السبت، 17 نوفمبر 2012

هادي لعبة لعبناها صغار هادي لعبة لعبوها علينا الكبار /بقلم :قيسامي الحسين

هادي لعبة لعبناها صغار
 هادي لعبة لعبوها علينا الكبار

بقلم /قيسامي الحسين

نريد من خلال هذا المقال توظيف التراث الشفهي ومخاطبة ذاكرة القارئ غير المفقودة من خلال بعض ألعاب الطفولة التي هي في طريق الانقراض. ورغم تراثية المقال إلا أنه لا ينزاح عن الواقع المعيش خاصة أن ألعاب الطفولة قد اقترنت بسنوات الرصاص عكس قرينتها التكنولوجية الحالية التي تصادف العهد الجديد.

كلنا يتذكر ألعاب الماضي (جرادة مالحة، شريطة، غميضة ...) والتي أضحت في طريقها للانقراض بسبب غزو الألعاب التكنولوجية الجديدة التي اكتسحت العالم. إن الألعاب القديمة استهوت الكبير والصغير في الماضي باعتبارها كانت كلها في الشارع وتتميز بالبساطة وعدم التكلفة واختبارات الذكاء، يتربى فيها الطفل على المنافسة والاجتماع مع الآخر على عكس الألعاب التكنولوجية التي تعلم الطفل العزلة والحرمان من العلاقات الاجتماعية، بحيث أصبح الطفل طوال اليوم جالسا في غرفته ويلتصق إما بجهاز الكمبيوتر أو البلاي ستايشن أو يزاول ألعابه المفضلة DS , NINTENDO, BOX360,WII ...
رغم سنوات الرصاص، كانت ألعاب الماضي مدرسة لها ارتباط عضوي وفعلي بمحيطها الاجتماعي والفكري من خلال دورها الإيجابي كقوة فاعلة ومنفعلة، ومؤثرة و متأثرة في عدة ميادين كتوظيف هذه الألعاب في المسرح ( جرادة مالحة ، غميضة ...).
إن استنبات هذه الألعاب في التربة الثقافية والفكرية، كان يُعد استثمارا مهما في شخصية الطفل على عكس الألعاب الإلكترونية الحالية التي أفرغت فلسفة اللعب من محتواها الحقيقي في ظرفية تتميز بعجز الحكومة على الرقي بالمرامي والتطلعات التي تود الدولة رسمها بالمجتمع. تتخذ الحكومة من برامجها فزاعة لبث الخوف في نفوس المواطنين سواء تعلق الأمر بمدونة اللعب على الطرقات أو مشروع اللعب على مشاعر الموظفين والعاملين من خلال الرفع من سن التقاعد في الوقت الذي تناست فيه الحكومة أنه : كنا صغار وحْلا لينا اللعب وصرنا كبار وكبر علينا اللعب .

بنية النص، وتحليل الشخصية: قراءة في رواية (الهجرة المعكوسة) لعيسى حموتي



بنية النص، وتحليل الشخصية:
قراءة في رواية
 (الهجرة المعكوسة) لعيسى حموتي


د. محمد دخيسي أبو اسامة

تقديم
على خلفية الإبداع يقف المبدع، وفي كواليس النص الأصلي يحدث أن تتمرد نصوصٌ فرعية تُحدث الفارق، وتُوَرط المبدعَ في معمار مفروض.
لمَ هذا الإصرار على الجمع بين الأصل والفرع؟
حين سلمنيالمبدع الشاعر والروائي والقاص (عيسى حموتي) عملَيْه السردِيَيْنالأخيرين، وتكليفي بالتقديم لرواية (الهجرة المعكوسة)[1] خلال حفل توقيع؛ قررت أن أقرأ أولا العمل الثاني: مجموعة القصص القصيرة (أولاد القايد)[2]؛ فكان اندهاشي قويا أمام سلطة النص بخطابه السردي المكثف، وتناسقِ نصوصه وظيفيا، ووسائلِ المادة الحكائية من حيث الموقف والقضية.. كل هذه العناصر كانت حاضرة بقوة عند قراءتي العمل الروائي، فكان التفاجؤ الثاني المتمثل في تركيز المبدع على المؤشرات الزمنية المترابطة، والتناسق في التدرج الزمني، والتوزيع المعماري المنسجم.
في رواية (الهجرة المعكوسة) لعيسى حموتي، نقف عند هذه القضايا المذكورة، ويتحكم في قراءتنا الحضور القوي للوظيفة التعبيرية الدلالية، ويسيطر في هذا المعطى الجانب الترميزي للأحداث والوقائع من جهة، وإلى الشخصيات من جهة ثانية.
لذلك سيكون عملنا منصبا أولا على هذه الرموز ودلالاتها، قبل الانتقال إلى المؤشرات الزمنية والتوزيع المعماري في الرواية..

1-الرمز وعلاقته بالشخصيات والسرد الروائي:
يأخذ الصراع بين الشخصيات داخل رواية (الهجرة المعكوسة) طابعا ثنائيا، بين الحقيقي الواقعي، والمجازي الترميزي. وقد اختار (عيسى حموتي) التعامل معها من حيث موقعها داخل المجتمع، ووظيفتُها البنائية والتكوينية لتعميق تواصلها بكل فرد.
ويثير اختيار هذه الأسماء أكثر من تساؤل؛ فما بين القصد والوظيفة، وما بين العمد والتوظيف غير المباشر لها، وقف الروائي يُقَلِّب المواقف السردية بأسلوب ينحو منحى تعليب شخصياته في قوالب مُعَدَّة سلفا.
وبما أننا أشرنا سالفا إلى كون رواية (الهجرة المعكوسة) امتدادا للمجموعة القصصية (أولاد القايد) وسيأتي -التفصيل في ذلك-، فلا بأس من أن نحصُرَ بعض شخصيات العمل القصصي الأول. ونذكر على سبيل المثال قصة محاكمة[3]/ الحلْم، حيث اشتغل الكاتب على أسماء من قبيل الأم (فاقة) والأب (جهل)، والأبناء: (عبد نفسه) و(عبد ربه) أو (عداء)، و(إجرام) و(جريمة).. فكل لقب يشير ضمنيا إلى مرجعية اجتماعية معينة، إما دليلا على الحمولة الدلالية التي تحتلها داخل المجتمع: الفقر والجهل..، أو عبر تداعيات الاختلال الشخصي الذي يؤدي إلى مشاكلَ اجتماعية كالعداوة، وخاصة بين الأخوة كما في القصة، أو الإجرام أو اقتراف سلوك عدواني تجاه أفراد المجتمع عامة. وهناك أمثلة عدة في المجموعة القصصية[4]، وهي دليل على كون المبدع (عيسى حموتي) يختار شخصياته انطلاقا من الواقع، لكن صفة الترميز تجعلها تشغل حيزا دلاليا انطلاقا من التسمية أولا، ثم البعد الموضوعي الذي يتركز فعله داخل نسق العمل الإبداعي ثانيا.
بعد هذه الإطلالة الهامشية والضرورية، نصل إلى رواية (الهجرة المعكوسة)، وما يلفت النظر هو كون شخصياتها تتوزع عبر محطات إيديولوجية مختلفة، يمكن تصنيفها كالتالي:
1-1 شخصيات ما قبل الهجرة:
حين نتحدث عن شخصيات ما قبل الهجرة، فإننا -طبعا- نستحضر أحداث بعينها، دبت إلى حياة البطل/ الأبطال في النص، وتمكنت من فرض قوتها الدلالية والرمزية. ويوهمنا الراوي في بعض الأحيان أننا أمام سلطة البطل/ الشخصية المحورية، واقترابِها من الراوي الحقيقي/ الروائي، غير أن اختياراتِه المتنوعةَ للشخصيات في هذا الجزء من الرواية، يحيلنا إلى مشاربها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
نقترب قليلا من شخصية"ساحر النظام"، إذ يبحر بنا الكاتب في أغوار بيت السلطة العربية. فيُكشف عن سر بقاء بعض الساسة بالرغم من فوضى النظام، وانتفاضة المغلوبين على أمرهم؛ كما يركز على شخص القابع تحت وطأة الحاكم، يطيع الأوامر، ويطبقها حتى قبل إصدارها.. لكن مع ذلك تستطيع "شهرزاد" أن تقهر "شهريار" لمَّا غُيِّبَ فعلُ الإغراء والهوى، وظهر الحق بغلبة القوى الضعيفة التي امتلكت قوة الفعل، واستجابَت لرغبة الشعوب. فكانت الانتفاضة من بيت شهريار على يد شهرزاد التي قوضت قصر القاهر الساحر.. لكن الحقيقة التي غابت عن فعل الربيع الانتفاضي، هي كون شهريار يملك أيادٍ خفيةً أنقذته من تآمر المتآمرين على الحكم.
تعتبر هذه الوضعية مؤشرا على حالة مزرية يعيشها الوطن/ الأم، فلا يستسلم إزاءها الكاتب، بل يخوض معركة الحياة التي تجسدها باقي شخصيات النص/ النصوص القصصية. لذلك نجد شخصية "قلم" بكل ما تحمله من فعل الحركة/ الكتابة، والتحرر/ الفعل الممارس. يعيش "قلم" حالة الاضطهاد الإداري، والظلم المفتعل؛ يحرك فيه نخوة الكرامة، وسلطة الذات الأبية، فتحاول "فرشاة" الزوجة أن تخفف عنه، لكنه يفضل في الأخير المغامرة عبر قوارب الموت خلاصا له.
يمثل "قلم" صورة الموظف البسيط، الذي يكافح من أجل لقمة لا يستسيغها الآخر، فيمارس عليه سلطة التنكيل والتعذيب اليومي بكتابة التقارير الروتينية.
وفي مقابل هذه الشخصية يقف "إخوة العفيف"ضد الحركات التحررية، ويتسم دورهم بالجانب السلبي من حيث انتهاكهم الثروات الوطنية، وتشجيعُهم الفساد، وقيامُهم بنهب خيرات الشعوب. لذلك نجد شخصية "الحمال" مؤشرا دالا على السلطة المحكومة بالانهيار، سلطةِ القمع والضيم. يحاول "الحمال" أن يبذل جهدا لدفع حياته نحو الاستمرار عن طريق الكسب الحلال، لكن أيادي السلطة تخذُله وتتهمه بممارسة التهريب الممنوع، وفي الوقت الذي يقتادونه تجاه مركز الشرطة، يلحظ التهريب الحقيقي الذي يقوم به رجال السلطة أنفسِهم من خلال الاستفادة من البنزين المهرب..  
إنها شخصيات إيحائية تناولها الكاتب بالتركيز على:
أولا: صورتِها داخل المجتمع، باختيار أسماء ذات حمولات دلالية، تنبئ عن فحواها ووظيفتها.
ثانيا: صورتِها المضادة، أو تجاوز مرحلة الصبر إلى موقف التمرد والتحدي.
ثالثا: بعدِها الواقعي، باختيار البطل/ الراوي في الرواية حلَّ الهجرة السرية عبر قوارب الموت. وما هي إلا هجرة في بحر هو امتداد للوطن الأصلي، وانتقالٌ إلى حالة الانتماء الحقيقي بين أمواج غربةٍ؛ أهلها أمواتٌ أحياء، وأرضها باطنُ حوتٍ وأحشاء، ومصيرُها فناء أو بقاء. وهذا ما يدفعنا إلى البحث عن البعد الثاني للشخصيات ورموزها في الرواية باستبطان البحر وأغواره.

1-2- البحر/ الحوت، البحث عن شخصية الخلاص:
يتأطر عمل عيسى حموتي في روايته (الهجرة المعكوسة) على بناء معماري عجيب، استغله بذكاء ودراية متقنَين، واستفاد أيضا من التوليف المتعمد بين الشخصية الحقيقية والشخصية المجازية. لذلك سأركز عملي في هذا المحور على الشخصية المعنوية المجازية، من خلال ترسيخ البحث حول الوطن/ البحر. والملاحظ قبل التوغل في أعماقهما، أنهما يشكلان وحدة متكاملة، أو فرعا لأصل واحد هو الانتماء لموطن حقيقي، خال من الأهواء والفتن والفساد والمخالفات المكرَّرة التي يعيشها الفرد العربي داخل مجتمعه.
يقول الكاتب في إحدى مقاطع الرواية: "ما تمتعتُ بمهدٍ فيك يا وطني وأعلَم أني لن أحظى بقبر في تربتك وبين أحضانك، وأملٍ معقود على رحمة من البحر وعلى أمومته البديلة. البحر أمامي ومن بعدِه فردوسٌ، وخلفي وطني وبه سِياطُ القمع، فليس لي والله غيرُ المرْكب الخشبي المتآكل، فباسم الله والله أكبر.."[5]
إنها تضحية المغامر في سبيل حياة أفضل، مغامرٍ بحياة القمع لأجل حياة الفردوس، ويشكل هذا النص البرزخ بين حالتي (ما قبل الهجرة) ومرحلة (الهجرة)، أو فترة (البحث عن الخلاص) في بحر لجي، يغتال الأجساد البشرية الباحثة عن الحرية في ما وراءه.
ويحيلنا النص كذلك إلى حالة البطل/ الشخصية الرئيسية الذي يختار الابتعاد عن مظاهر القمع والظلم، عن وطنه الأصلي عبر وطنٍ/ البحر. فنسجل هنا بعض المكونات التي يدرجها في روايته:
الوطن/ الحوت[6]، الحوت/ البلدان[7]، الحوت/ الوطن[8]، حوت/ إنسان[9]. وقد اعتمدنا مبدأ تحويل صيغةِ كل من الوطن والبحر من حمولتها الدلالية المعروفة، إلى دلالة متحولة تتطلع إلى كسبها روحَ الإنسان، وجسدَ الشخصية الرئيسة في النص. فالوطن هو الأم(غير الحنون)، يقول عيسى حموتي: "عار من حنو الأم وحنانها، كاسٍ من تسلط أبنائها."[10]. ويقول في موقع آخر: "أتطالبين من حاقَ به ظلمُكِ بل إهمالُكِ بعدم التأفف وبالإحسان وخَفضِ جناحِ الذل و... و... وأنت في عدم اكتراث تنظرين إليه يذوي ويخونه النفس؟ ألم تنتبهي يا أمُّ/ وطن، أن جبالَكِ تبتلع النداء وتغتال الصدى".[11]وفي قوله المعبر بكثافة لغوية وترميز واضح: "أمي/ وطني أعلم أن نسلك "إخوة العفيف"، لا زال له امتداد من الماضي إلى الحاضر ونحو الغد."[12] إذ يكشف مدى العداوة التي يخبئها الإخوة، وهي عداوة لها أصول تاريخية، كمؤامرة إخوة يوسف ضد أخيهم، فضربَت بسيوفها في ثوب الحاضر، ولن يخبو لها شواظٌ في المستقبل، مادام الأمر عاما، والحال كما هو.
إذا انتقلنا إلى دال (البحر) فسنغوص في أعماقه مع الكاتب عيسى حموتي الذي وجد فيه الخلاص، فحاوره بحديث مباشر مشوِّقٍ، وجعل المتلقي يتطلع إلى أفق غير متوقع.
ويبرز هذا التحول انطلاقا من انبعاث الحياة الثانية للبطل في جوف الحوت، حين خاطبه بقوله: "لا تُلْقِ بالا، لا تخف فأنا أُجيرُك، وأحميك من كل خطر قد يتهددك، وإذا كنت تشعر بالبرد أوقدْتُ لك الشمس في جوفي، حتى تستعيد عافيتك. وتبصرَ كلَّ ما يجري عن كثب."[13]
فهنا ينتقل البطل، من الوطن/ الأم، إلى الوطن/ الحوت، الذي يحميه ويُجيره ويُبَلِّغَه حنانَه وعطفه عنه، وبأنه أيضا سيجعله شخصا آخر، يتأفف من واقعه وليس من أمه كما في بداية الرواية.[14]
من هنا نقول، إن الواقع الذي اختاره الروائي نسقا لروايته هو الدافع إلى توليد هذه الشخوص، ولولا تخطيطُه المسْبقُ لسياق النص ووظيفته، لما استطاع أن يوفق بين الحدث والشخصية، وبين الشخصية وحمولتها الدلالية. وقد واكب هذا التناسقُ السيرَ الموضوعي للخطاب السردي، من حيث البنيات الخطابية والتركيب والدلالة.

2- الخطاب الروائي: معمارية النسق وانسجام الدلالة.
بدأنا تحليلنا بتحليل شخصيات الرواية، وقد خلصنا إلى كونها تساهم في بناء النص كما خطط له عيسى حموتي. إضافة إلى ذلك، تعد قصص (أولاد القايد) لبنة أساسية لتحريك السير العادي للأحداث في رواية (الهجرة المعكوسة). وما يلفت الانتباه استغلال الكاتب لأربع قصص من المجموعة القصصية في روايته، وهي كالتالي:
أولا: نص (قل لهما أف!!)[15].
ثانيا: نص (ساحر النظام)[16].
ثالثا: نص (التقرير)[17].
رابعا: نص (الحمال)[18].
إلى جانب نص أشار إليه دون أن يفْصلَ في أحداثهِ، أو يعطي بعض خطوطه الرئيسة، وهو (الإسطبل)[19]
2-1- أدوات الربط بين القصص المدرجة والنص الأصلي:
أما الملاحظات الأساسية في هذا البناء فهي:
أولا: عدم الإشارة إلى العناوين الأصلية لهذه القصص في (الهجرة المعكوسة)، والاكتفاء بأدوات الربط، فكانت منوعة ما بين الإشارة إلى سرد الراوي حكاية أبلغ للتعبير عن عدم رضى البعض عن سلوك الآباء، فيقول: "ولعل الحكاية التالية أبلغُ ما عبر عن حال من افتقدوا أمومَتَك ومن لم تشعريهم بها قط"[20]، فجعل حكايةَ (قل لهما أف!!) دليلا على أن الوطن/ الأم، تجرَّد من عطف الأمومة، فاستبدلها بالقسوة والعنف والفساد..
النموذج الثاني من أشكال الربط نجده في قوله: "لقد سمعت حكاية من أحد الدراويش.."[21]، فخص هذا الطرفَ الجديد في السرد بوصلة إخبار للدلالة على فساد السلطة وتسلط المسؤولين.
بعد هذين الشكلين المنسجمين وعنصر السرد، يقف الكاتب في النموذج الثالث عند بناء النص الروائي، ويجعل الحكاية نموذجا لتبرير موقف الهجرة، حيث يقول: "وهذه الأسطر أسفلَه أصدقُ تعبير على ما آل إليه القلم، لما انحصرت وظيفتُه في كتابة التقارير أخذَ هو الآخر يتزاحم على ركوب قوارب الموت"[22]، فكرس فعل الهجرة وبررها بموقف ثابت لدى شريحة عريضة في المجتمع، وهي فئة الموظفين الذين تمارَس ضدَّهم أساليبُ القمع والتسلطُ الإداري، ومن ثمة الإشارةُ إلى الفساد الإداري بكل أشكاله.
أما الشكل الأخير فيختلف عن سابقِيه، إذ يستطرد الكاتب في ذكر جملة من العوامل التي تجعل المواطن يختار فعل الهجرة والابتعاد عن وطنه؛ انطلاقا من تقديم أسئلة استنكارية تبرر أيضا الموقف السالف، كقوله: "ماذا يُنتظر ممن يبيع دمه لضرورة حياتية وبعد أن أُغلقت جميعُ الأبواب في وجهه ظلما؟"[23]، إلى أن يصل إلى ذكر العينة المقصودة:"وماذا عن حمال تُحجز عَربتُه، ويُزَجُّ به في السجن..."[24]، فيورد قصة الحمال كاملة. وهي بذلك آخرُ تبرير ودافعٍ للهجرة، وهو متعلق بالجانب السياسي وتدبير أمور المواطن البسيط، والظلمِ الذي يعانيه جراء استغلال البعض للسلطة بأشكالها.
ثانيا: إضافة عناصر جديدة لا توجد في القصة/ الأصل:
نذكر على سبيل المثال نهاية قصة (ساحر النظام) التي تركها عيسى حموتي مفتوحة على كثير من الاحتمالات في أصلها، أي في مجموعته القصصية (أولاد القايد)[25]، في حين اختار أن ينعش آمال الحاكم في الحياة، باستدراج قوة خارقة تفصله عن شعبه، وتسلمه إلى جهات أخرى ترعى مصالحه، وفي ذلك إشارة إلى بعض الثورات العربية الأخيرة، وما ميزها من هروب أو استئصال حكامها حتى لا يصلَهم غضبُ الشعوب. يقول: "وفجأة، ومن حيث لا يدري أحد -بالطبع أحد من جماعة شهريار- بسرعة البرق نزلت رافعة تلَقَّفته في لمح البصر ليتوارى عن الأنظار."[26]
وبعيدا عن هذا التأويل، نجد الكاتب يلغي قيمة النص الحكائي، ليستطرد في بلاغة شعرية مع نص يشكل قيمة مضافة داخل المتن، إلى جانب بعض النصوص الشعرية المصرح بها[27]، ففي نهاية هذه القصة ينسج نصا يؤلف فيه بين واقع (قلم) محور القصة السابقة، وبين حالة (الفرد) العربي الذي يُضطهد ويعيش حالة ثوران داخلية، يعكسها جليا الموقف الرافض للثابت، ومحاولة التغيير بكل الوسائل. يقول: "في مثل هذه المستنقعات يغرَق نجمُ تاريخك، بفضل من أنجبْتَ وغاب عنك أنهم مِمَّن رُفع عنهم القلمُ، يُمَوِّهون بحَمْل المعاول...والنتيجة هزائمُ ونكباتٌ ونكسات، ومَثْلَبَة، ما شوهد لك نصرٌ يوما ولا مَنْقَبة. كل ما لك هو قوسُ تمويهٍ وفزَّاعة."[28]
سبقت الإشارة في بداية القراءة، إلى أهمية الانسجام الدلالي في رواية (الهجرة المعكوسة)، والتخطيط المسبق لمعمار النص عند عيسى حموتي؛ ونصل إلى تأكيد هذه الفرضية حينا، وما تقديمنا أيضا الشخصيات وفق التقسيم الزمني إلا دليل على كونه استغل قصصه القصيرة لبنةً أساسية لتوطيد علاقة المسبِّب بالسبب في متن الرواية. فكانت هذه النصوص محاولةً لتبرير موقف الهجرة، وأشار الكاتب من خلالها إلى جملة من الاختلالات التي تطبع واقعه الروائي المتخيل، أو لنقل واقعا عربيا هشا، نذكر منها:
ü   الاختلال الأسري الاجتماعي في قصة (قل لهما أف!!)
ü   الاختلال السياسي، وتجسده كل القصص وبخاصة نص (ساحر النظام).
ü   التسلط وسوء التدبير والفساد الإداري من خلال نص (الحمال) و(التقرير)، إلى جانب كثير من المشاكل التي يعيشها الشعب العربي عامة وشخوص رواية (الهجرة المعكوسة) خصوصا، وهي ما أثارها عيسى حموتي في سرد تساؤلي داخل متنه. حيث يورد حقائقَ ووقائعَ معقدةً في مجتمع مُنْحَلٍّومنسلخ عن أصوله الدينية والوطنية ومبادئه الأساسية. وقد استغل في هذا الصدد تساؤلا استنكاريا مكررا، عبارة عن لازمة توازي دفعةً نفسية واجتماعية.
 يقول: "ما الذي ينتظر ممن يبيع دمه...
ما الذي ينتظر ممن باع أحد أعضائه...
ماذا ينتظر ممن يشهد زورا..."[29] والدافع إلى تكرارها هو ذكر كل المسوِّغات التي تجعل الفرد يفكر في ابتعاده عن وطن/ أم، لم يتحمل مسؤوليتَه، فغار على حقوقه، وتسلط عليه، وقزّم منافعه ومصالحه.




2-2- بؤرة التحول في صيرورة المتن الروائي:
إذن، ماذا ننتظر نحن بعد هذه التساؤلات الخفية لدى الروائي عيسى حموتي؟
سبق الذكر قبلُ، إلى أهمية المقطع المحوِّل لبنية النص، وهو قوله: "ما تمتعتُ بمهد فيك يا بلدي..."،[30] إذ يشكل نقطةَ التحول بين النصوص الفرعية التي استغلها الكاتب باستدراجها من مجموعته القصصيةوالمتن الأصلي (الهجرة المعكوسة).ونشير هنا إلى أن المجموعة القصصية كاملة يمكنها أن تكون بداية للعمل الروائي، لأنها تشكل أفقا لتصور بنيوي حول واقع يعيشه المبدع بتناقضاته الاجتماعية، واختلالاته الإدارية، ومشاكله الاقتصادية، وسوء تدبير مسؤوليه لمصالح وطنه. من هذا المنطلق جعل عيسى حموتي البحر بديلا عن وطن فارغ من محتواه، وداخلَ أغوار البحر صادفَ وجودُه جوفَ سمك تبناه وآواه ونبهه إلى كثير من القضايا التي وظفها الروائي في حبكته الروائية، وصاغها بتشكيل تخييلي عجيب، رمز من خلالها إلى ضرورة العودة إلى الوطن من جديد، لبنائه، واستئصال كلِّ قاذوراته ومِكروباته البشرية، والحفاظِ على مقوماته الأساسية بناء على رؤية واعية ومسؤولية مشتركة.
وقد تألفت الحكاية من بداية، حيث الانطلاق عبر زوارق الموت، وتحول كل الراكبين إلى مادة شهية لسمك البحر، فيما نجا بطل القصة الذي وجد نفسه عالقا فوق حوت ضخم يكلمه: "أنا الوطن وأنت تركب ظهري، ولقد سألتك للتو عن السبب الذي ألقاك في البحر.
رباه أنا على ظهر حوت! حوت يتقن الحديث! تحولت إلى رسم متحرك بل إلى سندباد؟!"[31]، لينتقل الأمر إلى حوار عجيب بين الحوت، والبطل، والسؤال الجوهري قدمه الحوت الذي استفسر عن سبب قيام الشباب بمغامرة الإبحار لأجل الوصول إلى الفردوس الغائب.
هذه الرسالة موجهة إلى كل  شاب، تلقاها البطلُ وحاول مجادلةَ الحوت/ الوطن، الذي يلملم فئاتِالمجتمعوأطيافَهسيئه وحسنه، ويزركش ألوانه بألوان الأحزاب ومشاركاتهم الانتخابية، غير أن السبيل يبقى هو العودة إلى الواجهة، والبحث عن الخلاص انطلاقا من الوطن/ الأصل، ولا سبيل إلى النهل من معين غيرِ مضمونةٍ عواقبُه، لذا سارع الحوت في آخر المطاف إلى إبلاغ الكل منطقَ التفكير، وإبلاغِهم أيضا أن وطنهم هو الذي اكتسبوا في حضنه لغتهم الأصلية، وهو من ثمة مكانُ ولادتهم، ومرتعُ نشأتهم، ومآلُ موتهِم، ولا سبيل للبحث عن منشأ آخر في حضن لا يسع إلا لأهله، ولو كان هدفُ الآخر استقطابَ الشعب البئيس لما حرَمه من رخصة وتأشيرة العبور.
إنها الحالة أوالموقف الذي اختار الحوت/ الوطن أن يُشيد به، ويدفعَ البطل إلى محاربة الجهل، بالعودة إلى الوطن/ الأصل، إذاك تُحالُ المؤسسات إلى أصحابها، وتُسنَد الأمور إلى أهلها، "وعلى الشباب أن يعيَ أولا ما يحيط به من ظروف... كما يعني أيضا أن الشباب في حقيقة الأمر في حاجة إلى فهم ذاته واستيعاب الحكمة من تواجده فوق أرض وطنه، في حاجة إلى دروس في المواطنة.."[32]
وتحيل كل هذه التناقضات الواقعية الحقيقية، والتخييلية المنتظرِ تحقيقُها، على فرضية الانبعاث من الرماد، والعودةِ الثانية إلى الحياة. عودةٍ يلخصها مضمون العنوان الأساسي للرواية: (الهجرة المعكوسة)، ويشير إليها مضمون التقديم الأولي للمتن المدروس: (عودة الروح) ، فقد أشار "علال مساعد" بقوله: "وإذْ أقَدِّر أن (عودة الروح) تمثل حجر الزاوية في مشروع الصديق (عيسى حموتي) في مجال الكتابة والإبداع الأدبي، فإني أنتظر أعمالا أخرى تليه، تغنيه وتثريه بنفس الرصانة والجدية في مواضيعَ تعيد للذات وعيها."[33] وأظنه العنوانَ الأصلي قبل التغيير، أو هو أيضا (نشيد الحياة)؛ يقول عيسى حموتي في آخر لحظات السرد: "التفتُ إلى الخلف لاح في الأفق البعيد ما يشبه الجبال تتحرك في اتجاه الجنوب، بآلاف المصابيح كأنها سماء في ليلة صافية الأديم. رأيتها تدنو وتقترب، وقفت منتصبا استعداداً لاستقبالها... أصوات ترتفع كلما اقتربت، أصوات تردد نفس النغمة، نفسَ اللحن تعزفه الملائكة، وتتراقصُ على إيقاعه الحوريات، نفسَ النشيد، نشيد الحياة."[34]
تنبعث إذن الأرواح والأجساد في جنوبها، في وطنها الذي اختارت أن تغتالَه وتبتعدَ عنه، تعود إليه كي تبنيَ مستقبلها بيدها، وتصيرَ الهجرة معكوسةً من ناحيتين:
أولها: المعكوسة من حيث الانتقال من الشمال إلى الجنوب، عكس ما هو متداول ومرغوب فيه إلى حد ما، وإلى حدود سنوات خلت.
ثانيها: معكوسة من حيث فعل البناء، إذ يتخطى الشباب دورهم السلبي إلى فعل قوي إيجابي، ينهل من توجيه الحوت/ الوطن/ الأم الحنون الذي اختار أن يعيد أبناءه إلى حضنه، ويرعاهم ويسألهم الرغبةَ في العودة إلى التناغم والقضايا التي تهمهم وتهم أحوالهَم وغاياتِهم، "فالكل يؤم الجنوب، الكل يحج إلى الجنوب في موكب أسطوري لم يشهد له تاريخ البشرية مثيل."[35]


تركيب:
هذا وجه من أوجه متعددة لقراءة (الهجرة المعكوسة)، اخترت من خلاله تسليط الضوء على الجوانب المضيئة إضاءة الحوت/ الوطن في قعر بحر لجي، واقتبست من عوالم النص الأصل والنص الفرع (أولاد القايد) جملةَ ملاحظاتٍ تثير زوبعة البحث، وتُنعِشُ آمالَ القارئ في تلقٍّ يستفسر ويتساءل، كما ينبِش في ذاكرة الواقع العربي بكل تجلياته وآفاقه وتصوراته المستقبلية.
فعيسى حموتي واحد ممن أضاء الطريق الإبداعي بهذا النص الذي يمكن أن نسميَه تحليلَ وضعٍ لاستشراف مستقبل، بحمولته الإيديولوجية المعرفية، والجمالية الممتعة.









[1]- عيسى حموتي: الهجرة المعكوسة (رواية)،مطبعة شمس للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، ط. 1، 2012.
[2]- عيسى حموتي: أولاد القايد (قصص قصيرة)، مطبعة شمس للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، ط. 1، 2012.
[3]- المصدر نفسه، ص. 37.
[4]- نفسه، قصة: الساحر (شهريار- شهرزاد-  الساحر...)، التبني: (الزوج مختار- الزوجة سَلطة، الأبناء، شعيب- رعية)، الحمال (محند 75).
[5]- ص. 45.
[6]- ص. 55.
[7]- ص. 88.
[8]- ص. 91.
[9]- ص.91.
- ص. 7.[10]
[11]- ص. 15.
[12]- ص. 29.
[13]- ص. 55.
[14]- ص. 10، وهي تحيل إلى قصة (قل لهما أف..)، أولاد القايد، ص. 9.
[15]- عيسى حموتي: أولاد القايد، نص (قل لهما أف!!)، ص. 9، الهجرة المعكوسة، ص. 10
[16]- عيسى حموتي: أولاد القايد، نص (ساحر النظام)، ص. 19، الهجرة المعكوسة، ص. 16.
[17]- عيسى حموتي: أولاد القايد، نص (التقرير) ص. 31، الهجرة المعكوسة، ص. 22.
[18]- عيسى حموتي: أولاد القايد، نص (الحمال)، ص. 53، الهجرة المعكوسة، ص. 39.
-عيسى حموتي: أولاد القايد، نص (الإسطبل)، ص. 25،  الهجرة المعكوسة، ص. 61.[19]
[20]- عيسى حموتي: الهجرة المعكوسة، ص. 10.
[21]- نفسه، ص. 16.
[22]- نفسه، ص. 23.
[23]- نفسه، ص. 37.
[24]- نفسه، ص. 29.
[25]- أولاد القايد، ص. 23.
[26]- الهجرة المعكوسة، ص. 21.
[27]- المصدر نفسه، ص. 43.
[28]- نفسه، ص. 27- 28.
[29]- ص. 37- 38.
[30]- ص. 45.
[31]- ص. 51.
[32]- ص. 86- 87.
[33]- ص. 6.
[34]- ص. 94.
[35]- ص. 95.

العيون الشرقية 29 ذي الحجة 1433
الموافق ل 14 نونبر 2012.

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Best Buy Coupons تعريب : ق,ب,م