الثلاثاء، 19 فبراير 2013

من رسائل "مخطوط أُكتو": انجار رشيد سوسان

من رسائل "مخطوط أُكتو":
قراءة في نصوص أُضمومة: "مخطوط أُكتو" للشاعر سعيد هادف
إنجاز: رشيد سوسان

في البدء كان المخطوط:
عمَّ يحرص المرءُ حين يعثر على مخطوط؟ وعلى أي شيء يبحث بعد التأكّد من صحة نسبة المخطوط إلى صاحبه؟ لا شك في أنه يحرص في الحالتين معاً على تحديد أهم الرسائل التي ينضح بها ذلك المخطوط. أليست هذه الرسائل نفيسة جدّا كنفاسة ذلك المخطوط؟ بلى، إنها كذلك. وعلى قدر أهميةِ المخطوط تكون أهميةُ رسائله. وممّا هو معروف اصطلاحاً أن لفظ "مخطوط" يُطلق على كل: "نص مخطوط باليد (أو مطبوع على الآلة الكاتبة) تمييزاً له عن النص المطبوع."[1]
      ومما يتميز به المخطوط أيضاً أنه نسخة أصلية كتبها المؤلف بخط يده، أو سَمَح بأن يكتبها عنه الورّاقون والنّساخ. وإذا كان النساخ والخطاطون والورّاقون قديما قد اعتنوا بالمخطوطات فأبدعوا في زخرفتها بكل تفانٍ وإتقان "بالألوان الساطعة، أو بالذهب والفضة، مع استخدام خطٍّ مُتقن."[2] فإن الشاعر سعيد هادف صاحب "مخطوطنا" قد اهتم بمخطوطه أيما اهتمام، زخرفة وتطريزاً وإبداعاً، وذلك بيد ساحرة مبدعة، إنها يد طرّزها الإيحاء، وعطّرها المجاز، يد يَصدُق فيها قول الشاعر إبراهيم بن هلال أبي إسحاق (ت. 384هـ):
وكَمْ مِن يدٍ بيضاءَ حازتْ جمالها  = = =  يدٌ لك لا تسْودُّ إلاّ مِن النّقْسِ[3]
إذا رقّشتْ بيضَ الصحائِف خِلْتَها  = = =  تُطرِّزُ بالظّلْماءِ أَرْديةَ[4] الشّمسِ[5]
ذلك عن لفظ "المخطوط". فماذا عن كلمة "أُكتو"؟ إنها اختصار لكلمة (أكتوبر)، وبهذا تتضح دلالات "مخطوط أكتو" ومضامينه للقارئ كما يؤكد الشاعر نفسه؛ فهي مضامين تصور أحداثاً أليمة عاشها الشاعر والشعب الجزائري، وهي "حصيلة حوالي ثلاثة عقود من التجربة في الكتابة وفي الحياة."[6]
ومما وجب التأكيد عليه في هذا التقديم أن "مخطوط أكتو" يتضمن ثلاثة دواوين هي ديوان "مرثية لمدائن النفط" (1984- 1990)، ويتضمن خمس عشرة قصيدة، وديوان "العاطل عن الخطوة" (1990- 1993)، ويضم ست عشرة قصيدة، وديوان "البلاد التي..." وقِوامُه اثنتا عشرة قصيدة.
       يقول جون سيرل: "حينما أنفث واحدة من تلك النفثات السمعية في موقف اعتيادي، فيمكن القول إنني أؤدّي فعلاً كلاميا. وتقع الأفعال الكلامية في عدّة أنواع. فبواسطة هذه النفثات السمعية، أُصدر حكماً، أو أسأل سؤالاً، أو أُصدر أمراً، أو أَطلب طلباً، أو أُفسّر مشكلة علمية، أو أَتنبّأ بحدثٍ في المستقبل."[7]
      هكذا نفث الشاعر سعيد هادف في "مخطوطه" نفثات سمعيّةً حرّى، وبث فيه لواعج تتلوّى، متغنّياً برسائل شتى، تنتظم في عقدٍ شعريّ بديع، يُرسلها إلى القارئ علّه يتقاسمُها معه، فَيخِفُّ الثقل عن الشاعر، ويتنفس شيئاً من نسيم البوح التائق إلى صوت الحرّية والعيش الإنسانيّ الكريم... ويأتي هذا العمل في نطاق ما يفيد القيام بِرصدٍ أوّليّ لبعض الرسائل التي يتضمنها "مخطوط أكتو"، وذلك على الشكل الآتي:

أولاً: رسائل ذاتيّة
للذات نصيب مفروض من الشعر، ولا يمكن تصوّر شعر بمعزل عن الذات أبداً. وممّا يحقّق هذه الخاصية في شعر سعيد هادف تركيزه على وصف مصيره الضائع، وبلغةٍ مؤثّرة وتعابير أليمة، تذكّرُ القارئ بمصير الشاعر ابن الرومي (ت. 283هـ) القائل:
عَكسَت أَمريَ النّحوس فعنزي  = = =  أبداً حائلٌ... وتَيسي حلوبُ!
      وأيّ ضياعٍ أكبر من أن يخونك الأهلُ، والدّربُ، والسّاسةُ الجبناء. يقول سعيد هادفاً إلى تصوير مصيره غير السعيد:
"لا وقت في الوقت
ولا في المكان مكان
لقد خانني الأهلُ والساسةُ الجبناء
وخانني درْبِي
لأيِّ الجهات إذاً،
تصرّ خطاي على حمْل قلبي..."[8]
      وقد تمتزج الذات بالآخر الشبيه بالذات، فتنفجر مشاعر الغربة لدى الشاعر راسمةً مشهد انطفاء شرارة العُمر، مع ما ينتج عن ذلك من طمسٍ نهِمٍ لجذوة الأحلام وبياضها:
"من حدائق غربتنا
من وعْثاء هذا الرحيل الطويل
مضى العمر
(... )
تعبنا كثيراً
والزمان لم ينتبهْ
أن أيّامه السّود قد أَسرفتْ
في الْتهام أحلامنا."[9]
      أما حين يكون الشاعر سعيد هادف وحيداً، فإن الغربة الفردية تصبح محراب صلواته، فتعتصر قلبه، وتبثّ أوجاعه:
          "الغربة محرابي
          يُطهِّرني من حمئي المسنون
          متوحّداً أُعاقر صمتي
          أُزوِّجُ أوجاعي للتّرحال."[10]

ثانياً: رسائل إنسانيّة
ركز سعيد هادف في هذه المجموعة الشعرية على وصف محن الإنسان ومكابداته، سواء كان ذلك في وطنه الجزائر خاصة، أم كان في الوطن العربي عامة. غير أن هذا الوصف يحمل دلالات غير مباشِرة تتطلّع إلى تحسين أحوال المواطن الإنسانية والاجتماعية. يقول صاحب "مخطوط أكتو" في نص "تهمة":
"متهم أنت...
           متهم مع سبق الإصرار
      متهم بشهادة كل النبلاء الأخيار
(... )
متهم أنت...
           ودفاعك عن نفسك أن تكدح
... أن تحرث كالثور... ليل نهار."[11]
      هذه التهمة موفورة إذاً، ولا مفر منها إلاّ إليها. إنها مصير كل مواطن كادحٍ حرّ، وتهمةُ كل إنسان بريء. بل الأقسى من ذلك أن يتحول هذا الإنسان المواطن إلى كائن لا حول له ولا قوة، يعيش إمّعةً، ولا حق له حتى في اختيار ما يشتهيه من الخبز أو الخبر. يقول الشاعر:
"ودفاعك أن تبقى...
                      أذناً مترامية الأطراف
تسمع دون نقاش
ونمنحك النحنُ- كما نبغي- الخبز
ونمنحك- كما نبغي- الأخبار."[12]
هكذا يعيش الإنسان البريءُ مقصوصَ الجناح ومحروماً من أبسط أشكال العيش الكريم، بل أصبح محروماً حتى من حقه في الوجود، وما أبشعه من حرمان. يقول الشاعر في قصيدة "كوجيتو... ":
"يقول ديكارت:
أنا أفكر إذاً أنا موجود
(... )
يقول الجلاد:
أنا أعذّب إذاً أنا موجود
(... )
ماذا يقول المقهور...
وقد سَرق منه القهرُ وجودَه...؟"[13]
      ذلك مصير الإنسان المواطن. فما مصير الشعب بعد الذي اقترفه الأسياد؟ إنه شعب تائه لا يعرف الطريق، إنه شعب يشبه نهراً تائهاً يبحث عن مجراه. قال الشاعر:
"هكذا شعبي...
يقتحم صمت المتاه
مثل نهر منهمر... يتوق إلى مجراه."[14]
      ولكن على الرغم من هذا التيه والضياع، فلا بدّ من يوم عيدٍ سيجد فيه هذا الشعبُ النهرُ مجراه الطبيعي، طال الأمد أم قصر.
سِر فالطريق طويلة لكنها  = = =  تُفضي إلى عزٍّ وحُسنِ ختامِ

ثالثاً: رسائل جماليّة
إن "الصلة الجمالية حقيقة من حقائق الوجود البشري عامّة، تتبدّى ماهيتها ونتائجها في كيفية تعامل تنشأ بين البشر وعالمهم الطبيعي والاجتماعي... "[15]
      وقد عرف الشاعر سعيد هادف كيف يشكّل مواقفه في "مخطوطه" تشكيلا مبدعاً يتضمن رسائل جماليّة كثيرة منها توظيفُ التعابير اللغويّة الموحية، واستعمالُ الرموز الشعرية المكثّفة، وإبداعُ لغة شعرية ساحرة ومؤثّرة، واستيحاءُ بعض الأساطير البابلية والإغريقية، واستثمارُ جوانبَ من التراث الشعبي والأمازيغي. وسنتوقف فيما يأتي مع نموذج واحد من هذه الرسائل الجمالية وهو: 
1-         قصائد الإشارات، أو الومضات الشعرية: هي تلك القصائد المتميزة بالإيجاز المكثّف، وهي المسماةُ بِـ:(الهايكو) لدى اليابانيين، ويمكن تسميتها أيضاً بالقصائد القصيرة جدّاً، على غرار (القصص القصيرة جدا). وهذا النوع من القصائد في "مخطوط أُكتو" حاضر بشكل لافت، مع تميُّزها بدلالات قوية وعميقة تجعل القارئ يقف على حقيقة معاناة الشاعر وعذاباته، ويمثّل هذا النوعَ من الومضات الشعرية قصائدُ كثيرة مثل "العالم"، و"للوطن"، و"رأي"، و"بوح"، و"رغبة"، و"من أرشيف العذاب"، و"تاج"... ولتقريب هذا النوع من النصوص "الإشارات" إلى المتلقي نذكر هذين النموذجين. قال الشاعر سعيد هادف في قصيدة "رأي":
           مع أنك دبّابة
           فمن وجهة نظري الخاصّة
           ... أنت ذبابة."[16]
      ويقول في قصيدة "تاج":
"تاجك عرفٌ
إذاً... لك أُبّهة الدّيك."[17] 


[1] "معجم مصطلحات الدراسات الإنسانية والفنون الجميلة والتشكيلية"، أحمد زكي بدوي، دار الكتاب المصري، القاهرة، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط.1991:1م، ص:220. ينظر أيضاً "المعجم الوسيط"، جماعة من اللغويين، دار المعارف، القاهرة، ط.2: 1972م، ص: 244.   
[2] - المرجع والصفحة نفسهما.
[3] - النقس: الحبر.
[4] - أَردية: مفردها رداء، والمقصود برداء الشمس أو أرديتها نورها وحسنها.
[5] - "أحسن ما سمعت"، أبو منصور الثعالبي (ت. 429هـ)، وضع حواشيه: خليل عمران المنصور، دار الكتب العلمية، لبنان، ط.1: 2000م، ص: 26.
[6] - من حوار: "الشاعر سعيد هادف في مساحة بوح مرهفة"، إنجاز: فاطمة بوبكري، ينظر موقع "وجدة سيتي".
[7] - "العقل واللغة والمجتعم: الفلسفة في العالم الواقعي"، جون سيرل، ترجمة: سعيد الغانمي، منشورات الاختلاف، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط.1: 2006م، ص: 201.
[8] - "مخطوط أكتو"، سعيد هادف، مطابع الأنوار المغاربية، وجدة، ط.1: 2007، ص: 104.
[9] - نفسه، ص: 102.
[10] - نفسه، ص: 38.
[11] - "مخطوط أكتو"، ص: 13.
[12] - نفسه، ص: 13.
[13] - نفسه، ص: 18.
[14] - نفسه، ص: 39.
[15] - "مداخل إلى علم الجمال الأدبي"، عبد المنعم تليمة، منشورات عيون المقالات، الدار البيضاء، ط.2: 1987م، ص: 30.
[16] - "مخطوط أكتو"، ص: 12.
[17] - نفسه، ص: 61.

الجمعة، 15 فبراير 2013

"هديل السحر: ديوان على محك الزمن"/بقلم :سعدية اسلايلي

"هديل السحر:
 ديوان على محك الزمن" تيمة الزمن 
في ديوان هديل السحر للشاعر بوعلام دخيسي

بقلم :سعدية اسلايلي
شاعرة وناقدة من وجدة /المغرب
سحر العتبات :
1- الغلاف إمعان في الانزياح والتغريب
اختار الشاعر مند الوهلة الأولى وضع حواجز متعددة في وجه المتلقي السهل والمستريح ومارس أكبر قدر ممكن من الحصار على المعاني الأولية البديهية وهو بذلك يفسح مساحة لا محدودة أمام التأويل والتأويل المشترك أو المضاد لنصوصه التي مارس عليها حمائية تعبيرية من نوع خاص . تزيد في إغرائها تماما كما يزيد الحجاب في سحر وجاذبية النساء
2-الإطار :

ألوان متداخلة وثانوية ومتدرجة بشكل موهم.

3- لوحة الغلاف
لمحمد سعود الذي ساند الشاعر في تكثيف التغريب على مستوى العتبة الأساس: اللوحة، فهي تنتمي إلى التيار الانطباعي حيث اللون وريشة الفرشاة يحدثان انزياحا عن التصويرية الفجة ويفسحان مجالا للإحساس والتأويل والقراءة وبالتالي التفاعل. تبدو الأشكال في هذه اللوحة كأنها خلف نافذة ماطرة بما يفيده الماء المنهمر من أبعاد جديدة للون والحركة والأحاسيس. وهو ما ينفي الثبات والبساطة في المعاني الممكنة والمتضمنة في المتن.
تؤثث اللوحة إلى انزياح ضبابي للمعنى ويصبغ عليها غشاوة من المتخيل والأحلام.

4- العنوان: اللغة الزئبقية والمعنى الهارب وتقنية التمنع المغري.
يحضر الزمن مند الوهلة الأولى كوعاء يؤطر العلاقة بالقارئ، فهو يتموقع في ممر من نور بين زمنين نقيضين ، فالسحر بما هو مسافة مارقة بين زمنين يوحي بإمكانية التذبذب بين الواضح والمرموز من الكلام كما يوفر فضاء ملائما للتلاعب بالمعاني في رقص انسيابي بين المألوف والمستعار، بين البوح والتشفير، بين السهل البسيط والممتنع.
في الهديل تقمص متملص ومنفلت يتنكر بفضله الشاعر لصوته ويستعير حنجرة الحمام والهديل في الاستعمال العام صوت الحمام وهو في العرف الثقافي العربي ينطوي على الحزن والأسى ويخصص للإشارة إلى صوت الوحشيّ أو البريّ منها أو ما يعرف باليمام، وهي المطوقّة، والقمرية أيضاً، ونلاحظ أيضاً أن الشعر الذي يتطرق إلى القمريّ أو الهديل.
جاء في اللسان: الهَدِيل صوتُ الحمام، وخصَّ بعضهم به وحْشِيَّتها كالدَّباسِيِّ والقَمارِيِّ ونحوها، هَدَل القُمْرِيُّ، وفي المحكم، هَدَل يَهْدِل هَدِيلاً.
يقول بشار بن بُرد :
وقد زادني شوقاً هديلُ حمامةٍ *** على إلفِهـا تبكي لهُ وتُطَرِّبُ
جرير :
أما الفؤادُ فليسَ ينسى ذِكْرَكُم *** ما دامَ يهتِفُ في الأراكِ هديلُ
طرفة بن العبد :
فلا أَعْرِفَنّي إن نشدتُكَ ذِمّتي *** كداعي هديلٍ لا يُجابُ ولا يَمَل
عمر بن أبي ربيعة :
إنَّ في النفسِ حاجَةً ما تقضّى *** ما دعا في الغصونِ داعي هديل
البحتري :
وهيّجَ شوقي ساقُ حُرٍّ أجابَهُ *** هديلٌ على غُصنٍ من البانِ أفرعا
ونلاحظ أيضاً أن الشعر الذي يتطرق إلى القمريّ أو الهديل ينطوي على الحزن والأسى والحنين كما يتضمن الدعاء والتضرع والتهجد.
وفي الحكايات الشعبية؛ إن اليمامة وهي تهدل على الشجرة فهي تبكي أخاها الذي قتل صغيراً، وكانت غائبة وعندما عادت وجدته مقتولاً فرمت نفسها عليه وتمرغت في دمه المسفوك فأصبحت ساقاها حمراوين وكان أخوها يدعى "قيساً" فهي ما تزال تناديه وتنوح عليه وتندبه بقولها: يا قيس قُم، يا قيس قُم، صلّي وقُمْ صَلّي وقُمْ.
وفي الثقافة الشعبية فإن الحمام البري يذكر الله في أوقات السحر والغروب كذلك وهذا يؤكد القيمة الروحية والعاطفية العالية . وقد ورد في سورة الذاريات قوله تعالى ‘‘وبالأسحار هم يستغفرون.
وورد في تفسير : التفسير الكبير للإمام فخر الدين الرازي: ‘‘ و وقت السحر تجتمع ملائكة الليل والنهار ، وهو الوقت المشهود ، فيقول الله على ملء منهم : إني غفرت لعبدي.
أما في الثقافة الشرقية القديمة عموما فإن وقت السحر هو وقت تنبعث في الطاقة الكونية الخلاقة في أكمل درجاتها وان الإنسان بقيامه بالتعبد أو التأمل إنما يستفيد من هذه الطاقة أو البركة ...
فليس عبثا أن يختار الشاعر هذا الوقت من النهار ليبثنا هديله أو ابتهالاته الغارقة في القدسية والملتحفة في وشاح من الزمن.
فالحنين أو الشجن أو الاستغفار هي عمليات لا معنى لها خارج الخلفية الرمزية للزمن. فمن لا ذاكرة زمنية له لا يدرك معنى من قبيل الاستغفار ولا الحنين ولا الشوق ولا غيره من المحمولات التي تزخر بها كلمة هديل. فالعلاقة بين الكلمتين علاقة إضفاء الشرعية والتسويغ والتغريب المتبادل مما يصطحب القارئ في رحلة تغشاها الضبابية ويلفها نوع من الخدر والارتفاع وهي حالات تشبه حالات الجدية الجماعية أو التأمل الروحي الفلسفي أو قل الصلاة الجماعية في وقت من اكتمال الاندماج بين الإنسان والكون بين العنصر والكلية وبين الذات والروح الكاملة كما في التصوف.
من هنا يتضح التورط الكامل للمجموعة في لعبة بالوقت يؤطرها فضاء الزمن. لعبة حيث الاحتفاء بالتفاصيل في بعدها المتحول والشفاف الخاضع لمتغيرة شكلت وتشكل رافعة أساس للفكر الفلسفي الإنساني، لازمة عابرة للحضارات والقارات والأزمنة.
فكيف حضر أو بالأحرى اخترق الزمن نصوص بوعلام دخيسي وهل كان لهذا الاختراق إضافات رمزية لمقاطع هذا الهديل المتنوع ؟ و ما طبيعة هذه الإضافة الرمزية المحتملة؟
أولا: النسبية في الزمن بين نظرية نيوتن وهديل السحر .
1ـ وأنا عندي حنين...ص13
... فجاءت في ختامي بالبداية
.. أنا عندي حنين
أن أعيد الدائرة
أن أستعيد طفولتي
وفصول حبي النادرة .
يكتسب الزمن صفة الدائرية ويخرج من خطه التقليدي ليتحكم فيه الشاعر حسب حنينه الخاص .
2ـ رقص الطفولة ص18
ويكبر الطفل في نفسي وأنفاسي
يقلب الروح من كأس إلى كاس
......
العمر سيدتي ثوب وألبسه
متى أشاء على ذوقي ومقياسي
أليست دائرة للزمن في محورها ذات الشاعر ومشاعره .
3-إلى ابنتي
ص 42
في الصبح إذا أغدو ....
وإذا أجهش في البيت صقيع الليل ....
أتحمل كل سياط العيش
صباح مساء .
أستجمع كل الماضي والحاضر
لأرى يوما من مستقبلها الغابر .
يتلخص الماضي والحاضر والمستقبل في ظل ابتسامة طفلة تتطلع إلى آفاق المستقبل
4-هرمنا
ص 69
شباب الكرامة مروا كراما
فأدبر شيبي يدير قفاه
نسيت سنيني ولدت لحيني
وعدت صبيا يجاري صباه
سأكبر حتى أصير جنينا
ويصغر في الشمس أعتا الطغاه
هو العمر ما اخترت كيف ابتدا
فدعني أقررْ أخي منتهاه
نص يتحلل فيه الزمن ويصير مطاطيا لا يحمل في حد ذاته أبعادا موضوعية بل يصبح وعاء نسبيا تملؤه القيم العليا وتمده بمعناه وتعطيه مداه ، قيم جديدة حملها الربيع الشعبي من قبيل : الحرية والكرامة ..
ثانيا: زمن الطفولة: ذلك المهجع الآمن من سطوة العمر .
1ـ متى أكبر؟ ص21
وتسألني متى أكبر؟ ...
تبسم للصبي فمي
وقلبي موجع يضجر.
في وطن لا يصلح إلا للهجر يصبح العمر شبحا والطفولة زمنا للاحتماء والاستقالة من الضجر.
ثالثا: الزمن: مشتل لنبتة الحقيقة والحكمة والكلام الإبداع .
1ـ الحزن النفيس ص27
أقول شعري شجا والعين تمطرني
دمعا فأغرس أرض العمر ديواني .
فالعمر تربة تخصب نبتات الكلام فتزهر شعرا وتثمر قصائد ودواوين والزمن هنا خميرة الإبداع وغذاء للقارئ
2ـ عذرا سأكذب ص 66
لكن ستمضي ساعتي وستقتفي
أثر الحقيقة يا أنا وتعذب
ستعود للصدق المرير مكبلا
ومرارة الأيام فيك تجرب ...
يصبح الزمن كاشفا للكذب ومحكا للحقيقة ، والدهر حكم غالب، حق وفيصل لا مرد له .
2ـ حوار المنتصف. ص 75
يحدثني عن زمان بعيد
يقلب في مقلتي الأليلا
يعيد إلى الروح روحا دفنا
ستبعث قال ويبدي الدليلا
تأمل معي يا بني بعيدا
وحرر شجونك وانظر قليلا.‘‘ بعد آخر من أبعاد الحياة.
يتقدم الزمن كمرشد يقدم النصح ويوفر المشورة ويتيح التأمل والحكمة.
رابعا: الزمن قيمة مضافة وبعد
1ـ أنت لها ص44
سألتني عن حقول لم تبد أبدا
وعن ربيع بطول الحول ممشاه
سألتني عن زروع الصيف ما ذبلت
وعن خريف عجيج الغصن يهواه
وعن شتاء صقيع الليل يلهبه
وعن لهيب ثلوج الصدر تغشاه .
يستفيض في الاحتفاء بالفصول الأربعة وما تحدثه من تغيير في الكون .
خامسا الزمن : أمانة ومسؤولية نحاسب عليها في الدنيا والآخرة .
1ـ قطار العمر ص24
تمهلْ قطارَ العمر واجبرْ فؤاديا ** فلا زاد عندي إن أتيت حسابيا
يطلب من العمر بأن يمهله قليلا لأنه لم يعد العدة للقاء الأخير.
2ـ قالت لي الساعة ص78
أصرخ واستصرخ ساعتهم أصرخ واستأسد في صوتك
والإشارة هنا إلى الساعة الموقف واللحظة الحسم والزمن المضاد الذي ينتصب في لحظة ما كبديل على زمن عصر بائد. الزمن كمرادف لمفهوم الغلبة عند ابن خلدون .
3ـ ساعة للصمت ص 81
أمهلوني سويعة سأناجي
حينها البحر ألطم الأقلاما ..
فكما هناك وقت للانفجار، وقت للتأمل، وقت للولادة، وقت للشهادة... هناك سويعة للصمت للإبداع. والشاعر يطالب باستراحة في خضم الضوضاء فقط ليرش بعض الكلام على وجوه الجرائد ولينثر بعض الدموع على خلفية الأوهام.



 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Best Buy Coupons تعريب : ق,ب,م