيه في أضيق الحدود، الألفاظ مرهفة ومسنونة بلا تزيد وليس فيه ثمة مجال لاستعراض ثروة الكاتب اللغوية إلا في حدود المتاح.
8- المكان: واضح أن الرواية تحتاج إلى تعدد الأماكن من سفر ومطاردات وحوادث وتغير في أماكن السكن بل ويرخص فن الرواية لكاتبها أن يستغرق في وصف المكان بعدة صفحات.
القصة القصيرة طبيعة زمانها وشخصياتها لا تحتمل إلا مكانا واحدا وربما لا تتناول إلا جانبا منه كأن يكون شرفة أو حقلا أو جزءا من طريق.
9 -الأسلوب: هو التقنية الذي يستعين به القاص في طرح فكرته، في مجال الرواية ويحتاج الروائي إلى أساليب فنية تتغير بتغير المواضيع والشخصيات والزوايا والأحوال، فنجد السرد المتدفق حينا، يعقبه مونولوج داخلي بين المرء ونفسه وقد يستعين الكاتب بالأحلام والفلاش باك والحوار وغيرها من الأساليب. أما في القصة القصيرة تختلف المسألة تماما فالموقف حرج ولا مجال أمام الكاتب إلا استخدام أسلوب واحد أو اثنين على الأكثر.

المبحث الثالث: موقع هذه المجموعة القصصية في الفن القصصي

تعد هذه المجموعة القصصية "وطن الخبز الأسود" بالنسبة للقاص محمد مباركي باكورة أعماله المنشورة في مجال القصة التي أصدر طبعتها الأولى سنة 2010 بمطبعة الجسور، وبعدها مباشرة أصدر رواية بعنوان: "جدار" سنة 2011 وفي الشهر الماضي من هذه السنة أصدر مجموعة قصصية جديدة بعنوان "الرقم المعلوم".
وتتكون هذه المجموعة "وطن الخبز الأسود" من ثلاثين قصة قصيرة يستهلها الكاتب بإهداء ويليه مباشرة تقديم، إلا أن جل هذه القصص القصيرة التي كتبها تصب في البعد الواقعي السير ذاتي.
وينتمي محمد مباركي إلى جيل الألفية الثالثة أي الفئة المعاصرة، ومن الكتاب المعاصرين له نذكر على سبيل المثال لا الحصر محمد العتروس الذي سطع نجمه في الآونة الأخيرة وله عدة أعمال قصصية في البعد الواقعي، وهناك أيضا عبد الله زروال وبديعة بنمراح ومصطفي جباري واللائحة طويلة.
وتأثر محمد مباركي أيضا بأسلوب مجموعة من رواد الفن القصصي من أمثال أحمد بوزفور، محمد زفزاف، إدريس الخوري، إذ ظهر ذلك جليا في جل كتاباته.
وخلاصة القول:
 يتبين لنا من كل هذا أن القصة القصيرة بالجهة الشرقية من المغرب الأقصى لها مكانة كبيرة، وقيمة جلية، ووضعية مثيرة ولافتة للانتباه، والدليل على ذلك وفرة المجموعات القصصية القصيرة، وكثرة المبدعين والنقاد، علاوة على مجموعة من الندوات التي تم عقدها من أجل التعريف بهذا الفن المستحدث الجديد إن شكلا وإن مضمونا وإن مقصدية. وبالتالي، يشكل إنتاج الجهة الشرقية من القصة القصيرة ثلث الإنتاج المغربي في هذا الفن. كما تحتل هذه الجهة المرتبة الأولى وطنيا في مجال التنظير والنقد الأدبي، بالمقارنة مع جهة الدار البيضاء التي تضم نسبة كبيرة من كتاب ومبدعي القصة القصيرة. ولا ننسى أن هذه الجهة سيكون لها في الغد القريب مستقبل زاهر في هذا المجال، وذلك مع كثرة الندوات والملتقيات مثل الملتقى الجهوي للإبداع الأدبي بالجهة الشرقية وملتقى أبركان للقصة القصيرة والبرنامج الثقافي والفني للمديرية الجهوية لوزارة الثقافة بالجهة الشرقية لشهر فبراير 2012 واللائحة طويلة، والمهرجانات الوطنية والعربية التي تنعقد من وقت لآخر.



[1] - أحمد المديني:"فن القصة القصيرة بالمغرب في النشأة والتطور"، ص: 31.
[2] - نجيب العوفي:"مقاربة الواقع في القصة القصيرة المغربية"، ص: 52.
[3] - أحمد المديني:"فن القصة القصيرة": ص: 32-33.
[4] - مصطفى علي عمر:"القصة وتطورها في الأدب العربي"، ص: 173.
[5] - عبد الرحيم مودن:"معجم مصطلحات القصة المغربية"، ص: 4.
[6] - نفسه، ص: 37-38.

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Best Buy Coupons تعريب : ق,ب,م