الثلاثاء، 22 يناير 2013

قصة قصيرة " منذ الألف الثالثة قبل الميلاد" محمد مباركي / وجدة / المغرب

قصة قصيرة 
 " منذ الألف الثالثة قبل الميلاد"

محمد مباركي / وجدة / المغرب

من شرفة بناية من طابق واحد، وسط حديقة غرس فيها بستاني هرم أنواعا خاصة من الورود في شكل دائري، تتوسطها شجرة سرو، في حي يسمى "بايو"، رأيت امرأة متوسطة العمر، تجلس على كرسي هزّاز ذي مسندين، رأيتها تقضم قطعة شوكلاطة. سحرتني بوجهها البدري.  وقفتُ تحت شرفها وكعاشق "لاتيني" قادم من "لاپاز"، عزفت لها لحنا على قيثارتي الإسبانية الصنع وغنيتُ لها أغنية أحفظها منذ صغري. استللتها من شريط مغنية يهودية مغاربية تسمى "زيفورا"..
 مسحورة بالأغنية، أطلّتْ علي سيّدة الشرفة، وكفّت عن قضم قطعة الشوكلاطة.. رأيتُ الإعجاب والحبّ في عينيها العسليتين الناعستين.. فجأة أشارتْ إليّ بيد  منحوتة كقضيب الريحان، طلبتْ مني صعود الأدراج إليها.. صَعِدْتُ ماسكا بطرف خيط غوايتها غير المرئي، جرّتني من أعماقي، حتى وجدت نفسي أجلس القرفصاء عند قدميها وأنظر إلى وجهها كقط مسحور.. ابتسمتْ، فغارتْ من ابتسامتها الشمسُ وسارعت إلى الاختفاء وراء غيمة عابرة كتلك الغيمة التي كلّمها هارون الرشيد من شرفة قصره.. مرّرتْ المرأة ظهر يدها الناعم على خدي الأيمن، فاقشعرت كل خليّة في بدني وسرتْ في جسدي حرارة استوائية، أرغمتني على التخلّص من بعض ملابسي.. رميتها من الشرفة إلى الشارع. سقطت على وجه  طفل يبيع السجائر بالتقسيط. كومها تحت إبطه  وجرى بها فرحا. ابتسمتِ المرأة للمنظر والتفتتْ إلي وسألتني بحنان: من أنت أيها الشاب؟
قلت بمسكنة زائدة: عاشق يا سيّدتي..
ابتسمتْ ابتسامة ملائكية، أبانت عن أسنان مرصّعة كحبات مرجان مصفوفةٍ في عقدِ جيدِ أميرةٍ خارجةٍ على التو من كتاب ألف ليلة وليلة..
وسألتني ثانية برقة أكبر: منذ متى وأنت على هذه الحال؟
قلت بالمسكنة الزائدة ذاتها: منذ الألف الثالثة قبل الميلاد..
باندهاش سألتْ: منذ الألف الثالثة قبل الميلاد؟!
قلت: أجل يا سيّدتي..
قالت: وأين كنت طول هاته المدّة؟
قلت: كنت طول هاته المدّة ساقة أسقي الماء للطلبة وأزاحمهم في الجلوس إلى فيلسوف يوناني أنهل من معين أفكاره..
قالت: أنت يوناني إذن؟
قلت: لا يا سيدتي، أنا مغربي من الحدود إلى المحيط..
قالت: ومن أي مدينة أنت؟
قلت: والله حيرّني سؤالك.. أأقول لك أنا من وجدةَ أم من أبركان. 

الثغر الأعظم ،/بقلم إسماعيل علالي



الثغر الأعظم

بقلم إسماعيل علالي

اجتمع السكوت والكلام في أحد المقاهي  المسماة بالعقل في مدينة الإنسان العربي، وكان الزمن زمن سكون ، وبعد تصافحهما بالوجه، واستفسارهما عن حال الأهل والأحبة، دار بينهما الحوار التالي:
السكوت:إني أشفق عليك أيها الكلام
الكلام: لم يا نقيضي؟
السكوت:لأنك مذموم عند البشر، في كل مرة تورطهم ، وتهدم جبال الحسنات التي حصلوها بعبادات وأفعال مباحة ، إذ تأتيهم  بنية من بناتك لم تبلغ الحلم  ،تهوي بهم  في جهنم ، ثم يجيئون  عندي لأكون خلاصهم وطريقهم  إلى التبرؤ من مكرك وخديعتك.
الكلام:يا نقيضي، صدقت في قولك، لكن لبناتي اللفظات وعماتهم الكلمات ،جوانب  نفعية،أخرجت البشرية من همجيتك وهمجية الرمز الجاف.
السكوت:أ تزدريني وأنا سيد الحسنات التي تغنت بها أشعار البشر؟ دلني –إذن -على  شيء ينقص من فضلي، فأعترف لك ؟
الكلام:  إن جل ما قيل فيك من مدائح، تنمحي في رمشة العين ، بمقولة واحدة.
السكوت:وما هي؟
الكلام: أستحي من نطقها، نظرا لمكانتك الرفيعة في قلبي، فأنت نقيضي الذي لولاه لما كان لوجودي قيمة .
السكوت:  أعلم يا نقيضي أننا مقولتان متكاملتان لحد التناقض والتعارض.،ورغم هذا كله  فأنت ملزم بالإفصاح عن الحقيقة التي وجدتها  تشينني.
الكلام: مادمت ترغب في سماع الحقيقة ، فسأسمعك   قولة الحق التي قيلت في شخصكم الكريم.
السكوت مستغربا :قلها ولا تتعبني بمراوغاتك المعتادة !.
الكلام : قيل في آفتك:"الساكت عن الحق شيطان أخرس".
السكوت-تحمر وجنتاه ويرد بتعلثم-:إي نعم، رغم أن  المقصود  بهذا الحديث ،هو صمت المداهن والمرائي لا أنا.
الكلام: كفاك مراوغة، فنحن آفتان عظيمتان، وإن كنت أنا الذي أذم.
السكوت:تظهر عليه علامات الهزيمة والإعتراف.
الكلام -تخبره ملامح السكوت بإذعانه وإقراره الضمني، فيحور النقاش إلى جهة أخرى-:
يا نقيضي مادمنا نتوفر على مزايا ونقائص تشيننا، فلابد لنا من البحث عن العلة الرئيسة التي تفرعت عنها هذه المعرة.
السكوت متعجبا: ربما الإنسان باعتباره مالك أمرنا والمتحكم فينا !.
الكلام:هذا هو الظاهر، بيد أن إنسان هذا العصر أبتلي مثلنا بصراعات غبية  ومعاناة خفية نقلته من مقام القوة إلى مقام   الضحية .
السكوت:صدقت، المسكين  أضحى في منزلة بين المنزلتين،إذا سكت وسم بأنه شيطان أخرس،وإذا تكلم  فهو شيطان ناطق.
الكلام ضاحكا: سلمت بلاغتك، فقد وقفت بفطرتك على هادم حسناتك، وسارق فضائلي.
السكوت: من هولأقتله ؟.
الكلام:إنه الشيطان يا نقيضي، هو عدونا و عدو الإنسان والبشرية جمعاء.
السكوت: لكن فيما أعلم، فإن للشيطان مداخلا أخر، كمدخل فتنة النساء.
الكلام: أجل، لكن له مداخل سوء أخرى فضلا عن التي ذكرت.
السكوت:وماهي؟
الكلام:إنه الثغر الأعظم
السكوت  مستفهما و متعجبا:ومن هو الثغر الأعظم؟ !
الكلام:إنها ثغرة اللسان، فهي عند الخناس بمثابة الثغر الأعظم الذي ينفذ من خلاله إلى الإنسان، ليزيغه عن الصراط القويم بواسطة لفظ محظور أو صمت مذموم.
السكوت: الآن عرفت علة  ذ منا ،ولا مناص  من الاتحاد، حتى نجنب الإنسان  حصائد اللسان التي يتصيدها الشيطان.
الكلام: الحل في أن يتعلم الإنسان الحيطة من قوارص الصمت.
السكوت مقاطعا :  ومن قوارص الكلام
الكلام: إي نعم، على الإنسان  تحصين وجدانه ولسانه بالإستقامة، لكي يغلق الثغر الأعظم في وجه الشيطان، فيتجمل اللسان باللفظ النافع والصمت الحسن.
السكوت: لا فض فوك، لقد خلصنا إلى نتيجة مهمة، كانت من حسنات هذا اللقاء ،
فماذا تقترح  يا نقيضي؟.
الكلام:أقترح رفع بيان إلى البشر نطالبهم فيه بالحرص على استقامة اللسان، قصد عرقلة مخططات الخناس.
السكوت: هيا على بركت الله ،هاك الورقة واكتب البيان لأرسله غدا إلى مختلف نقابات أعضاء الجسد.
الكلام: أرى ضرورة إرسال البيان أولا إلى اللسان لأنه سيد الثغر الأعظم
السكوت:وماذا ستقول له؟
الكلام : سأكتب له"اتق الله فينا ،فإذا استقمت استقمنا وإذا اعوججت اعوججنا".
السكوت:تربت يمينك، ودامت فضائلك، التي ما عرفتها في السابق .
الكلام:عفوا نقيضي، فأنت الحليم الحكيم، وبفضل تلاحمنا سنكبل مساعي الشيطان، وأتباعه.
السكوت:في اتحادنا قوة، ولي يقين بأن حال البشرية سيصير أفضل حالا عما كان عليه، بفضل استقامتنا واستقامة الثغر الأعظم.
الكلام: طبعا، ستكسر شوكة الخناس، إذا ما رأى اللسان قد استقام، وأشاع في الناس سكوت الحلم وحديث المنفعة، حيث السكوت في موضع الصمت والكلام في موضع الحق.

 (وبعدما انتقل الزمان من السكون إلى الحركة، خرج النقيضان من مقهى العقل، وكل همهما شيوع الاستقامة في الكون...) 

دراسة تحليلية للمجموعة القصصية "وطن الخبز الأسود " لمحمد المباركي الفصل الثاني

  دراسة تحليلية للمجموعة القصصية 


"وطن الخبز الأسود " لمحمد المباركي
الفصل الثاني

تمهيد

بعد الوقوف في الفصل الأول على التعريف بالقصة القصيرة وذكر أهم مميزاتها والفرق بينها وبين الرواية والأقصوصة وذكر موقع هذه المجموعة القصصية في الفن القصصي. سنحاول في هذا الفصل إبراز أهم التقنيات والآليات الفنية التي اعتمدها القاص، وصب في قالبها هذه المضامين حتى صارت كلا منسجما ومتكاملا ومؤديا لوظيفة مشتركة في إيصال الخطاب والرسالة التي يود القاص إبلاغها للقارئ من خلال عمله القصصي. وهكذا سنتناول في البداية دراسة الفضاء القصصي بعنصريه المكان والزمان. ثم نتطرق إلى تحليل أهم الشخصيات المتمظهرة على مسرح المجموعة القصصية لننتقل بعدها إلى دراسة الذاكرة الشعبية التي حضرت في هذه المجموعة، لنخلص في الأخير إلى الإشارة إلى الجانب اللغوي في هذه القصة ونبين التقنية الفنية التي اعتمدها محمد مباركي في بناء مجموعته القصصية، لنصل في النهاية إلى خاتمة عامة.


المبحث الأول: الفضاء المكاني والزماني

1- المكان:
للمكان دلالات عميقة في كل قصة فبالإضافة للمساعدة في فهم العمل القصصي فإنه "يقدم دائما حدا أدنى من الإشارات الجغرافية التي تشكل فقط نقطة انطلاق من أجل تحريك خيال القارئ، أو من أجل تحقيق استكشافات منهجية للأماكن"([1]). وحتما فهذا لا يعني المكان الذي تشغله الأحرف الطباعية التي كتبت بها هذه المجموعة القصصية بل يعني المكان الذي تصوره هذه المجموعة القصصية.
"وجوليا كريستيفا في حديثها عن الفضاء الجغرافي أو المكان لم تجعله منفصلا عن دلالته الحضارية، فهو إذ يتشكل من خلال العالم القصصي يحمل معه جميع الدلالات الملازمة له، والتي تكون مرتبطة بعصر من العصور حيث تسود ثقافة معينة أو رؤية خاصة للعالم. وفي نظرها يجب أن يدرس في علاقة مع النصوص المتعددة لعصر أو لحقبة تاريخية محددة"([2]).
انطلاقا مما سبق فإن دراسة المكان في القصة هو من الضرورة بمكان، لأن توظيفه لا يأتي اعتباطيا بل يخضع لشروط معينة يضعها الكاتب نصب عينيه قبل الشروع في الكتابة.
وفي نفس السياق يرى نجيب العوفي بأن "من البديهي بالنسبة لنص قصصي ناشئ يعتمد أول ما يعتمد على عنصري الحدث والشخصية، ويخضع لسيولة زمنية تعاقبية وأفقية، أن يحتل فيه المكان أهمية مركزية، باعتباره القاعدة المادية الأولى التي ينهض ويستوي عليها النص، حدثا وشخصية وزمنا، والشاشة المشهدية العاكسة والمجسدة لحركته وفاعليته([3]).
وبالنسبة للفضاء المكاني في قصص "وطن الخبز الأسود" فهو يختلف تبعا لكل قصة وأحداثها المختلفة. لكن هذا الفضاء يؤثته فضاء أوسع هو الذي ذكر في عنوان المجموعة القصصية وهو "الوطن". ومن هذا المكان نتناسل أماكن أخرى تشكل مجتمعة هذا الفضاء الواسع وتنتمي إليه.
يمكن تقسيم الفضاء في هذا المؤلف إلى أقسام رئيسية هي القرية والمدينة، وأماكن محددة واقعية، وأماكن أخرى.
1-1- الوطن:
يعد لفظ الوطن ملهم الكاتب ومنطلقه في هذه المجموعة القصصية. وهو الفضاء الأوسع الذي اختاره ليكون عنوانا لمؤلفه هذا، وبه بدأ أول قصة قائلا: "رضعت من حليب أمي حبا لوطن لم أره، لما فتحت عيني  أول مرة على هذا الوجود، قالت لي "أدهشتنا بصراخك الحاد عند مولدك"، قلت "يا أمي ألم تعلموا أني استنشقت هواء ملوثا بقرن وربع من الحقد"([4]).
ويختم قصصه بقصة "وطن الشموس" التي يتحدث فيها عن معاناة المهاجرين في ديار الغربة وفراقهم لوطنهم حيث يبدأ هذه القصة بقوله:"تحولت الظلمة في داخلي كسرب غربان تحلق تائهة بلا أوكار، تنعق بأصوات كريهة، تتلذذ بالإساءة إلى نفس هاربة من وطن الشموس الحارة، إذ يمارس الليل والنهار لعبة التناوب في هدوء الحكماء"([5]).


2.1- القرية:
تعد القرية المكان الأساسي الذي ينطلق منه السارد في جل قصصه، فهو المكان الذي ولد فيه، وهو المكان الذي قضى فيه طفولته، ومنه يستوحي أمكنته القصصية المختلفة.
فتارة يتحدث عن بادية شرق البلاد ويقصد إحدى بوادي الجهة الشرقية للمغرب التي ترعرع فيها الكاتب حين يقول:"أطبق الليل بيديه الصارمتين على هذا الجزء من بادية شرق بلادي، وساد سكون رهيب، قطعه نباح الكلاب هنا وهناك في عناد مع عواء بقايا ذئاب منقرضة، وأنا أحاول التلذذ بالمكان"([6]).
ويذكر تارة أخرى الروابي المجاورة لقريته يصفها بما تحتويه من أشجار ومناظر خلابة في بداية قصة "الجدي" قائلا:"امتدت أشجار الجوز في خطوط متوازية، كجيش عرمرم، فوق الروابي المجاورة لقريتي الصغيرة، متعانقة وشاخصة بأغصانها المزدهرة لضوء القمر، الذي اكتمل بدرا، محولا هذه الربوع إلى شاشة عملاقة بالأبيض والأسود، وزاد الهدوء من خشوعها، يقطعه النباح والنقيق"([7]).
ويضيف مرة أخرى الغابة إلى الدوار في قصة "عسرة" التي يتحدث فيها عن الجفاف الذي أصاب القرية حيث تتحول الغابة المجاورة إلى منقذ من الجوع بحيث يقول:"ويخرج هذا القروي الملقب في دواره بالشيخ إلى الغابة المجاورة لعله يصطاد طريدة ثعلبا كانت أو ذئبا أو أرنبا أو خنزيرا بريا"([8]).


3.1- المدينة:
اختار السارد المدينة أو أحد مكوناتها فضاء لقصصه، لكن المدينة في غالبيتها تمثل مكانا غير مرغوب فيه، لكونها أرض المصائب والمشاكل والهموم. فقد اختار الحي لتجري فيه أحداث شخصية محمود "الأبله" ومعاناته مع أطفال الحومة، وهم يتبعونه سبا وشتما ورميا بالحجارة وغيرها، وهو يحاول جاهدا صدهم عن ذلك.
واعتمد السارد أيضا شوارع المدينة لتكون فضاء لمعاناة أحد أطفال الشوارع الذي رمت به الأقدار وسط دولة من الكلاب الضالة ينتقل معها وتوفر له الحماية اللازمة، حيث يصف هذا الفضاء قائلا:"وبدأ الظلام يتراخى على الشوارع والأزقة الشبه مقفرة إلا من الحيوانات الأليفة الضالة، إذ هرول الناس إلى منازلهم يلتمسون الدفء بين جدرانها"([9]).
ويختزل المدينة في أحد المنازل التي تأوي شخصا يعاني كثرة الديون في قصة "المدين" الذي يسكن منزلا وسط المتناقضات حيث يقول السارد: خرج في هذه الليلة الظلماء يلتمس فضاء أوسع من هذا الجحر الذي يسميه منزلا، المندس في أطراف المدينة الزاهية بشوارعها المضاءة بأعمدة كهربائية باسقة كأشجار الأرز"([10]).
وتكون المدينة كذلك مسرحا لأحداث مثيرة في إحدى الشقق المشبوهة بالدعارة وهي نموذج آخر للفساد الذي ينخر جسد المدينة والوطن على حد سواء.
4.1- أماكن مختلفة:
هناك أماكن أخرى اعتمدها المؤلف لتكون مسرحا لأحداث قصصه المختلفة. والقاسم المشترك بينها هو كونها أماكن غير صالحة للعيش أو تنفر منها النفس لقذارتها. ومن أمثلة ذلك المقبرة في قصة "الطفلة نور"، والحانة في القصة التي اختار لها الكاتب هذا العنوان.
والزنزانة في قصة "كابوس الجدران الإسمنتية" يصفها بقوله:"زنزانة إسمنتية بطلاء أزرق باهت وباب حديدي صلد، صريره يفزعني كلما فتحه شبه إنسان"([11]).
وأحيانا يختار المؤلف أماكن متنقلة مثل القطار في قصة "قطار"، والقارب المطاطي المخصص للهجرة السرية في قصة "رحلة".
5.1-  أماكن حقيقية:
يصر الكاتب على أن يبصم قصصه المختلفة بطابع خاص يبرز من خلاله انتماءه للمنطقة الشرقية للمغرب. ولذلك سمى إحدى قصصه باسم إحدى مدن المنطقة وهي "تافوغالت"، وتكررت مدينة وجدة أكثر من مرة في عدد من القصص، ومنها قوله:"وفي مخيمات وجدة بدأت رحلة النكبة الصغرى، التقى صانعو النكبتين في أصول سادية ملعونة"([12])
2- الزمان:
يختلف الفضاء الزماني باختلاف القصص وموضوعاتها، والأوقات التي تجري فيها أحداثها.
إلا أن الملاحظة الأساسية على الفضاء الزماني في قصص محمد مباركي يتناسب مع محتويات القصص، فالخبز الأسود يعني المعاناة الدائمة مع لقمة العيش. ولذلك يمكن التمييز بين فضاء زمني عام تحدده الفصول والشهور، وأزمنة خاصة بمختلف أوقات اليوم.


1.2- فضاء زمني عام:
أ- فصل الصيف:
ارتبط الصيف عند المؤلف بشدة الحرارة، وقد ذكر ذلك في موطنين من الكتاب، أحدها في قصة "الشحاذون" حيث يبدؤها قائلا:"كان الصيف يزفر حرارة لا تطاق، في شهر غشت، في ميناء هذه المدينة العفنة كغيرها من مدن هذا الوطن العزيز. لفظت السفينة الضخمة ركابها. كانوا في الغالب من العمال المهاجرين بديار الغربة"([13]). والآخر في قصة "تافوغالت" حيث وصف نهار الصيف قائلا:"لكن نهار الصيف يهرول كالمجنون، يدثر الخلق بأرمادة من القيظ، تشوي الوجوه. فكر أين يبدد هذا الحر المشحون بزفرات اللهيب في هذا اليوم من أيام العطلة الصيفية العرجاء"([14]).
ب- فصل الشتاء:
 ارتبط فصل الشتاء كذلك، في قصص محمد مباركي بشدة البرودة خاصة في شهري دجنبر ويناير متعمدا اختيارهما لتميزهما بالبرودة الشديدة التي تزيد من معاناة شخصيات القصة التي أرادها المؤلف ظروفا سوداء كسواد الخبز، أما القصة الأولى فهي "كنزة" الذي يبدؤها بقوله:"كان اللقاء صامتا باردا كبرودة صبيحة ذلك اليوم من شهر دجنبر، لما عاد "أحمد بلعيد" من بلاد المهجر، يجر معه طقسا أوروبيا متقلبا"([15]).
وأما القصة الثانية فهي "القلم أولا وأخيرا" ويذكر الزمن الذي جرت فيه في بدايتها كعادته في القصص الأخرى حيث يقول: "في هذه الساعة المتميزة، من هذا اليوم البارد إذ هرأت الريح، في شهر يناير، اشتقت إلى بياض الورق فأخذت القلم بين أناملي لأكتب أي شيء لأي كان، لكنه جمح بين السطور كفرس برية، لم يطاوعني على الكتابة"([16]).
2.2- فضاء زمني خاص:
يلجأ المؤلف في كثير من قصصه إلى تحديد زمن خاص تقع فيه أحداث القصة. ويلاحظ أيضا أن الأزمنة التي اختارها المؤلف تتناسب تماما مع مقصديته في إظهار سواد العيش وضنكه. فلا نجد زمنا في النهار مع الشمس المشرقة والوضوح التام للأشياء، بل يعمد إلى الليل في مختلف مراحله بدءا بالمساء ومرورا بمنتصف الليل ووصولا إلى الفجر وما بعده، وقد أشار محمد مباركي إلى طغيان الليل على النهار وسيادته عليه حين قال في آخر قصة:"يرحل النهار ململما أنواره في هدوء، ليبتلعه الأفق البعيد تاركا الكون لليل مزهو بالحلكة يزرعها على الربوع"([17])، ثم يضيف قائلا:"يخنس النهار ذليلا أمام جبروت الليل، ونتقلب الطقوس، تجاري قوانين اللعبة التي تمارسها الكتل الهوائية الآتية من المحيط، فتغضب وتفرغ أحشاءها زخات تزيد من جنون الجداول والأنهار المعاندة للموج عند المصبات"([18]).
وكأمثلة على هذه الأزمنة يتحدث في قصة "كابوس الجدران الإسمنتية" قائلا:"لما مالت الشمس للمغيب تاركة هذا العالم، في فوضى المجانين، غير آسفة عليه، واختلطت أنفاس الليل بأنفاس النهار، كانت لوعتي تشتد أكثر فأكثر، لأن الليل يترصدني بكابوس ملعون"([19]).
ويتحدث عن مساء مصحوب بصقيع في قصة "كلاب صديقة" التي يبدؤها قائلا:"انكمش المساء متدثرا من صقيع الليل القارص، وبدأ الظلام يتراخى على الشوارع والأزقة الشبه مقفرة إلا من الحيوانات الأليفة الضالة، إذ هرول الناس إلى منازلهم يلتمسون الدفء بين جدرانها"([20]).
وفي قصة أخرى يكون الزمن الليل المصحوب بالمطر حين يقول:"اهتز البيت بمن فيه لما قدمت في ليلة مطيرة، أغاثت جذبا استبد بالبلاد والعباد، فاستبشر الجميع بهذه القادمة"([21]).
ويكون منتصف الليل زمنا مناسبا لقصة "أسئلة لوالدي"، وهو وقت اختاره المؤلف ليسأل والده أسئلة أشكلت عليه وحرمته من النوم، يبدأ القصة قائلا:"مسني جنون القراءة بعد منتصف الليل، إذ يهدأ البيت من شقاوة الصغار ويدخل الكبار في بيات شتوي كالدببة، إلا من الوالد يتهجد في غرفته الأرضية تحت ضوء خافت متناغم مع قدسية المكان"([22]).
وقد يصل الزمن إلى وقت الفجر حيث السكون التام، حيث اختاره المؤلف ليذهب فيه شيخ أتعبه المرض وقهره الجفاف. ويدق على أخيه في المدينة عله يسدي إليه معروفا لكن دون جدوى، يذكر ذلك في قصة "عسرة" قائلا:"طرق الباب طرقا خفيفا، والوقت بعيد الفجر، والكل نيام لا يدركون أن العالم يملكه المستقيظون باكرا، أطل عليه وجه أخيه المصفر من كوة الباب الحديدي، وسأل "من؟".

المبحث الثاني: شخصيات المجموعة القصصية

تختلف شخصيات القصص عند محمد مباركي باختلاف كل قصة وموضوعها، لكنها تتفق على كونها شخصيات من الحياة اليومية المغربية، فهي لا تعدو أن تكون من أبناء هذا الوطن، وتشترك أيضا في المعاناة وضنك العيش رغم انتمائها إلى فئات اجتماعية مختلفة منها حتى الميسورة.
يبرز المؤلف طبيعة شخصياته في التقديم الذي خص به المجموعة قائلا "أضع هذه المجموعة القصصية بين يدي القارئ الكريم، وقد أفرغت فيها جزءا من ذاكرة مشتتة بين حنايا هذا الوطن. أبطالها "كائنات حبرية" على حد قول الكاتبة أحلام مستغانمي، لا علاقة لها بأي كان، وحتى إن وجدت في الواقع، فذلك محض صدفة فقط"([23]).
ويحاول المؤلف أن تشمل شخصياته جميع فئات المجتمع التي تعاني كل في موقعه حين يحدد مختلف هذه الشخصيات التي جمعها مركب صغير للهجرة السرية حين يقول:"وشاب قابع هناك في مؤخرة المركب، يتلو آيات من الذكر الحكيم في يقين الزهاد، ويهمهم بأدعية لا يسمعها إلا هو، وهذه اليافعة الحامل تتوسل إلى بارئها بالخطيئة التي في بطنها تتحرك، هاربة بها إلى أوطان تعترف قوانينها ومجتمعاتها بالأمهات العازبات، وذاك صاحب الشهادة العليا يصرخ  من أعماقه عن وطن تقيأ شبا به في هذا البحر، إذ تقنن سمكه في قضم العينين والأنف والشفتين للغرقى بالجملة"([24]).
أما الأسماء التي اختارها المؤلف لتكون أبطال قصصه فهي من الواقع المعيش، من الأسماء المؤلوفة عند الناس. لكن الملاحظ أن أغلبها لها دلالة لغوية تخالف ما تعيشه واقعا: فسعيدة التي تعني العيش الكريم في السعادة والهناء لها دور عاهرة في إحدى الحانات.
وعبد الحميد صاحب الإسم من الأسماء المحمودة يستغل إبنة جارهم ويحطم حياتها.
ومحمود كذلك بدل أن يكون حامدا وعاقلا فهو في القصة أبله يطارده الصبيان.
وكنزة التي اشتق اسمها من الكنز، تفقد زوجها الذي هاجر وتركها تعاني مع أطفالها الصغار..
ونور الصغيرة التي من المفروض أن تنير البيت فقدت أمها وهي لا تزال صبية يانعة.
وزينب ذات الاسم النابع من الحضارة والثقافة الإسلامية، تختطف في القصة طفلة، وتستعمل من أجل التسول دون أن تعرف عائلتها وأصلها وفصلها.
والأستاذ (ج) وهو شخصية أراد المؤلف أن يتستر عن اسمه الحقيقي لتجنب الفضح وكذلك التلميذة (وئام) التي سماها بهذا الاسم المستعار حفاظا على كرامتها.
واسم "بوكلاب" المستعار الذي أطلقه على طفل الشوارع الذي عايش مجموعة من الكلاب واستأنس بها حتى استحق أن يلقب بها.
ولابد من الحديث عن شخصيات أخرى وردت في المجموعة القصصية بصفاتها لا بأسمائها ومنها "المدين"، و"المعلم" و"المتقاعد" و"الأرملة" و"الضابط" و"الشيخ" و"السياسي المراوغ" و"مؤذن القرية السارق" و"المهاجر"، و"المطرود من الجزائر" وأفراد الأسرة وغيرهم.

المبحث الثالث: الذاكرة الشعبية في قصص محمد مباركي

تحضر الذاكرة الشعبية في جل قصص محمد مباركي نظرا لما لها من تأثير في المتلقي المفترض لهذا الإبداع، فهو يعرف تمام المعرفة أن قراءه من أبناء المنطقة غالبا، لذلك عمد إلى إدخال كل ما تزخر به هذه الأمكنة من تراث شعبي يحن إليه أبناء جيله الذين قضوا أمتع اللحظات وهم يتنسمون حلاوة الحكايات والأحاجي والمستملحات التي حد من شيوعها ما عرفه العصر من تطور تكنولوجي وإلكتروني أتى على الأخضر واليابس منها ليستسلم الجميع إلى أساليب أخرى جديدة كالتلفزة والأنترنيت وغيرهما.
أ- القصائد الشعبية:
يشير المؤلف إلى بعض القصائد الشعبية في موضعين مختلفين من قصصه، الأولى جاءت على لسان طفل الشوارع الذي كان يترنح بعدما فعلت قنينة الخمر أفاعليها في رأسه وهو يردد لازمة معروفة لإحدى الأغاني الشعبية بالمنطقة الشرقية وهي "قلو لمي ما تبكيش ولدك باصا ما يوليش"([25]).
والقصيدة الأخرى وردت في قصة "وطن الشموس" وهي قصيدة للشاعر الزجال "بن سوسان"  وعنوانها "أنا غشيم مازلت غري"([26])، ويكرر هذه الأغنية ثانية في نفس القصة حين قال:"فتمثلت وقائع أغنية "بن سوسان" ولازمتها المتكررة"([27]).
ب-  الأمثال الشعبية:
يتحدث محمد مباركي في قصة "الجدي" عن أعراف كانت سائدة سابقا عن أهل القرى وهي عدم جواز بيع الشائع من الثمار، وأن من فعل تلاحقه معرة وخجل. ويكفي من أراد أن يأكل شيئا منه أن يقول دعاء اعتبر من الأمثال الشعبية السائدة وهو:"الله يرحم الغراس"([28]).
ومن الحمولة الشعبية ما يعنيه لفظ سخط الوالدين وما يعرف "بدعوة الشر" عند الآباء والأجداد، يقول المؤلف في أول قصة من مجموعته القصصية قاصدا "جده":"فهددنا بسلاح تقليدي معروف "دعوة الشر" قلت: ألبسها يا جدي عباءة من أجل وطني"([29]).


ج- الحكاية الشعبية:
تحضر الحكاية الشعبية أيضا كموروث ثقافي له قيمته الفنية والجمالية في هذه المجموعة القصصية. وأبرز مثال على ذلك ما جاء في قصة "ذكرى سعيد" حيث يتمثل حكاية شعبية قديمة كانت ترويها الجدات لأحفادهن حتى يناموا، ووظفها في هذه القصة قائلا:"قال الكبار أن جدتنا الأولى صنعت طعاما وسكبته في قصعة كبيرة من الطين وسقته بحليب ثدييها الممتلئتين. من حينها لم يجع أبناؤها ولا حفدتها وحتى إذا أكلوا يشبعون بالقليل من الطعام، أي الطعام"([30]).

المبحث الرابع: البناء اللغوي

للغة أهمية خاصة فهي أداة تواصل للتعبير وللجمال وللمتعة، وأيضا للذهاب بعيدا في محاولة لاكتشاف المجهول. واللغة قلق دائم، فالكاتب يبحث فيها ومن خلالها، من أجل الوصول إلى حل من نوع ما، بحيث أن هذه اللغة لا يقصد منها الجمال المجرد ولا التوصيل وحده بل الاثنان في وقت واحد. وهكذا تطرح مشكلة الاختلاف بين الأمس واليوم حيث أن ما كان موصلا بالأمس لم يعد كذلك اليوم وما كان جمالا في وقت سابق لم يعد يتمتع بهذه الجاذبية.
ونعني بالبناء اللغوي(·) أي الطريقة التي يستخدمها الكاتب في صياغة جمله واختيار ألفاظه للتعبير عن فكرته أو رسم الصور الخيالية التي يريد تجسيدها بالإضافة إلى نقل الأحاسيس والانفعالات التي تختلج صدره، انطلاقا من البيئة المحيطة به وثقافته وتجاربه، وملاحظاته وأحاسيسه.
فالقصة عندما تجسد واقع حياة المؤلف أو واقع المجتمع، فبناؤها الفني يكون بدوره تجسدا لثقافة المؤلف ومعتقده الديني وبما أن محمد مباركي معتقده الديني هو الإسلام فقد وظف في مجموعته القصصية بعض الأساليب القرآنية والأحاديث النبوية نذكر من بينها قوله "وقد بلغت من الكبر عتيا"([31])، وجاء أيضا أسلوب قرآني في قصة "أسئلة لوالدي" حيث يقول المؤلف "وينفض المؤتمرون سكارى وما هم بسكارى"([32])، كما نلاحظ أيضا في قصته "عسرة" استعمل أسلوبا قرآنيا آخر هو "فتتحول إلى رماد تذروه رياح الأنا"([33]) كما نلاحظ أنه استعمل في نفس القصة أسلوب حديثي حيث يقول "فيا لؤم أهل المدينة كيف يتنكرون لعزيز قوم قد ذل"([34]). وفي آخر قصة من هذه المجموعة القصصية التي هي "وطن الشموس" استعمل المؤلف أسلوب قرآني حين يقول "أصبحت في شقتي نسيا منسيا"([35]).
ومن خلال قراءتنا لهذه المجموعة القصصية نلاحظ حضور لافت للدارجة المغربية (العامية) ونذكر على سبيل المثال لا الحصر، ما جاء في قصة "محمود" حين يقول المؤلف "زاد عليه الحال"([36]) وهي لغة عامية نقولها عندما يكون الشخص في حالة يرثى لها أو بالأحرى عندما يفقد صوابه، ويذكر أيضا في قصة "أسئلة لمعلم" لفظ "فلقة"([37]) ومعناها الضرب بالعصا أخمص القدمين بعد شدهما بإحكام، كما جاءت في نفس القصة كلمة "بوشرواط"([38])، كما استعمل أيضا في قصة "الجدي" جملة من الدارجة المغربية التي تفيد الدعاء وهي "الله يرحم الغراس"([39]).
وأما بالنسبة للأسلوب فقد وظف محمد مباركي في قصص مجموعته عدد لا بأس به من أساليب الاستفهام والنداء ناهيك عن تنوع في الضمائر منها الغائب والمتكلم والمخاطب.

المبحث الخامس: البناء الفني

سنتطرق في هذا البحث إلى التقنيات الفنية التي اعتمد عليها القاص محمد مباركي في مجموعته القصصية عند قراءة هذه المجموعة القصصية نتبين أن محمد مباركي مازال يبحث عن أشكال فنية جديدة يستخدمها في عملية بناء قصصه القصيرة، وهو وإن كان قد التزم جانب الواقعية الجديدة في عملية الطرح والتناول، فإنه بقي رافدا من روافد شخصياته ومعاناتهم، ولعل هذه السمة هي الغالبة في أكثر ما جاء في هذه المجموعة، غير أنه حاول جاهدا أن يكون موضوعيا في كثير مما تعرض له، فازدادت القصص ثراء، وجعلنا أمام واقع جديد، أعاد صياغته وفق نهج التزم فيه جانب الإنسان وطموحاته ومعاناته، متخذا من ذاكرة مدينته رؤية واقعية مؤكدة في معظم ما صور، مستلهما قوة الجماعة وأثرها في التغيير والحدث، مشيرا إلى عوالم كثيرة وشاسعة، لا تقف عند الحدود، ليؤكد أن الفنان يستطيع أن يخرج منها أعمالا فنية حية، لها القدرة على النفاذ والاستحضار. ومن خلال ما درسناه تتبين أن تقنية محمد مباركي الفنية في هذه المجموعة تميزت بما يلي:
1- عمد القاص إلى الإفادة من عنصر السرد إفادة كبيرة، ولم يجعل للحوار الخارجي ثقلا في النزر القليل، ولعل واقع مباركي، وظروف حياته المستقرة، كانت سببا في استقرار نفسيات شخوصه.
2- شكل من عنصري التوالي الزمني وإطاره السردي لوحات فنية جعلت القارئ يحس بقدرته على المزاوجة والتفتيت تارة، وعلى جماليات الإطار السردي تارة أخرى، وهو بهذا يؤكد قدرته الفنية في عملية الطرح والتناول.
3- جعل من حركة الزمن عاملا مهما في تقديم بعض شخصياته وأحداثه معتمدا في ذلك على رسم اللوحات في بعض قصصه.
4- عمد في تكنيكه الفني إلى الإفادة من الموروث الشعبي، وتصوير بعض عاداتنا وتقاليدنا وطقوسنا الشعبية والدينية، وقد تألق في كثير منها.
وبالتالي نقول إننا أمام مجموعة قصصية ناجحة تمتاز بتعدد الأبعاد، وهذا ما حاولت الوقوف عليه، وأما من الناحية الشكلية البنيوية فإنها تحتاج إلى دراسة مستقلة.
تضم هذه المجموعة ثلاثون قصة قصيرة ذات منحى واقعي متميز، وجدير بالذكر أن واقعية الأستاذ محمد مباركي واقعية تسجيلية تنقل القارئ إلى عالم تخييلي تتجاذبه من جانب الذاكرة وما تختزنه من ذكريات رسمت ملامح بارزة للشخوص والأمكنة والأزمنة، ومن جانب آخر الوجود في الزمن الحاضر وما يفرضه من قراءات متأنية مسكونة بجدلية ثنائية الماضي والحاضر. الأستاذ محمد مباركي يستحق من القارئ وقفة طويلة تتيح إمكانية التمتع بجمالية الكتابة وروعة التصوير.


استنتاجات عامة:

1- على مستوى البنيات الزمنية:
تعتمد المجموعة القصصية "وطن الخبز الأسود" على تقنية بالغة التعقيد على مستوى الزمن إذ تتسم بالتداعي واسترجاع ذكريات الماضي مما أضفى على القصة طابعا من التداخل والتمازج والتشابك بين الماضي والحاضر.
2- على مستوى البنيات المكانية:
أعطى المكون السير – ذاتي بعدا وظيفيا للمكان في "وطن الخبز الأسود"، إذ انه أعطى بعدا دلاليا يمكن من خلاله الإطلالة على بعض مظاهر العيش وأنواع العلائق داخل المجتمع المغربي، كما أن بعض الأمكنة ساهمت في إضفاء طابع الحركية والدينامية في أحداث هذه القصة.
3- على مستوى السرد:
تمتاز اللغة السردية في "وطن الخبز الأسود" بعدة مميزات، فعلى مستوى الضمائر فهي متنوعة ومختلفة، متداخلة ومتشابكة، مما يجعل بنية السرد تنزلق بينها مما يضفي على السرد في القصة مجموعة من الإيقاعات المتنوعة، أما على مستوى الأفعال فهي متوزعة بين الماضي والحاضر بطريقة تمكن من لمس وتتبع تغيرات الزمن القصصي. وعلى مستوى الوصف فهو يتسم بالتلاحق وسرعة الإيقاع مما يجعله يتداخل أحيانا مع السرد. ومن ناحية الأسلوب فهو مصبوغ بصبغة حكائية وسير ذاتية.


خاتمة

نستشف مما سبق، أن مجموعة "وطن الخبز الأسود" لمحمد مباركي قد تمثلت جل مقومات القصة القصيرة تحبيكا وحجما، كما استجمعت كل مكونات الفعل السردي وخصائص التشويق والإدهاش الفني والجمالي. ومن هنا، تحمل هذه الكبسولات القصصية الواردة في أضمومة "وطن الخبز الأسود" للكاتب المغربي محمد مباركي في طياتها رؤية ذهنية فلسفية إنسانية ذات طرح وجودي تراجيدي.
زد على ذلك أن القصة القصيرة على ضوء هذه المجموعة المتميزة والرائعة في قصصيتها ومقاصدها الرمزية والمرجعية تتسم بمجموعة من الخاصيات التي تفردها عن باقي الأجناس الأدبية الأخرى كالخاصيات الدلالية التي تتمثل في الفانطاستيك، والسخرية، والإدهاش، والخاصيات الجمالية التي تتحقق وتتجسد فنيا في التراكب الجملى، والإيقاع السريع، والتجريد الرمزي والغموض الموحي، وتشغيل الحجم القصير المحدود، وتوظيف النزعة القصصية المعبرة، والميل إلى الوصف المقتضب، وإثارة المتلقي.
وأخيرا أرجو أن أكون قد أدركت الغاية من البحث. كما آمل أن تكون محاولة تحفز القراء على دراستها والإطلاع على جوانبها الخفية فلا شك لا الحظ ولا الوقت أسعفاني في الإطلاع والدراسة الكافية لها، لذلك تبقى هذه المجموعة القصصية مفتوحة تحتاج إلى أكثر من وجهة نظر لقراءتها.


لائحة المصادر والمراجع:

* أحمد المديني:"فن القصة القصيرة بالمغرب في النشأة والتطور والاتجاهات"، دار العودة، بيروت.
* حميد حميداني:"بنية النص السردي"، الطبعة الأولى، 1991، المركز الثقافي العربي.
* عبد الرحيم مودن:"معجم مصطلحات القصة المغربية"، الطبعة الأولى، 1993.
* محمد مباركي:"وطن الخبز الأسود"، الطبعة الأولى، 2010، مطبعة الجسور.
* مصطفى علي عمر:"القصة وتطورها في الأدب العربي"، الطبعة الأولى، طبع بمطابع جريدة السفير شارع الصحافة الإسكندرية.
* نجيب العوفي:"مقاربة الواقع في القصة القصيرة المغربية"، الطبعة الأولى، 1987، المركز الثقافي العربي.






[1] - حميد الحميداني، بنية النص السردي، ص: 53.
[2] - حميد لحمداني، مرجع سابق، ص: 54.
[3] - نجيب العوفي:"مقاربة الواقع في القصة القصيرة المغربية"، ص: 149.
[4] - محمد مباركي:"وطن الخبز الأسود"، ص. 4.
[5] - نفسه، ص. 96.
[6] - نفسه، ص. 10.
[7] - نفسه، ص. 92.
[8] - نفسه، ص. 68.
[9] - نفسه، ص. 64.
[10] - نفسه، ص. 28.
[11] - نفسه، ص. 7.
[12] - نفسه، ص. 83.
[13] - نفسه، ص. 15.
[14] - نفسه، ص. 78.
[15] - نفسه، ص. 19.
[16] - نفسه، ص. 13.
[17] - نفسه، ص. 96.
[18] - نفسه، ص. 96.
[19] - نفسه، ص. 7.
[20] - نفسه، ص. 64.
[21] - نفسه، ص. 72.
[22] - نفسه، ص. 34.
[23] - نفسه، ص. 2.
[24] - نفسه، ص. 32.
[25] - نفسه، ص. 64.
[26] - نفسه، ص. 97.
[27] - نفسه، ص. 98.
[28] - نفسه، ص. 92.
[29] - نفسه، ص. 6.
[30] - نفسه، ص. 12.
· - أخذا عن عبد الله منيف.
[31] - "وطن الخبز الأسود"، ص. 11.
[32] - نفسه، ص. 34.
[33] - نفسه، ص. 70.
[34] - نفسه، ص. 71.
[35] - نفسه، ص. 99.
[36] - نفسه، ص. 17.
[37] - نفسه، ص. 88.
[38] - نفسه، ص. 91.
[39] - نفسه، ص. 92.

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Best Buy Coupons تعريب : ق,ب,م