الاثنين، 3 ديسمبر 2012

بناء المرتجلة في مسرح "محمد الكغاط": /بقلم/محمد عبد الفتاح


بناء المرتجلة في مسرح "محمد الكغاط":
 
بقلم/محمد عبد الفتاح
قبل المقاربة:
--------------

نود أن نشير بداية إلى أن مظاهر تحليل النص المسرحي من خلال الدراسات والأبحاث كما يشير إلى ذلك الدكتور" بشير القمري" تثير غير قليل من الأسئلة والإشكالات والقضايا المترابطة ، وقبل السعي في تحليل مشروع العرض المسرحي المرتجلة الجديدة نقترح الصيغة المنهجية التي سننطلق منها في هذا التحليل/المقاربة من أجل إدراك المرتجلة ككيان ونظام بنيويين، وكنسق ثقافي رؤيوي، جمالي وكخصوصية نصية.
فعندما نفكر في مواجهة نص ما معطى كحقيقة شكلية نحللها، وننظر فيها كطبيعة تشكلية تجعلنا نأخذ بعين الاعتبار السمة التراتبية لانبثاق النص، وتناسله في بنيات، أو وحدات نصية، فننتقل من العام إلى الخاص، ومن الخاص إلى العام، ومن الكلي إلى الجزئي، ومن الجزئي إلى الكلي، ثم ننتقل في مرحلة أخرى من بنيات نصية كبرى، إلى بنيات نصية صغرى، ومن داخل النص إلى خارجه للبحث في تشكلات النص وتشاكلاته23، ثم بعد ذلك نعرج على مستويات تقديم المادة المسرحية نصيا وتشخيصها لغويا على مستوى التركيب والدلالة والتحليل، إلى جانب عناصر أخرى تشكل ما نسميه بمكونات الخطاب المسرحي(ذات، موضوع، حكاية، برنامج)، ويقصد بهذه المكونات: زمنية النص، وفضاؤه، وشخوصه، والحكاية التي يقدمها.
ومادام النص المسرحي متعددا: نص الكتابة، ونص العرض من جهة، ونص المخرج والممثل من جهة أخرى فإن "باتريس بافيس" يدعو إلى الحديث عن بعض سمات النص المسرحي.
وبجرد مبسط لجل مسرحيات "الكغاط" يتراءى لنا هذا التفرد في صياغة "تكوينية إستيتيقية" توحد بين طقوسية الكتابة، وتقنية الإخراج والأداء، بعبارة أخرى كان الإخراج فيها موازيا للتأليف، وداخل أعماله التي تحاول توظيف تقنية الارتجال نلمس بشكل جلي هذه الخصوصية المتفردة:(الشميسة لالة، المرتجلة الجديدة، مرتجلة فاس) تخصيصا، ويمثل مسرحه نوعا من ذلك المسرح الذي لا ينغلق داخل تيار بعينه، إنه مسرح "ورشة" يأبى أن يدخل في متاهات التنظير بعكس تجارب أخرى تدعي التأصيل والتفرد، والمحافظة على الهوية، وتوظف التراث بموجب ذلك بمناسبة وبغير مناسبة، ولعل مشروع التساؤل الذي يطرح بصدد تجربة "محمد الكغاط" والمتعلق باللغة التي صاغ بها مسرحياته، هو هل فعلا أراد "الكغاط" أن يقنعنا بأن اللغة المتداولة بيننا ليست بسيطة أو حقيرة، وخالية من المعنى، حتى يحملها كل تلك المواقف والقيم والنأي بها بعيدا لكي لا تكون لغة استهلاك مجانية فارغة وعارية من الصدق داخل النسيج الدرامي؟ إنها اللغة التي حرص "الكغاط" على تعهدها بالرعاية حتى في المشاهد التي كانت من تأليف الممثلين في مسرحيته "المرتجلة الجديدة" استجابة لطبيعة المرتجلة، حيث كتبت مشاهد من طرف الممثلين بتوجيه من المخرج كما في الصفحة 33:( يشير "الكغاط" إلى أن هذا المشهد كتب من طرف هذا الممثل بتوجيه منه)
الممثل3:- أنا ممثل...ممثل كبير ومشهور...وعلى المسرح ديما غيور(...) شكون أنا وعلا ش أنا هنا؟ واش بغيت؟ أنا عبد ضعيف قبل كل شيء، وهذا العبد الضعيف من عادته أنه أناني...وتيبغي راسو أكثر من ناسو...جيت للمسرح وأنا حاصل على دبلوم بدرجة ممتاز في المواد التالية: الغدر والمكر...والخداع والفشر...
"المرتجلة الجديدة": نحو تحليل نصي دراماتورجي:
إن سيميولوجيا المسرح في نظر بافيس هي منهج تحليل النص أو العرض، ومن ثم فهي تهتم بالبناء الشكلي لهما، كما تهتم بدينامية وتشييد(أو بناء) سيرورات الدلالة24، ومادام نص العرض مغيبا25، فسنقتصر على الإمكانات التي يتيحها نص الكتابة، وهو نص يتخذ على مستوى نظام الكتابة والتمظهر النصي معمارية مقطعية شذرية متلاحقة، تتوزع هذه المعمارية على الشكل التالي:
مقاطع نص المرتجلة:
* المقطع الأول: من الصفحة 17 إلى الصفحة 25:
- يقدم " الماكيور" باقي التقنيين وهو في حركة دؤوبة فوق خشبة المسرح قبل أن يقتحم "المتسلط المؤلف" و"المتسلط المؤلف" و"المتسلط المخرج" فضاء العرض.
* المقطع الثاني: من الصفحة 26 إلى الصفحة 32 :
- يدخل "المسرحي" في صراع مع "المتسلط المؤلف" و"المتسلط المخرج" حول قضايا مرتبطة بالتأليف والكتابة والإخراج.
* المقطع الثالث: من الصفحة 33 إلى الصفحة 36 :
- وفيه يقدم الممثلون( الممثل الأول والممثل الثاني والممثل الثالث) أنفسهم إلى الجمهور.
* المقطع الرابع من الصفحة 37 إلى الصفحة 44 :
- يعود "المسرحي" إلى صراعه مع "المؤلف المتسلط" و"المخرج المتسلط"، ويتواطؤ الأخيران عليه، ويشرعان في تأليف نص" على السريع" يستجيب لرغبات الجمهور.
* المقطع الخامس : من الصفحة 37 إلى الصفحة 49 :
- تتفرق السبل بين "المتسلط المخرج" و"المتسلط المؤلف"، و"المتسلط الناقد" بعد فشل المسرحية.
الشخوص والحدث الدرامي :
تتوزع شخصيات المرتجلة بين "الماكيور" و"المتسلط المؤلف" و"المتسلط المخرج" و"المتسلط الناقد"، و"المسرحي" و"الممثل الأول" و"الممثل الثاني" و"الممثل الثالث". يقدم المؤلف شخوص "المؤلف المتسلط" و"المخرج المتسلط" و"الناقد المتسلط" كشخصيات تتشابه من حيث ردود الأفعال والطموحات المبيتة في إحراز تفوق مادي ومعنوي على حساب ذوق الجمهور، بينما قدم شخصية المسرحي كشخصية عاشقة لهذا الفن، متطلعة إلى اليوم التي تشرق فيه الشمس على سماء الخشبة، وجاءت شخصية الممثلين متباينة، متنافرة في طموحاتها وتطلعاتها بين الانجذاب لهذا الجنس ( المسرح)، والارتزاق على حسابه، وهي قبل ذلك وبعده، قابلة لأن تكون مشاريع مستقبلية للحال التي يتواجد عليها "المؤلف المتسلط" و"الناقد المتسلط" و"المخرج المتسلط"، أما شخصية "الماكيور" فقد جاءت باهتة من حيث مشاركتها في بناء الحدث الدرامي، فبعد أن قدم هذا الأخير تقنيي المسرحية توارت شخصيته عن الأنظار لتفسح المجال أمام شخوص أخرى أثّرت وأثْرت العمل المسرحي.
والمفترض أن الموضوع الذي تعالجه المرتجلة هو قضايا المسرح ذاته في ارتباطه بواقعه، ويتضح ذلك من خلال حوارات "المسرحي" في صراعاته المريرة مع "المؤلف المتسلط "و"الناقد المتسلط" و"المخرج المتسلط"، "المؤلف المتسلط" الذي يرغب في كتابة نص ليقوم "المخرج المتسلط" بعد ذلك بإخراجه.
المتسلط المؤلف: ( وهو يشعل سيجارة)
ثلاثة الباكيات ونص...
والقرعة السابعة وصلت للنص....
وما زال ما كتبنا حرف في النص....
اللي قالك النص ساهل يكتب غير نص النص....
غير ربع النص...غير حرف من النص....
المتسلط المخرج: ( ينزل رجله من السلم)
ما كاينش ما أسهل من كتابة نص مسرحي...
100.5.4.3.2 ديال الناس كيهدرو وهانت عندك نص26.
وفي موضع آخر من المرتجلة يقول "المتسلط المؤلف" ل"لمخرج المتسلط":
المتسلط المؤلف: واخا فكر أنت في الإخراج ديالك علاما نوجد ليك النص...
المتسلط المخرج: أنا الإخراج ديالي تقريبا واجد...خصو غير النص اللي يلبسو...
وإذا كان هدف المخرج والمؤلف بهذا الشكل، وهو إيجاد نص مسرحي كيفما اتفق، فإن شخصية "المسرحي" تحضر بينهما بما يشبه المحاكمة، وهما معا يرغبان قبل ذلك في تدجينه حتى ينخرط معهما في لعبة إفساد ذوق الجمهور.
المسرحي: رسالة المسرح لا تنقطع
المؤلف المتسلط: فكر في رزقك المنقطع.27
الحوار المسرحي في المرتجلة الجديدة:
إذا كان الحوار المسرحي هو التبادل الشفوي( لغويا) بين شخصيات المسرحية كما يقول باتريس بافيس، أي التخاطب الذي يجري بين شخصين أو أكثر،28 فإننا نفترض أن حوارات "الماكيور"، والممثلين في المقطع الأول والثالث من المرتجلة رغم عدم وجود مخاطب( متحدث إليه) هو حوار مسرحي بشرطين:
* شرط القارئ الذي يتحول مخاطبا لحظة القراءة.
* شرط المتفرج لحظة العرض.
وهكذا يمكن أن نميز حوارية نص المرتجلة، انطلاقا من أوضاع بعينها
- حوار الممثلين والماكيور مع الجمهور/القراء.
- حوارات المؤلف والناقد والمخرج مع بعضهم.
- حوار المسرحي مع نفسه ( مونولوج).
يتعضد هذا الحوار بإمكانات تكسير الإيهام بالفعل المسرحي، من خلال إشارات بين الفينة والأخرى إلى أن الأمر لا يتجاوز الحياة الواقعية لشخوص كان المفروض أن تتمنطق بلعبة الحكي، لتحكي عن حيوات أخرى، لكنها تصدم القارئ/المتفرج بالحديث عن قضاياها وهمومها الشخصية والإبداعية، لماذا لا يمثل الممثل حياته الواقعية فعلا؟ إننا هنا أمام تقنية "الميتامسرح" كمضمون وتقنية، يستنفر المؤلف فيها كل طاقاته الإبداعية للحديث عن طائفة يطالها النسيان مع أنها هي صانعة الفرجة في المقام الأول.فماهي تجليات الممارسة الميتامسرحية لدى الكغاط من خلال استدعائه لتقنية "المسرح داخل المسرح"؟. إن الكغاط له فهمه الخاص للمرتجلة كما له أسبابه التي دفعته إلى خوض تجربة من هذا النوع بسطها في مقدمة مسرحيته هاته، وكشف عنها حوار المرتجلة.
وكما يرتبط الحوار بهذا العنصر، يرتبط كذلك بإمكان تصور الحكاية المعروضة التي تتمفصل بين عدة مواثيق نصية مسرحية يفرضها الحوار نفسه عندما نتعامل معه كقانون( سنن) تلفظي في تمثل الحكاية وتصور تقلباتها ومدارج تخيلها انطلاقا من تيمة "الغاية" التي يصبو إليها "المسرحي" التي تتحول شخصيته إلى عامل( فاعل) يبحث عن موضوع هو الانتشاء بتيار دافق من المشاعر الحالمة يولده فعل وتفاعل اسمه المسرح، وتعترض سبيله عوائق تحول دون تحقق هذا الوصال الجارف: "المخرج المتسلط"، و"المؤلف المتسلط"، و"الناقد المتسلط"، وهو البعد النصي الذي يترجمه حوار "المسرحي"، وينعكس على بعد الحكاية كمادة متخيلة تلغي قرائن الزمن والفضاء والحدث بالمعنى المتصلب المعتاد في المسرح لتتحول هذه المكونات إلى قرائن يولدها فعل القراءة النصية.
إن الحوارات الموجودة بالصفحة31 بين "المتسلط المخرج" و"المتسلط المؤلف" حول المرامي التي يتغياها الإثنان في سياق تواطؤهما على "المسرحي" المهووس بعالمه الخاص، تستند في منطقها إلى إبراز عيوب الجسد المسرحي، وتصب في انتقاد هذا الواقع، وتقديمه إلى القراء/المتفرجين في صيغة كاريكاتورية تعتمد السخرية كبعد يفجر اللغة المسرحية.
المتسلط المؤلف: يتحدث عن (الجمهور) في كل وقت...
المتسلط المخرج: ويضرب بنا الأمثال
المتسلط المؤلف:ويستشهد بأقوالنا
المتسلط المخرج: ( يشير إلى المسرحي) ويزعم أنه يعرف المسرح
المتسلط المؤلف: وأنه يريد أن يرتقي بالفن
المتسلط المخرج: المسرحية الجديدة؟
المتسلط المؤلف: أعطني برهة.. أعطيك مسرحية
المتسلط المخرج : لكني أريد شيئا يقتل الجمهور..يقتله ضحكا...أو بكاء، شيئا يفهمه الجميع، يفهمه وهو نائم..وليكن تافها..لسنا مسؤولين عن أذواق الجمهور.
ومادام الأمر على هذا النحو فقد ترجم نص الحوار مأساة "المسرحي" كشخصية مأساوية تنازعها لونان لا ثالث لهما: الأبيض والأسود، وبما أن البياض حلم متعذر التحقيق كما يقول الناقد غالي شكري فالسواد هو بطل الحلبة بدون منازع.
المعينات الركحية في المرتجلة الجديدة:
تتفاعل مستويات القراءة النصية، والقراءة الركحية في نص العرض المرتجلة الجديدة، كمادة تجمع بين الكتابة المسرحية الخالصة، والكتابة المسرحية الركحية، ويتجلى ذلك من خلال توظيف المعينات الركحية ككتابة مضاعفة إخراجا وسينوغرافيا من خلال ضبط الحركة وتأثيت فضاء الركح.
إن المعينات الركحية شرط أساسي في التلقي النموذجي الجمالي المرتبط بالعرض في تصور اشتغال الحكاية كما في ذهن المخرج:
*( مشهد وضع الديكور على الخشبة) ص17.
* توصيف فضاء خشبة المسرح ص20.
*يشير إلى المتسلط الناقد الذي يجلس فوق أعلى درجات السلم ص23.
*يضع رجلا على درج السلم ص24.
* تخفت الإضاءة تدريجيا ص25.
* ضوء في مقدمة الخشبة ص26.
*يجلس في مقدمة الخشبة، ظهره إلى الجمهور ص30.
*يحيي المتسلط المؤلف في حرارة ص30.
*يشير إلى المسرحي ص31.
*يدخل وهو يعد خطواته، في حركات تنم عن انعدام موهبة التمثيل لذيه ص33.
*يدخل مقيد اليدين ص35.
*يدخل وهو يصرخ لا نكاد نتبين كلامه ص36.
*في بقعة الضوء في الوسط إلى مقدمة الخشبة...المتسلط المؤلف يجلس في أعلى سلم إلى اليسار...ص37.
*المتسلط المخرج يجلس في أعلى سلم إلى اليمين ص37.
من شأن هاته المعينات الركحية التي وزعت باستفاضة عبر بنيان المرتجلة أن تمنح النص المركزي( نص الحوار) نصا إضافيا، يتولف في إطار تركيبة ونظام النص بشكل عام، وتبعا لذلك نميز كما ذهب إلى ذلك الدكتور "بشير القمري" بين ثلاث ملفوظات:
- ملفوظ المؤلف: (أدبية النص)
- ملفوظ الكاتب: وهو ذو حدين:
*جمالي واع بالكتابة وصياغتها.
*وحد سنوغرافي مؤطر.
- ملفوظ المخرج: ويتحقق في تعالق تام مع الملفوظين السابقين من خلال "نص" المعينات الركحية.
بنية الزمن في نص المرتجلة:
" الزمن في النص المسرحي، كأي نص أدبي هو زمن مفترض، أو زمن متخيل على مستوى نصية النص، واشتغال إحداثياتها، بل إن هذا الزمن هو شبه زمن كما يقول السرديون، وتتدخل في تركيبه قرائن هذه النصية على مستوى إكراهات اللغة كوسيط لاشتغال الحكاية"29.
والزمن في نص مثل نص المرتجلة الجديدة يراعي خاصيتين أساسيتين تتمفصلان في إطار بنيتين زمنيتين متمايزتين:
- زمن المشاهدة لحظة العرض.
- زمن النص لحظة القراءة.
الأول ينتهي بانتهاء العرض المسرحي، والثاني رهين بفعل القراءة.
وإذا انطلقنا من تصور "آن أوبرسفيلد" التي ترى أن زمن المسرح "زمن متقطع داخل الزمن المعيش"30.فإن الزمن الذي تطرحه المرتجلة هو زمن متخيل مصدره فعل الإيهام لدى الكاتب، ونجد تبعا لذلك أنفسنا إزاء زمن يتناسل من خلال الحكاية المعروضة، ومن خلال تسلسل مقاطع النص، يبدأ هذا الزمن بحركة مشهد التقنيين وهم يلجون خشبة المسرح كزمن مؤطر هو زمن الحكاية التي لا تملك أي زمن بالمعنى الحرفي إلا فيما سبق الإشارة إليه في "برولوج" المسرحية خارج بنيان النص من أن المرتجلة كتبت بعد سلسلة من المقالات تصدت للتسلط والادعاء على المسرح، بما يجعل زمن الحكاية مرتهن بالزمن التي تجري فيه الأحداث، وهو واقع عايشه " محمد الكغاط" كمبدع مسرحي اكتوى بنار هذه الممارسات اللامسرحية السائدة في الوسط الفني المغربي، فعمل على معالجتها في قالب مسرحي هو "مسرح داخل المسرح".
تستغرق بنية الزمن المتخيلة في نص المرتجلة مسافة تبدأ بمحاولة المؤلف كتابة نص تحت الطلب ثم المزايدة على بيع هذا النص للمخرج
المتسلط المخرج: دير قضية
المتسلط المؤلف: شنو هي ؟
المتسلط المخرج: بيع النص
المتسلط المؤلف: شحال تعطي ؟
المتسلط المخرج: حتى نشوفو...
المتسلط المؤلف: دابا ملي كاين الشاري، غادي نوجدو بالزربة...أعطيني وحد الربع ساعة دا السكات تسبيق...
المتسلط المخرج: خذ ساعة بوجهها
المتسلط المؤلف: بزاف... ساعة فيها ربعة دا النصوص
المتسلط المخرج: خذ التسبيق اللي بغيت من الوقت....
ورد بالك من ذاك السيد ( يشير إلى المتسلط الناقد الذي يجلس فوق أعلى السلم).
ثم تستمر البنية بعد كتابة النص وعرضه على جمهور مفترض غائب وبعد أن يفشل العرض ينقسم "المتسلط المخرج" و"المتسلط الناقد" و"المتسلط المؤلف" إلى تيارات متطاحنة.
المتسلط المخرج: النص ديالك هو اللي قسمنا
المتسلط المؤلف: الإخراج ديالك هو اللي خرج علينا
المتسلط الناقد: الملحة... قلت ليكم الملحة: يعني التكوميك...
المتسلط المخرج: هذا النص ما تفيد معاه ملحة...
المتسلط المؤلف: هذاك الإخراج ...والله وخا تخرج لو الملحة البحر كلها...
المتسلط الناقد: الملحة...الملحة...
المتسلط المخرج: هذاك النقد ديالك بعدا مسوس
المتسلط المؤلف: ما فيه لا سكر ولا ملحة...
( يختفون)
إن هذه البنية الزمنية ذات مستوى زمن حاضر في النص/ العرض يفرضها منطق وترهين الزمنين في حدود تفاعلهما وتقاطعهما أحيانا، وتأخذ أنساقا متعددة من خلال توليفة الحدث ونمائه في سياقه الزمني لتركيب عالم اللحظة المبأر مع أزمنة أخرى: زمن العرض المسرحي، وزمن التلقي، وزمن الشخصية، وزمن الحدث..ليصبح الزمن هنا ذا بنية متشظية، دون أن نغفل ما يمكن أن تسهم فيه تقنيات المسرح: الإضاءة، الموسيقى، الأزياء، المنظر، الأدوات الركحية، الماكياج...ألخ في تشكيل وعي جمالي بقيمة هذا العنصر في لحظة من لحظات تدفق وانسياب العرض المسرحي.

حفل توقيع ديوان الشاعر محمد ماني

مداخلة الشاعر محمد ماني في حفل توقيع ديوانه 
صلوات للفضيلة ضوؤها دمي
مداخلة الناقد محمد الدخيسي ابو اسامة

الأحد، 2 ديسمبر 2012

تغطية /متابعة عيسى حموتي

‏
تغطية
متابعة /عيسى حموتي

تاليف:
أحمد مرزاق ــ عبد الواحد عرجوني ــ علي صديقي
فؤاد عفاني ــ فريد معضشو ــ نور الدين الفيلالي

دراسات نقدية في الكتاب المدرسي
هو
عنوان الكتاب الذي ملأت أصداؤه هذه الأمسية جنبات المقهى الأدبي
رغم الجو الماطر ، رغم إضراب قطاع النقل الحضري أبى مرتادو المقهى الأدبي والغيورون على الشأن الثقافي والمهتمون بقطاع التربية والتعليم، وأصدقاء المقهى إلا أن يكونوا في الموعد .إذا كان المقهى ،احتضن العديد من التوقيعات التي كانت جميعها ذات طابع إبداعي، تأرجحت بين شعر وقصة ورواية، فالموعد اليوم كان مع دراسة نقدية ذات طابع تربوي، بل اتخذت الكتاب المدرسي موضوعا لها.
بعد كلمة ترحيب جد قصيرة ومقتضبة ، للفنان يحيى دخيسي،تناول الكلمة مسير اللقاء الدكتور بنيونس بوشعيب،الباحث والأستاذ الذي ساهم في المجال التربوي من موقع مشاركاته في الفريق التربوي،والذي اطلع على هذا المؤلف من خلال مواكبته لتأليفه عن قرب. أشار إلى كثرة/أقلية النقد الديداكتيكي، لينتقل إلى الحديث عن قيمة المؤلف موضوع التوقيع، من موقع مؤلفيه كباحثين جامعيين من جهة و كمدرسين يمارسون داخل القسم .
تناول الكلمة الأستاذ عبد الكريم الفيلالي ، تحدث فيها عن الكتاب المدرسي عموما وبعدها خص بالحديث كتاب السنة الثانية باكالوريا آداب مشيرا إلى ما طال بعض النصوص من اجتزاء(المقص) بدليل وجود الكلمة في المعجم اللغوي دون أن يعثر لها على أثر في النص الشيء الذي يدل على تدخل يد لغرض في نفسها لا علاقة لها بالتربية والتعليم ... كما تحدث عن الدروس المرتبطة بالمناهج النقدية والخلط الحاصل في المفاهيم (المنهاج البنيوي والمنهاج الاجتماعي) خاصة عندما يتعلق الأمر بالبنيوية التوليدية كامتداد للمنهاج الاجتماعي والبنيوية الشيء الذي يعقد العملية التعليمية التعلمية عوض أن يبسطها ...
بعد حوصلة موجزة للسيد المسير تناول الكلمة الدكتور أحمد مرزاق (أحد المؤلفين الستة) نيابة عن السيد عبد القادر مرزاق الذي تعذر عنه المجيء ، تحدث عن مكون اللغة من خلال الكتاب المدرسي ، وما يعج به من أخطاء خاصة في الدروس المرتبطة بالعروض، لم تفته الإشارة، إلى نسبة الأبيات موضوع درس العروض خطأ لغير أصحابها. عرج على أثر الكتاب المدرسي سلبا وإيجابا على التلميذ. خلص إلى أن تدخل الصفقات التجارية في الشان التربوي ضربة قاضية تؤدي للسكتة القلبية
عادت الكلمة للدكتور بوشعيب ، يلقي الضوء على جوانب مهمة من الكتاب المدرسي أداة يستأنس بها الأستاذ لا ككتاب مقدس لا محيد عنه
فتح المجال لمداخلات الحاضرين: تحدث الاستاذ محمد العرجوني عن المقاربات التي لا زال تدريس اللغة العربية يعتمدها في حين تجووزت في تدريس اللغات الأجنبية، تلاه الأستاذ كلموني مدرس سابق ومفتش تربوي متحدثا عن ندرةالدراسات التي تهتم بالكتاب المدرسي والأخطاء في التصور البداغوجي الذي يحكم الكتاب المدرسي. اسناد الأمور إلى غير أهلها ، وتطبخ الأمور في وقت قياسي. زكى الأستاذ يحيى بوزغود ، وأضاف أن الخطأ يعزى للفساد الإداري .أما عيسى حموتي فتحدث عن الجمود في الكتاب المدرسي الذي لا يعرف تجددا طيلة عقود رغم التغيرات المحيطة بالحياة مشيدا تجربة بعض الدول العربية التي تحرص على حياة الكتاب من خلال تجدده الينوي. تدخل الأستاذ اسماعيل علالي، يتحدث عن مكون اللغة في مدرستنا الذي لم يستفد من من الدراسات اللسانية، كما لم يستفد من مسرحته. وختمت الآنسة البتول محجوبي مشيدة بالمقررات التي اعتمدت سابقا في منهاج اللغة العربية
في الختام ارتأى الجميع تحديد موعد جديد لمناقشة هذا الموضوع التربوي نظرا لأهميته القصوى . وتطوع كل من الدكتور بوشعيب بنيونس والأستاذ كلموني لإعداد أرضية لتدارس الموضوع . ..

2012-12-01

الجمعة، 30 نوفمبر 2012

وا أبي / بقلم إسماعيل علالي

وا أبي


  بقلم إسماعيل علالي


وا أبي فأومأت رافعا شارة النصر                                                                                
لم نأيك الأبدي؟   هكذا كان أبي.
أ حضن ميدوزا حرم قصائدي؟                                     
قسما، صار هذا السؤل يؤرقني                                           
كلما زرت قبرك راودني
تالله، أفحمني،
أعجزني،عقدني
***يمينا يا أبي***
قد فاضت نفسي وضاق جلدي
حين  مر بخلدي
حادث ليلة الميلاد
آه يا  أبي
قد مر عقد على صلب ميدوزا لميلادي
مذ ذاك صار جونا دمعي وحدادي.
أاشتقت لأمي؟
لأخي وأختيك وعمي؟
آه لوضممتني
  لمرقدك الندي...
*******
    أي   أبي
لقد سرت وحدي....
ودرست  وحدي....
وعرست وحدي....
لكن هيهات  تدري  ؟
أني تخذت روحك
 فانوسا لروحي
فدلتني ...
في سيري ودرسي
 واختيار عروسي
 ***      أبي***
سألتني عنك حبيبتي
قالت:حدثني كيف كان أبي؟
نعم قالت: حدثني كيف كان أبي؟ !
فعجزت الحروف عن التشكل
وضاع مقولي وتواصلي
فأومأت رافعا شارة النصر      
هكذا كان أبي.
                                            

قصة غريبة/عبد السميع بناصر

 قصة غريبة

عبد السميع بناصر

قبلَ سنَة حدثتْ لي قصّةٌ تَحمِلُ منَ الغرابةِ ما يَجعَلُني مُتحَمّساً لِحَكْيِها..
كُنّا اثنينِ، أنا وَصديقي، وثالِثُنا شيخٌ مُسِنٌّ ساقتهُ الأقدارُ إلى مُشاركَتِنا مَرارةَ انتِظارِ سيّارةِ أُجرةِ من الصّنفِ الكَبيرِ في لَيل بهيم، بأحدِ شوارِعِ الحمراء.
أذكُرُ أنَّ تأخُّرَ الطّاكسي منحَ لنا فُرصةً الغوصِ معَ الشّيخِ في عدّةِ مواضيع، بدءاً بحالةِ الطّقس وانتهاءً بالرّبيعِ العربي وأثرهُ على المَنتوج الفلاحي والهدرِ المدرسي !!..
أخيراً جاءَتِ الطّاكسي الملعونَةُ بعدَ أن شبّهها صديقي بـ"غودو" عِندما بلغَ المللُ منا مبلَغَه.
داخِلَ الطّاكسي "تَسيّفَ" علينا الشّيخُ عِندما طَفِقَ ينفُضُ جلبابهُ صائحاً:
"بزطامي.. أينَ بزطامي؟"
طمأنتهُ قائلاً:
" مهلاً آلحاج.. لازِلنا معكَ" ثُمّ استطردتُ مازِحاً:
" اللّصانِ لا يزالانِ معك"..
فجأةً ارتسمتْ ملامِحُ الارتياح على وجه الشّيخِ..
"ها هوَ.. لقدْ وجدتُه" وتابعَ مُجامِلاً:
" حاشا.. اللّصوص آوليدي باينينغير من وجوههم"..
وهكذا امتدّ بِنا الحديثُ عن الأخلاقِ ودُنيا المظاهرِ..إلخ، فوجدتُها فُرصةً لِأستشهِدَ بقول شِعريّ:
"ومهما تكُن عِندَ امرئ من خَليقة..."
خرجَ سائقُ الطّاكسي عن صمتهِ وهو يُقدّمُ لي عُلبةَ كلِنِكسْ "هاكَ آخويا كَنّشْ لي هاد التويشية، راه عزيز عليّ هاد الوليدات بحالك لي كايهضرو باللُّغة العربية"..
قُلتُ:
"بِكُلّ سُرور، إنّهُ بيتٌ للشّاعرِ الجاهِليّ زُهيرٌ بنُ أبي سلمى المُزني"
وأنا مُنهمِكٌ في كِتابةِ البَيتِ، عنّ لِصديقي أن يقولَ في زهو:
" صديقي هذا الذي ترونهُ، كاتِبٌ معروفٌ، وَلهُ كتبٌ منشورة أيضاً.."
قاطَعَهُ سائِقُ الطّاكسي قائلاً بِبَداهة:
" وايلي حتّى أنتَ، واش غاتْوَرّينا زُهير بنُ سلمى !!"
عقّبَ الشّيخُ بِنفسِ البَداهةِ:
" آيْهايْ، عْلاه كلام اللّه يَخفى؟ !!"

الخميس، 29 نوفمبر 2012

الرحلة (قصة قصيرة) بقلم/ مريم لحلو

 
الرحلة 
(قصة قصيرة)
 
بقلم/ مريم لحلو‏

لقد كانت رحلة طوية شاقة، تزاجمت في ذهني أسوأ الاحتمالات ...سألقى مصيرا عابسا مجهولا...سيخيب ظن الجميع بي...سأرمق تلك النظرة الكسيحة في عيني أمي...ستولول ...سترمي بسهام طائشات هنا وهناك:
_ ماذا ستقول عنا جدتك؟زوجات أعمامك؟ذلك ما ينتظرون ؟ ثم تنخرط في بكاء مرير:
_ "علاش بهدلنا هكذا علاش؟؟"
سيقرعني أخواي الأكبر والأوسط؛أي ليلة سأقضيها بينهما ؟أحدهما عن اليمين والآخر عن اليسار مثل منكر ونكير.سيسودا الدنيا في وجهي.سيوسعا جسدي النحيل ركلا ورفسا.ستبكي أختي الصغرى من أجلي.سيخبرون أبي دون شك ثم سيطردني من المنزل دون تردد،سأنتهي مشردا أقتات من صناديق القمامة...
مازلت أحمل خطواتي الثقيلة منذ أن ناداني الأستاذ بصوته الأجش الذي خالطته ليونة غير معهودة.هي ليونة السخرية ولاشك.العرق البارد ينحدر من أعلى ظهري،وأذناي لاتسمعان إلا ذلك الوجيب القوي في صدري.تمني لو أني فقدت الوعي،لو اختطفني الجن،لو أن شقا عظيما انفتح داخل القاعة واحد بثانوية إيسلي، وهويت فيه طائعا.الأستاذ مازال يحدق في وكأنه يراني لأول مرة أو يكتشفني من جديد.ردني صوته الهادئ الحنون إلى صوابي وهو يقول بكل لطف:
- أحسنت،يابني ،شرفت المؤسسة .لقد حصلت على المرتبة الأولى في مسابقة القصة القصيرة.

"رياح النور" أو: الوظيفة التواصلية لمتكلم بصيغة الجمع/بقلم /د. محمد دخيسي


"رياح النور" أو:
الوظيفة التواصلية لمتكلم بصيغة الجمع

 
بقلم /د. محمد دخيسي


تقديم:
يعتقد في كثير من الأحيان أن تناول ديوان زجلي أمرٌ جد يسير، بالنظر إلى لغته وأغراضِه ومَقصِدِياتِه، لكن الأمر لا يستقيم إذا نحن عمَدنا إلى بسْط العمل الأدبي (الزجل) واختيارِ الصيغةِ التي تمكِّن القارئَ العادي أولا من فهم وإدراك دلالاته، ثم انتقالِ العمل –ثانيا- إلى مستوى القراءة النقدية التي تقاربه انطلاقا من مَرجعيات مُعينة ومنطلقات فكرية ومنهجية أكاديمية.
وبما أن تقديم الديوان يحضُره أيضا ناقدان يحملان همَّ الثقافة وهمَّ التراث الشعبي بكل مكوناته، فأعتقد أن قراءَتهما لن تخلوَ من إلمام بهذه الجوانب، لذلك ستقوم قراءتي للديوان الزجلي "رياح النور" وِفقَ تصور أولي مُنطلق من مُسَلمات أساسية:
أولها: اختيار المقال المناسب للمقام، ما دمنا أمام ورقة تعريفية بالعمل الأدبي؛ فطبيعيٌّ أن تكون المقاربة أوليةً ذاتَ أبعاد استكشافية، ونخصُّ بالدراسة هنا مقصديةَ الإبداع ووظائفَه المتنوعة.
ثانيها: اعتبار "رياح النور" امتدادا لتجربة "شعرية" عند الزجال أحمد اليعقوبي، وتسجيلُ الاستمرار وفقَ النسقِ ذاتِه في ديوان "الكصبة والطير" .
ثالثها: إثارة بعضُ الأسئلة التي توضَعُ أرضيةً للدراسة المتأنية، من خلال التركيز على القضايا التي شَغلت بالَه في هذه المرحلة.236
5896
1- مقصدية الشاعر: بين ثبات القول والسموِ به.
تقتضي علاقةُ المبدع (المرسِل) والمتلقي وظيفةً تواصلية تحكمها معاييرُ تنتقل بين الثبات والتحول، والعلاقةُ هاته تتبنى نيةَ التفاعلِ مع المتلقي من خلال التعريف أولا بالمنجز الإبداعي، وبخلقِ فضاءٍ التلاقي بينهما.
انطلاقا من هذا التقديم، نقول إن أحمد اليعقوبي بنى رحلتَه (الزجلية) الإبداعيةَ عبر ثلاثِ مراحل:

1-1: الثبات على القول؛ ونقصد بذلك اعترافَ الشاعر بأنه يبدع ليربطَ صلتَه بالقارئ، وهي صلةٌ عمادُها الصدقُ والقولُ الثابت والصراحة. وبغض النظر عن اللازمة التي يأتي بها الزجال غالبا في آخر قصيدته حين يعبر عن كاتب النص وتحيَّتِه للقارئ كقوله مثلا:
أحمد اليعقوبي يختمْ ذا المنظومْ وما كايَنْ مَا خيرْ مْ حَمْدْ الله خْتام
إذا بغض النظر عن مثل هذه المقاطع، استغل أحمد اليعقوبي ثقتَه بالآخر، وحاول إنشاءَ جسرِ التواصلِ عبرَه، يقول:
نْطقْتوا لي بَكْلامْ كَلبي لَهْ مَرْغاب بَثْباتَه ورْزونْ هَدَّنْ عْصابي
وقوله:
نوضْ اطْلَعْ آنَظْمي راني مْعَوَّلْ عْليكْ الّا يْديرَكْ طيري جَنْحانْ وُيَزْها بِكْ
وغيرها من المقاطع ما يبين أن الشاعر يحاول أن يؤكدَ كل مرة أنه صادِقٌ في إبداعه، لا يبتغي جزاءً ولا نفورا من متلَقيه، بل تفاعلا وتواصلا معه. ويَظهر ذلك جليا من خلال الإهداء الذي جاء على صيغة الجمع بين مجال التراث وكوْنِ النقد والبحث يقول: "إلى كل شيوخ وعشاق الزجل والمَشيخة والغِيوان... إلى كل المهتمين بتراثنا ومُحِبيه" (5) فالقضية هنا مُوكَلة للبحث الأكاديمي والتتبعِ النقدي الدقيق، وخروجُ الشاعرِ إلى هذا المنحى هو سُمُوٌّ بقضاياهُ الشعريةِ، وتنـزهٌ عن عزْل الزجل عن باقي مكونات الأدب وفنونِه. فيمكن إذن تَبنِّي الموقفِ الشخصي في النقطة الأولى، بحيث نجده يركز على الحالة النفسية الشخصية وعلاقتِها بالمحاور النصية.

1-2: السمو بالقول الشعري؛ وهنا ننتقل إلى المقال الزجَلي، قبل الخوض في القضايا العامة التي سيأتي ذكرُها لاحقا. ولا بد من الإشارة إلى انتقال الزجال أحمد اليعقوبي لمخاطبة المتلقي بألطف النداءات. ونقصد هنا نداءَه عشاقَ النور ومجْمَع الصّْواب ونُوارَ النجوم (23)، ووصفَ كلامِه بالماء الصافي دليل على صفاء العلاقة التي تربطه بالقارئ، وصفاءِ المقصدية التي يتبناها. ثم بعد ذلك يقصد ربَّه كي يجعل مقامَه في أعلى الدرجات بقول سليم وزجل قويم. (29)

1-3: المشاركة الوجدانية مع العربي والمسلم في كل أنحاء العالم، وتتجلى صفة الوجدان هنا في التكيُّف والقضايا الاجتماعيةَ، ومحاولِة نبشِ الماضي والحاضر لاستشراف مستقبل أكثرَ إضاءةً وتنويرا:
يا مَجْمَعْ لَكْلامْ يا قومْ الهَدرَه رَفْعوا مَنْ لَمْقامْ وُقِيلوا لَعْيار
إلى آخر المقطع الذي يوظف فيه الشاعرُ مرآة المجتمع للتعبير عن الحالة الراهنة في انتظار أن تمرَّ غيمةُ الشقاق نحوَ الوِفاق.

2- امتداد التجربة الزجلية بين (الكصبة والطير) و (رياح النور):
تقودنا قراءةُ الديوانِ الجديد إلى استطلاع سابِقِه، للنظر في أوجه الاختلاف والاتفاق من جهة، والتوقفِ عند التسلسل الوجداني والموضوعي بينهما.
من أجل ذلك تستوقفنا قضيةُ الإهداء في العملين كليهما، وقد اختار أحمد اليعقوبي لفظَ "الكَول" في المجموعة الأولى، ثم تحوَّلَ إلى عبارة (عُشاق الزجل) في المجموعة الثانية. لنقرأ الإهداءين:
أولا: إلى جميع شيوخ الغيوان والكَول والكصبة والكَلال ...
ثانيا: إلى كل شيوخ وعشاق الزجل والمشيخة والغيوان، إلى كل المهتمين بتراثنا ومحبيه..
فنجد أن أحمد اليعقوبي سما بكلامه من لفظ عام إلى آخرَ خاصٍّ، ومن اهتمامٍ محدود إلى تحديد فضائي أكثرَ اتساعا ووظيفة؛ إذ الحديث عن المهتمين بالتراث ومحبيه؛ يحمل دلالةَ الانفتاح على القراءات النقدية الأكاديمية والمتخصصة.
الملاحظة الثانية هي الوفاء للجمع بين اللهجة العامية المغربية والأمازيغية باعتبارهما لغتيِ التواصلِ في المنطقة قبل اللغة العربية الفصحى، وهنا تبرزُ علاقةُ الزجال بالمتلقي الذي يأخذ على عاتقه التفاعلَ مع كلِّ المكونات..
أما الملاحظة الثالثة هي اجتماع كلٍّ من الديوانين في الحقل الدلالي الخاص بالطير و الكصبة. فلا نحسُّ في المجموعة الثانية باختلاف كبير في شأن الاستمرار في نسقِ وصفِ الكصبة بكل أوصافها وأسمائها، والاعتمادِ على الطير والطائر للتحليق بكلماته عبر موسيقى الزجل، والتركيز على "طيور العز" في المجموعتين:

الكصبة والطير رياح النور
طر يا طيري ص: 8
" " " ص: 9
لا تبكي آطيري ص: 9
يا طير زناتة ص: 11
يا طيور العز ص: 17
طر يا بلادي ص: 22ك الطير الحومان ص: 29
الحجلة ص : 32
آ طيري طر ص: 34
طير العصفورة ص: 36
طيور العز ص: 88
... جا عز طياري ص: 7
(روح تعلا أعزي) ص: 9
طير الحب ص: 11
يا حبابي طيري هاو .. ص: 17
طيري يا لكرين ص: 18
طلك طيرك يحوم ص: 31
حلق أطيري ص: 50
عز اطياري ص: 53
طر آطيري ص: 63
العز مع الكير ص:65
جاك طيري يشكي ..ص: 74
طيري طر الحر ث: 95
....

إن الجمع بين الطير بصيغة المفرد، وفعل الطير والطير الموصوف بالعز وغيرها .. دلالاتٌ ذاتُ حُمولةٍ مميزَّة، تجمع بين فعل الخير والمجد حينا، ورمز التحليق إلى الأعالي بحثا عن مجد الشخصيةِ ومجد الأمة في بعض الأحيان. كما أن سبرَ أغوار الكون يجعل الشاعرَ يبحث عن مصدر النور لتَكونَ رياحا نافعةً ونسائمَ خيرٍ وبركة. لذلك فالنور أيضا يساير الشاعرَ في كلتا المجموعتين، مبرزا من خلالها مواطنَ الحقِ والخير في ذاته وفي واقعه، حيث يجعله مرادفا للنور:
اغْطَسْ فْ بْحَرْ النورْ روحْ طِرْ وعُوم اصْبَرْ وُكابَرْ لا تَسْمَعْ لَعْوام

3- القضايا بين الذاتي والموضوعي
استطاع أحمد اليعقوبي أن يجمع في ديوانه (رياح النور) بين ذاته وواقعِه، ومارسَ تحولاتِ الدلالةِ من خلال التنويعِ في التيمات الأساسيةِ التي يفرضُها المقامُ، لذلك اشتغل الشاعرُ على محاورَ ثلاثةٍ في الديوان، ويمكن تقسيمُها على الشكل التالي:


3-1- الذات بين الإبداع والاتباع:
نقصد من خلال هذا العنصرِ اكتشافَ أهمِّ مكوناتِ الذاتِ الشاعرة في ديوان رياح النور، وقد استطاع اليعقوبي أن يؤثث فضاءَ نصوصِه بالتركيز على ذاته التي تصبو الخلاصَ من واقعٍ مغشوش. وللتحكم في ذاته والتعبيرِ عن همومه اشتغل على محورين اثنين:

أولهما: الحديث عن الذات كونها ذاتا مبدعةً، تتخطى الجاهزَ العادي لإبداع القولِ والزجل الذي يعبر عن همومِه وهواجسه، ويتضح ذلك في جل القصائد التي بدأ بها ديوانَه، كأنه يقسمه بذلك إلى جانبين: ذاتي وموضوعي.

ثانيهما: الحديث عن الذات في بحثها عن الخلاص من خلال اتباع سبيلِ الموسيقى واللهفةِ على الكصبة التي تَنقُش في ذاكرته صفاتِ الأمل والحبِ والعشق والتَّوقِ إلى المستقبل والبحث عن الحبيب والزهو والطير في الأعالي للتوحد مع الذات الأخرى ...

3-2- تيمة الزمان أو (الزّْمان) لما في التعبير العامي من دلالات تعادلُ موضوعيا همومَ الدهر ونوائبَه. وهنا لا بد من الإشارة إلى كون هذا العنصر يشكل المفتاحَ الذي خلَّص من خلاله من ذاتَه إلى واقعَه؛ كأنه يبحث عن جسرِ تواصلٍ مع القارئ يجذِبُه بالكشف عن هموم الحاضر، وسماتِ الذات في آن واحد.. وتشكل قصيدةُ (ذا الزّْمانْ نورُه لُ مَّاليهْ) خيرَ مُعبرِ عن هذه الحالة، حيث يصف فيها الشاعر تغيُّرَ أحوالِ الزمان، بتغير حالاتِ القوم واتباعَ سُبل المجاملاتِ والنفاق الاجتماعي والتكسب وغيرها..ليؤكد مقولاتِه باسترسال المقالِ ذاتِه في نص (حنش اللي) ، الذي يخصصه لحالة إنسانية معينة بوصفها رمزَ النفاق والاحتيال والجشعِ والطمع واستغلال المواقف.. كما أنه يواصلُ ذكرَ تلك الأوصافِ في النصوص الموالية حتى حدودِ الصفحة 44.

3-3: تيمة الواقع العام (مغربي، عربي، إسلامي..)
كرس الشاعر مفهومَ التموقعِ في القضايا الاجتماعية المغربية، والقضايا الإسلامية ثم القضايا الإنسانيةِ، من خلال التركيز على القول المباشر، والتصريحِ بكل العقبات التي تواجه عالمَنَا المعاصرَ.
ونظرا لضيقِ المقام نسترشد فقط ببعض القضايا التي أحالنا عليها الشاعر، وهي بمثابة عناوينَ لمواضيعَ مختلفةٍ، وشرائحَ ذهنيةٍ توحي بأهمية الدلالات التي استنبَطها من واقعه وجمَعَها في عبارات مُكثفَة تَنِمُّ عن قوة التشكيل الإبداعي، ورنينِ الجرسِ الموسيقي الذي استطاع من خلاله أحمد اليعقوبي أن يحدث تأثيرا قويا في عقل المتلقي أولا من خلال المواضيع، ثم تأثيرا وجدانيا وإنسانيا من حيث تباينُ الأوزان وتنوعُ القوافي وتعددُ الأجزاء...
وبالعودة للقضايا المثارة في الديوان نشير إلى أهمها من خلال النقط التالية:
الحالة الاجتماعية للواقع المغربي: البطالة- غلاء المعيشة- واقع التعليم- واقع الصحة- الهجرة القروية- مشاكل العالم القروي- عدم إعطاء الأهمية للشواهد التعليمية...
الحالة الاجتماعية الإنسانية: تتلخص في تغيرات روح الإنسان بتغير مواقفه وتوَجُّهاته، فلم يعد ذلك الإنسانَ الوفيَ لمبادئه والمخلصَ لدينِه ووطنه وشرفه .. بل أصبح مستهترا بمكَوِّناته الأساسية، منافقا نماما و مُكثرا من الكلام (اللغو) دون فائدةٍ ولا جدوى..
واقع الأمة العربية والإسلامية ..: تتلخص كلُّها في قضية العرب الأولى، قضيةِ فلسطين، ثم العراقِ وأفغانستان.. وقد استطاع الشاعر أن يكثف بلاغيا من مقولاتِه الشعرية كي يتمكنَ من إيصال دعوتِه للنهوض بالهمَم واستنهاض العقول والبصائر للالتفاف من أجل الدفاع عن المسلم والعربي في كل أنحاء العالم..
الربيع العربي: الذي خصَّه بقصيدة (الحال صْبَحْ) كناية عن انبلاج الصبح وانبثاق إرهاصات التحرر العربي من القيود والاستعباد.. وقد استعرض في هذا النص حالةَ كل من تونس ومصر.

خاتمة:

لا يمكن التصديقُ في كثير من الأحيان بقيمة العمل الأدبي أو الفني إل بعد تنزيلِه على الواقع إما تشكيلا أو إنصاتا أو تشخيصا..، لذلك فمن المؤكد أن إحالتَنا القولَ "للكَوال" نفسِه فرصةٌ سانحةٌ للتأكيد على جملة من القضايا الفنية والتعبيرية والدلالية في العمل. كما أن ما قدمناه ما هو إلا إثارةٌ لأسئلة لا مناصَ مِن البحث فيها لاحقا، لتكونَ لبنةَ قراءةٍ نقدية أكثرَ تعمقا وإضاءةً.

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Best Buy Coupons تعريب : ق,ب,م