الجمعة، 26 أكتوبر 2012

تجليات الصراع في حلبة الرهان الأصعب




تجليات الصراع في حلبة الرهان الأصعب


بقلم: د.فؤاد عفاني

هذه المقالة في الأصل مداخلة قدمها الباحث بالمقهى الأدبي (لاميرابيل) بمناسبة حفل توقيع الدكتور نور الدين الفيلالي لمجموعته القصصية "حلبة الرهان الأصعب"
قبل القراءة:
          انتبه الباحث الأنتروبولوجي كلود ليفي سترواس إلى تمايز جدير بالاهتمام بين التفكير الأسطوري والتفكير العلمي، فالأول "ينطلق من وهم معرفي كلي يفرغ في الوعي كل الظواهر لتجد تفسيرها فيه، "وهذه طريقة في التفكير تنص على أنك إذا لم تفهم كل شيء فليس بوسعك تفسير أي شيء""[1]، أما التفكير العلمي فـــ"لايبدو شديد الاهتمام بالفهم الكلي، فهو يتجه نحو إعطاء تفسير لظواهر محدودة واعتماد الإجراء كأساس في هذا التفسير وإن كان هدفه البعيد يبقى دائما هو هذا الفهم الكلي"[2]. ومن زاوية مقابلة يربط حميد لحمداني بين تلك الرؤية للعالم والكون وبين القارئ الانطباعي، هذا القارئ الذي يراه لحمداني قارئا معتدا بنفسه واثقا بإمكانياته الذاتية في الفهم والتذوق دون اعتماد مرجعيات تفسيرية، "لأن التفكير الأسطوري يصرح بنموذجه الكوني الوهمي بينما يحيل القارئ الانطباعي على ميكانزمات غامضة للتفاعل الذاتي لا يعرف هو نفسه عنها شيئا ولا يريدنا أن نعرف عنها أي شيء"[3] لكون تأمله لا يستند إلى نقطة ثابتة وغير مؤسس على سند علمي. وتماثل القراءة الموضوعية التفكير العلمي فهي قراءة "تحيل إلى نظام منطقي محكم تراعى فيه جميع عناصر الموضوع"، قراءة تبتغي تحقيق "مستوى شمولية التحليل وليس كلية التصور المسبق. ولا يتم الوصول إلى هذه الشمولية إلا بفعل قراءة حوارية مع النص غايتها الوصول إلى المعرفة لا إلى تأكيد معرفة محصلة في الذهن"[4].
التمظهر الأول للصراع:
       تتألف المجموعة القصصية "حلبة الرهان الأصعب" للقاص الواعد د. نور الدين الفيلالي من ثمان وعشرين قصة موزعة على أربع جولات: الجولة الأولى: عزف على وتر حساس، الجولة الثانية:رقصة الشتاء والصيف، الجولة الثالثة: أشجان وهواجس ذاتية، الجولة الرابعة: تغريد خارج السرب. وقد طبعت المجموعة على اثنتين وثمانين صفحة من الحجم المتوسط وتولى عملية الطبع شركة مطابع الأنواع المغاربية.

          سنتوسل في قراءتنا لنصوص المجموعة بمفهوم النموذج الذي أثبت كفاءته التحليلية في حل كثيرا من المعضلات التي تجابه دارس الظاهرة الاجتماعية والإنسانية، ويُعرّف النموذج على أنه "بنية تصورية يرى الباحث في أي فرع من فروع العلوم الإنسانية أنها هي جوهر الظاهرة التي يدرسها وهي ما تمنحها وحدتها. وبدونها تصبح الظاهرة مجموعة من التفاصيل التي لا يربطها رابط"[5]. ويُجرد النموذج من تفاصيل النص ومما يربط تلك التفاصيل من علاقات، ولاتخلو هذه الخطوات الإجرائية من ذاتية القارئ –وهذا أمر طبعي- الذي يحق له استبعاد عناصر وإبقاء أخرى ينسقها ويربط بينها بناظم معين يؤثث النموذج الإدراكي الذي يفصح عن رؤية كاتب النص للعالم.
         لقد أفضت قراءتنا التحليلية للمجموعة إلى نتيجة مفادها أن الصراع يمثل ثابتا رئيسا يمارس عبر نصوص المجموعة لعبة الخفاء والتجلي؛ فهو يبدو واضحا  مكشوفا أحيانا بيد أننا في أحيان أخرى بحاجة إلى إعمال العقل وممارسة التأويل حتى يكاشفنا الصراع بحقيقته.
          وقد لا نكون من المغالين إذا أكدنا على أن المبدع كان موفقا  في اختيار القصة القصيرة جدا كقالب فني يستجيب إلى حد بعيد للطبيعة الموضوعاتية للنصوص القصصية الواردة في المتن، فالقصة القصيرة جدا أو ما يصطلح عليه ب la micronouvelle باعتباره نوعا أدبيا خاصا داخل السرد الأدبي جاء ليثبت ذاته في شكل صراعي مع ما يجاوره من الأنواع الأخرى خصوصا القصة. إن العلاقة بين الأجناس الأدبية لم تعد كما كانت ذات يوم علاقة تكامل يسكن فيها البعض إلى البعض الآخر ولكنها انتقلت إلى علاقة صراع حقيقي فالشعر لم يعد يتربع على عرش ديوان العرب وإنما نازعته الرواية والقصة ولما لا القصة القصيرة جدا، كما لم تعد خاصية الشعرية ميزة تفرده إنما شاركته فيها أجناس أخرى، كما لم يعد السرد ميزة جنس بعينه إنما أضحت معينا ترده فنون شتى؛ ونسجل في هذه الإطار السيولة المبالغ فيها للتجنيس والتي صارت ترافق الأدب مؤخرا ويكفي هنا نذكر إلى دراستين تناولتا هذه الظاهرة؛ وهما دراسة الأستاذ نور الدين الفيلالي "القصة القصيرة جدا بالمغرب" ودراسة الأستاذ محمد القاسمي "فوضى التجنيس في القصة القصيرة بالمغرب" وهما دراستان تحيل كل منهما إلى ما يمكن أن نصطلح عليه بأزمة الذات، فكثرة المسميات دليل على غياب الوعي التام بطبيعة مانكتب، والذي لا يبتكر الأشياء لا يستطيع تسميتها.
           لقد فرضت طبيعة العصر الصراع على موقع الريادة بين القصة والقصة القصيرة جدا، "فإذا كانت القصة القصيرة "قدمت "لعصر السندويتش" أكلة أدبية خفيفة"، فإن عصر السرعة والعولمة والإنترنيت، عصر الحواسيب المحمولة والهواتف النقالة...، بما يحمله من تسارع في وتيرة الحياة"[6]، وفر أرضا خصبة لبروز القصة القصيرة جدا ملبية بذلك حاجات ملحة لقارئ يسترق لحظات القراءة في المحطات و قبيل النوم. إن القصة القصيرة جدا سمة لإنسان قلق جدا متسرع جدا.
               أمر آخر يستدعي الوقوف عنده وهو أهمية المسكوت عنه في القصة القصيرة جدا فهي تكتفي بالإشارات الخاطفة والتلميحات العابرة ليملأ القارئ ما تبقى من بياضات وما ذلك إلا تأييد صريح لما نادت به كثبر من النظريات عن موت المؤلف في النص وموت الإله في الكون ليُمَجد في المقابل القارئ ويصير الإنسان مركزا للطبيعة.
             إن أولى تجليات الصراع في عمل الأستاذ نور الدين الفيلالي تبدو من خلال صورة الواجهة الأمامية فهي صورة لخيول تتسابق في شكل من أشكال الصراع الطبيعي/الحيواني الذي يتوج الأقوى والأسرع والأذكى في غياب تام للفارس الذي يجسد سلطة العقل. ويكرس هذا المعنى عنوان المجموعة "حلبة الرهان الأصعب" فالعنوان قد يفتح على تأويلا عدة وإن كانت اللوحة قد تحد من ذلك؛ فالحلبة قد تكون –كما ورد في لسان العرب- هي الدفعة من الخيل في الرهان خاصة أو هي خيل تجمع للسباق من كل أوب، وقد تدل على مكان ممارسة طقوس الصراع، أو قد تكون الحُلبة أي ذلك الحب المعروف وقد تكون على دالة قوم حلبة أي يحلبون، وكل من المعنى الأول والثاني والأخير يصدق على محتوى القصة الأولى في المجموعة.
         تقسيم المجموعة القصصية، أيضا، يؤيد تلك المؤشرات كذلك فالنصوص احتوتها جولات؛ والجولات كما هو معلوم هي الطواف والدوران وأشواط المباريات. من كل هذه المؤشرات نؤسس لفرضية قرائية نصوغها في التساؤل الآتي: هل سيكون الصراع في المجموعة ذا وجهين صراع طبيعي/ بدائي وصراع وضعي/ "حضاري" أم أن الأمر لا يعدو أن يكون تضليلا لأفق القارئ وخلق مشاريع توقعات تزيد من لذة القراءة؟
التمظهر الثاني للصراع:  رغم أن الصراع يمثل مظهرا حاضرا في كل نصوص "حلبة الرهان الأصعب" بيد أننا سنقتصر على نماذج منتقاة تفاديا للإطالة.
-       الصراع الطبقي الاجتماعي: يجسد هذا النوع أولى قصص المجموعة، فالصراع قائم بين شخصيات رمز لها بأرقام وموضوع هذا الصراع اجتماعي فالبطل شاب معطل  ورقم (2)  رمز للسلطة الزجرية ورقم (3) واحد ممن تتسلقوا الهرم الاجتماعي بقدرة قادر أما رقم (4) فبرلماني انتهازي، والغريب في الأمر أن الصراع في هذه القصة لم يتحقق لغويا إنما تم عبر النظرات بالتالي فهو صراع خفي؛ بركان خامد مهيؤ لأن يثور في أية لحظة.
-       الصراع مع الذات:
يتجسد هذا النوع في قصة "تنظير وممارسة"؛ ونكتفي هنا بإيراد هذا المقطع لتكتشف معي طبيعة الصراع الذاتي الذي يعانيه المثقف، يقول الراوي: "نصف قرن من البحث لم تكن كافية كي توصله إلى نتيجة، لكنه أدرك كنه الإشكالية في فترة وجيزة مارس فيها السلطة، حين وجد نفسه في صراع مع ماضيه الثقافي" ص11. وحينما يتجاوز المثقف صراعه مع ذاته فإنه يستيقظ على صراع بين واقعه الكتابي النظري والواقع المعيش، وذلك ما تفصح عنه قصة نصيحة سابقة لأوانها  فما تبشر به الصحف باعتبارها منبرا للوعي الثقافي والسياسي يختلف كليا عما يتحقق في الشارع باعتباره أرضية لتجلي الواقع والراهن والأفكار. ولعل الأهم المسكوت عنه في هذه القص فهي تلمح إلى إلى سلطة الإعلام وقدرته على صياغة عالم وهمي لا يمت إلى الحقيقة بصلة كما تبرز القدرة التي صارت تمتلكها السلطة الحاكمة للوصول إل الأفراد مباشرة دون المرور بالوسائط.
-       صراع الطبيعة والثقافة: تؤسس قصة "تشريق" لصراع بين عالم الطبيعة والحرية الذي يمثله الجد وعالم الحضارة الممثلة بالجند والحدود؛ فالجد أراد أن يجول سهول أنجاد على امتدادها إلا أن الحضارة بحرس حدودها أوقفت رحلة الجد الذي ما زال يذكر ماضي سلالته المجيد فيجيبهم "عربي أنا، من بني عامر، آخر سلالات بني هلال" ص13
-       صراع القيم: قصة"مواطن عادي"  صورة لصراع يهدف إلى تطبيع القيم، فالمواطن البدوي الذي جاء إلى المدينة ينفر من كثير من سلوكاتها المنافية للأخلاق إلا أنه سرعان ما أضحى يدور في فلك حركة تلتهم كل ما هو إنساني.
-       صراع السلطة والشعب: من خلال قصة "بلاغ" يبرز الصراع بين السلطة والشعب مؤيدا بالطبيعة التي يمثلها الحمير، فــــ"قد تبين بعد عدة تحريات أن الحمير كانوا يحتجون مطالبين باستعادة عرباتهم... معبرين عن تضامنهم الكامل مع الرجال" ص15
-       صراع الشرق والغرب: تحلق قصة البطل لا يموت في عوالم أوسع فتثير بشكل فني صراعا أعمق ألا وهو صراع الحضارات، وقد عالجت القصة الإشكال عبر الوقوف على تحولات البطلين العربي والأمريكي، فالأول ينتهي نهاية مأساوية، أما البطل الأمريكي فهو واهب الموت وإله الحياة.
-       صراع الأجيال: درس العمر تكشف عن الصراع الأبدي  بين الأجيال، وإن جاءت نهاية القصة على غير العادة بالافصاح عن اعتراف الجيل المتقدم بعبقرية  الخلف؛ فها هو الأستاذ يقر لتلميذه قائلا: "أعترف أن سذاجتك كانت أصدق من علمي" ص23.
-       فوضى الصراع: قصة مواقف إشعار من القاص بالفوضى التي أصبح يعيشها العالم؛ فالكل أصيب بأنفلونزا الربيع، والكل أضحى ظالما ومظلوما، وإليكم هذا المقطع من النص، يقول القاص: "وصلت المسيرة إلى نهاية الشارع وفي طريق عودتها وجد في مقدمتها رفاق سجنه القدامى، وبعضا من جلاديه، بينما الشباب تائه في المؤخرة" ص27. إن هذا القصة تمثل كليتها مرادفا لما يسمى بالعلمانية الشاملة؛ والتي لا يقصد بها "فصل الدين عن الدولة. وإنما فصل كل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية لا عن الدولة وحسب. وإنما عن مجمل حياة الإنسان في جانبيها العام والخاص. بحيث يصبح العالم مجرد مادة استعمالية لا قداسة لها ولا حرمة، وتتساوى كل الأمور وتصبح نسبية بحيث لا يمكن تمييز الشر والخير، أو المادي من الإنساني، أو المدنس من المقدس"[7] فالأطراف المجتمعة في المسيرة الاحجاجية لا يمكن أن تجتمع إلا إذا كانت الأخلاق والقيم والبديهيات الإنسانية قد غابت.
-       صراع الأشكال: تحقق هذا النوع على المستوى الفني حيث تمكن القاص من إخضاع عناوين قصص وروايات المبدع التونسي إبراهيم درغوثي فأصبحت خادمة لقصته عوالم سحرية، ولا أدري لماذا غلب صديقي نورالدين عناوين روايات درغوثي على عناوين القصص.
            إن أهم ما يمكن أ ن يستشف من خلال الرؤية الكلية لمجموعة "حلبة الرهان الأصعب" هو هذا المزج الراقي بين الفعل الأدبي والواقع الموضوعي، فمما لا شك فيه أن "أي نص أدبي له حدوده المستقلة عن الواقع، فهو ينتمي إلى عالم الأدب قدر انتمائه لعالم الواقع. فرؤية الأدب لا تخضع لقوانين الواقع فحسب، وإنما تخضع – وبالدرجة الأولى- لقوانين الأدب وتقاليده"[8]. لكن مع أخذ كل ذلك بعين الاعتبار، فإن النظرة إلى الأدب كعالم مستقل بذاته أمر فيه قدر من المغالاة "فالنص الأدبي في نهاية الأمر تعبير عن واقع إنساني، ورغم أنه تعبير غير مباشر، إلا أنه ليس نصا مجردا مغلقا، معلقا في الهواء، وإنما هو نص متعين، جدوره في الواقع"[9]. فقد صارت كثير من النصوص شعرية منها ونثرية تطلق العنان للغة وتلهث وراء الاستعارات المغرية لكن المعنى في كل ذلك هو أعز ما يطلب. وكثيرا ما يشارك الناقد الأدبي في ذلك الخذاع الأدبي فيبدع نصا جديدا لا علاقة له بالنص الأول إلا الكلمات، فالناقد لم يعد يبحث عن القيمة الإنسانية للعمل الأدبي بل استغرق في بحث مجموعة ضيقة من القضايا والأفكار مثل عدم ثبات النص أو النصوص التي تدور حول نصوص أخرى...."[10] . إن أكثر ما نخشاه هو نصل إلا زمن نفقد فيه القدرة على التمييز بين الفن واللافن .
           أخيرا نختم مداخلتنا بإشادة أحد الباحثين، وهو الراحل عبد الوهاب المسيري، بما يسمى القراءة التقليدية، حيث يقول: "إن القراءة النقدية التقليدية ولنقل الإنسانية: ذات تتفاعل مع موضوع، فتنتج نصا له معنى رغم إبهامه، وله حدود رغم اتصاله بنصوص أخرى. ومن ثم يمكننا، من خلال النص، أن نطل على العالم ونزداد ثراء ومعرفة بإنسانيتنا"[11].


[1] - مستويات تلقي القصة القصيرة نموذجا" حميد لحمداني، كتاب "نظرية التلقي إشكالات وتطبيقات"منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 24، ص123.
[2] - المرجع السابق، ص123.
- المرجع السابق ص124.[3]
[4] - المرجع السابق، ص125.
[5] - دراسات في الشعر، عبد الوهاب المسيري، مكتبة الشروق الدولية، الطبعة الأولى 2007، ص23.
[6] - القصة القصيرة جدا بالمغرب بحث في مراحل تشكل نوع سردي جديد، نور الدين الفيلالي، شركة مطابع الأنوار المغاربية، ط1، 2012، ص5.
[7] - دراسات في الشعر، عبد الوهاب المسيري، ص150.
[8] - المرجع السابق، ص19.
[9] - المرجع السابق، ص19
[10] - المرجع السابق، ص313.
[11] - المرجع السابق، ص318

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Best Buy Coupons تعريب : ق,ب,م