الثلاثاء، 13 أغسطس 2013

هلوسة الكلب/بقلم: عبد السميع بنصابر


هلوسة الكلب



بقلم: عبد السميع بنصابر
إلقاء: رشيد أبو نزار 


لَم يُكن لديّ الوقتُ الكَافي لأستَعيذ بالله مِن الشّيطانِ الرّجيم، فالكلبُ الأسوَدُ الّذي باغَثَني فَجرَ هذا اليومِ وأنا ذاهبٌ إلى المسْجد كانَ ذكيّاً.. رَغم أنّني أؤمِنُ أنّ الكِلابَ السّودَ الّتي تظهرُ فجراً هيَ شياطينُ "مُسيَّفة".. حملتُ حجراً ورميتهُ بها، بَيدَ أنهُ كان يملِكُ من اللّياقَةِ ما جَعلهُ يتخوّى عَليها بِمهارةٍ زَعزعَزت كِياني.. قالَ لي وهوَ يَقتَربُ منّي مُبتَسِما "قديمة!".. غمغَمتُ "أعوذ بالله من..." قاطَعني مرّةً أُخرى "طزز! قديمة حتّى هِيَ".. شمّرتُ عَن ساعِديّ وقَفّطتُ جِلبابي.. نقّزتُ في الهواءِ ونقّز هو الآخر.. تعانَقنا في الأعالي وتعاركنا حتّى طارتْ عَجاجتُنا.. ضَربةٌ في وجهي وضربةٌ في وجهه.. عضَضتُهُ في مؤخّرته.. ونبَحَ طويلاً إثرها.. عِندما ابتعدتُ عنهُ قليلاً، شعرتُ بِجِسمي يتضاءلُ ويخِفّ.. أمّا هو فقد استحالَ كومةً من الضّبابِ لم أتبيّن داخِلها.. كانَ جسمي قد توقّف عن التّضاؤل لحظتها.. تحسّستُ جسمي.. وشعرتُ بفروٍ كثيف غطّاهُ.. ظهرَ نتوء على مؤخرتي ثُم طالَ حتّى صارَ ذيلاً كامِلا.. تحسّستُ وجهي أيضا، صارَ لي قَمقومٌ حقيقي كأي كَلب.. كَلب؟.. صِرتُ كلباً.. كَلباً حقيقيّاً!.. أمّا الكلبُ الأسودُ فقد رأيتهُ يخرجُ من الغمامة مُرتدياً جِلبابي وبَلغَتي.. لَم أسْتَسغِ الأمر فتَبعتُه، لكنّهُ كانَ دائما أكثر لياقةً منّي.. هَرولَ إلى المَسجد وتركَني لدى البابِ أترصّدُ خُروجه.. أٌقيمتِ الصّلاة فأقعيتُ قُرب الحائط أنتظر.. كانَ الإمامُ كَثير اللّحن أثناء القراءة، وارتَكبَ أخطاءً كثيرا في المدود وأحكام الميم والنونِ المُشدّدة والساكنة والتنوين.. وخلَطَ بين روايتيْ ورش وحفصٍ وقالون.. استغربتُ كيف لي أن أُلاحِظَ هذا الآن وأنا أُصلّي خلفهُ دائما دون أن أنتبه إلى أخطائه.. كُنتُ كثير السّهوِ أثناء الصّلاة.. سلّمَ الإمام وبعدهُ المأموم والمصلون ثُمّ خرجوا تِباعاً.. ترصّدتُ الكَلبَ الذي صارَني هذا الفجر.. ما إن ألقى ببلغَتـ"ــه" أمامهُ ودسّ قدمه فيها حتّى نقّزتُ عليها بأسناني.. رفسَني برجله وسَرتِ الحميّةُ في قُلوبِ المؤمنين، فتهاوت عليّ أقدامٌ كثيرةٌ وحجارةٌ ونعال.. لم يكُن لديّ الوقتُ لأشَرحَ لهُم فانتحيتُ رُكناً قصيّاً حتى أسْلَم منهم، وعندما فتحتُ فمي لأشرح وجدتُني أقول "عووو عوو هَوْ هاااو".. بكيتُ لحظتها وهربتُ بعيدا.. في الطّريقِ وجدتُ كلبةً بيضاء شاردة قُربَ طارّو زَبَلٍ.. سألتُها "ما اسمُك؟" أجابتني "نسيت".. واستَطرَدت "لونُك جميل".. تبادَلنا الحديث وعرفتُ أنّها كانت تنتظرُ مومِساً قُربَ الكاباريه، سَرقَت منها إنسانيتها ليلتئذ بَعدما كانت كَلبة، وأنها حزينةٌ لأنها فقدت أيضا مع جسدها حقيبةً فيها "لاكارط كيشي وكل الأوراق".. تذكرتُ بَلغتي وجلبابي فسردتُ عليها حكايتي.. "كُنتِ مومسا؟" سألتُها فأجابت "نعم".. "غريب، أكرهُ المومسات لكنني أحببتُك وأنت كلبة".. قالت " لا تعجب، بدوري أحببتُك كلباً أسود، رَغم أنني عندما كُنتُ إنسانة، كان جارُنا مول الزريعة الأسود يتبعني ولم يُصوّر مني ما يُنقي به أسنانه".. فرحتُ بمشاعرها تُجاهي.. ولم أُفكر في أنها الآن تملكُ بكَرة أم لا، البكرةُ الّتي تسبّبت في فراقي مع حبيبة قبل أيام.. قالتْ "نتمشّاو شوية؟" قُلتُ "نعم تفضلي" على الرصيف كُنتُ أمشي مُلتصقاً بها.. وقُلتُ "آجي علاش ما نتزوجوش كاع؟".. قالت لي وهي تنعطفُ إلى طارّو زبل قريب " آجي نفطرو بعدا ويحنّ الله".. تبعتُها مسرورا وأنا أفكر في أنني سأفطر لأول مرّة مع أُنثى بجيب فارغ.. بل بدون جيوب كــاع..

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Best Buy Coupons تعريب : ق,ب,م