الثلاثاء، 23 أكتوبر 2012

خصوصية الإبداع والإقناع الجزء الثالث



خصوصية الإبداع والإقناع
في ديوان:
"لو نبهني الحب" للطيب هلو
الجزء الثالث

د. محمد دخيسي

(حفل توقيع الديوان،
المقهى الأدبي ميرابيل Mirabelle  - وجدة،
الاثنين 10 رمضان 1433هـــ،
الموافق لـ 30 يوليوز 2012م)




3- الإيقاع الخليلي وسلطته في ديوان "لو نبهني الحب"
تحتل دراسة الإيقاع في الشعر العربي مكانة بارزة، وقد استطاع جل الدارسين تخصيص حيز وافر في دراساتهم لهدا الشق. مقاربتنا النقدية لديوان "لو نبهني الحب" تنهج السير نفسه الذي يركز على أسس البناء الصوتي والإيقاعي، غير أننا فضلنا الاشتغال على العناصر التالية:
Ø    البحور الأكثر حضورا في الديوان؛
Ø    اعتماد الشاعر بحر البسيط؛
Ø    التشكيل الموسيقي المعتمد على اختلاس الحركة وإشباعها.

3-1 البحور الأكثر حضورا في الديوان:
يتعامل الشاعر الطيب هلو في مجموعته مع بحر يعتبر بحق من البحور التي تحضر كذلك بقوة في الشعر العربي، وهو بحر الكامل الذي يشكل الحلقة الثانية في دائرة الوافر أو دائرة المؤتلف بجمعها بحر الوافر والكامل؛ الأول بتكرار تفعيلة "مُفاعلتن" والثاني بتكرار "متفاعلن". ويمكن القول إن اشتغال الشاعر العربي المعاصر وفق الكامل دون ضبط لعمله سيجعله يسقط في الوافر والعكس صحيح.
اعتمد الطيب هلو بحر الكامل في نصف قصائد مجموعته الشعرية تقريبا (عشر قصائد)، وقد استطاع تنويع التفعيلة الأخيرة في قصائده؛ فأتت في بعضها على وزن "متفاعلانْ" وهي الغالبة كقوله في نص "أرتاب في قلق السحاب" 30:
مَلِكُ القَصيدةِ سَاهِرٌ
يَرْتابُ في قَلَقِ السَّحابْ (مُتَفاعِلانْ)
ويستمر في الإيقاع ذاته إلى آخر بيت في القصيدة التي تضم ستة أبيات، حيث يقول في البيت الأخير:
سيقول في أفق الغواية بالشذا:
"الشعرُ مملكةُ الهوى
والوَجْدُ حارِسُها الذي
في ذَبْذباتِ الحَرْفِ.
يَرْقُبُ ما جَرى بِدَواخلي
وَيُهُزُّ قارعَةَ الحنينِ بِما يَشاءُ مِنَ الهَديلْ" (متفاعلانْ)
فقد يقول قائل إن البيت ينتهي في "بالشذا"؛ لكن المؤكد أن الطيب هلو يحافظ على إيقاع القصيدة وعلى قواعد العروض الخليلية، لذلك فالسطر الشعري الذي ينتهي ب "بالشذا" تفعيلته تامة ولا يمكن اعتبارها نهاية البيت.
ويعتمد الشاعر كذلك التنويع في القافية كما في قصيدته "لمِصرَ ما عَصَرَ الفؤاد" 31حيث يجمع بين (مُتَفاعلن) و (مُتَفاعلانْ) كأن يقول:
أهرقتُ ما عَصَرَ الفؤادُ منَ النَّبيذِ
لعاشقاتٍ... يَرْتَوينَ مِنَ الأماني الكاذِبَهْ (متفاعلن)
..
يا مِصرُ قومي وَاسْتعيدي بَسْمَتَكْ (مُتَفاعِلن)
هَذا شَبابُكِ بالعزيمَةِ سامِقٌ
رُسُلُ الحقيقة... بالهوى قد بايعوكْ (متفاعلان)
كما أن الشاعر قد يستعمل تفعيلة (فعِلن) في آخر البيت موازاة مع (متفاعلاتن) التي تستعمل في مجزوء الكامل المُرَفَّل يقول في قصيدة "لي كأسي الأولى... ولي عنبي" 32
تاجَ القصيدَةِ شاغِرٌ
....
مُنذُ ارْتَدَيْنا جُبَّةَ الأسلافِ
في وَضَحِ الحَضارَهْ (مُتَفاعِلاتُنْ)
مَلِكُ الغِوايَةِ شاعِرٌ
دَبَّتْ بِأوصالِ القَصيدِ خيولُهُ
في ساعَةِ الوَصَبِ (فعِلن)
إذن فالشاعر الطيب هلو يوظف تفعيلات مختلفة في نهاية البيت الشعري وهي:
متَفاعلن، متفاعلانْ، متفاعلاتن، فعِلن..

3-2 حضور البحر البسيط في ديوان "لو نبهني الحب"
الملاحظة الثانية التي نسجلها في ديوان "لو نبهني الحب" للطيب هلو هي استغلال الشاعر لبحر البسيط في قصيدتين هما: "سأحمي سِرَّ مَمْلَكتي" و "مِنْ أوراق شاعر نرجسي". ومن المتعارف عليه هو أن الشعر التفعيلي يعتمد البحور الصافية التي تتكون من تفعيلة واحدة مكررة، أو كما سماه كمال أبو ديب "النمط وحيد الصورة، حيث ينشأ الإيقاع من تكرار تفعيلة واحدة عددا من المرات،(الذي) سيؤدي إلى حدوث تطورات جوهرية في بنية التشكلات الإيقاعية أحد أغراضها كسرُ الرتابة التي تنشأ من التكرار المطلق وخلقُ تنويعٍ إيقاعيٍّ غَنِيٍّ." 33
بالرغم من حكمة قول الناقد كمال أبو ديب ومِراسِهِ الشعري والنقدي، إلا أن حكمه حول رتابة الشعر التفعيلي المبني على نظام البحور الممزوجة لم يكن موفقا، على الأقل تطبيقا في ديواننا المدروس. لأن الطيب هلو توفق في الاشتغال على بحر البسيط دون الشعور بالرتابة، ودون الانتباه إلى وجود تفعيلتين مختلفتين. فنقرأ مثلا في النص الأول: 34
إنِّي اعْتَرَفْتُ طويلاً:
                     في دَمي وَلَعُ (مستفعلن فعِلن × 2)
عُمِري البَهِيُّ متاهاتٌ مُعَلَّقَةٌ
في سَقْفِ ذاكرة أوْدى بِها الوَجَعُ (مستفعلن فعِلن × 3)
والبيت الثالث من (منفاي) إلى (الودعُ) (مستفعلن فعِلن × 8)، دون أن يحدث الشاعر رتابة وزن أو خلل إيقاع، والسبب يرجع في اعتقادي إلى أمرين:
أولهما: أنه لا يحتفظ بالعدد نفسه في ما يخص التفعيلات.
ثانيهما: أنه يركز على حرف الروي (العين) بقوته ودفعته الموسيقية.
والأمر ذاته نلاحظه في القصيدة الثانية 35 بالرغم من استغلال الشاعر طاقة التنويع في حرف الروي بين (ني) و (ها) حيث المد الذي يزيد موسيقى النص جذبا وجمالية ورونقا.

3- 3 خصوصية التشكيل الموسيقي المتنوع:
سبقت الإشارة إلى اهتمام الشاعر الطيب هلو بالجانب الموسيقي والتشكيل الإيقاعي، وقد استرعى انتباهنا في ديوانه استغلال طاقتين موسيقيتين هما الإشباع واختلاس الحركة.

أولا- الإشباع: لا نقصد بالإشباع هنا حركةَ الدخيل كما هو معروف في علم العروض، وإنما حركةَ مَدٍّ ساكنة تأتي بعد حركة ليستقيم الوزن حيث يماثل الخَروج الذي يعني الحرف اللين الذي يلي حرفَ هاء الوصل.
إذن بغض النظر عن هذه التفاصيل، نلاحظ أن الشاعر الطيب هلو استعان بهذه الطاقة الموسيقية في كثير من الأحيان؛
فمنها ما جاء مدا في آخر البيت للانتقال إلى البيت الموالي، كقوله:
مَلِكُ الغِواية شاعِرٌ
دَبَّتْ بأوْصالِ القصيدِ خُيولُهُ
في ساعَةِ الَوصَبِ 36
ويتضح ذلك في (خيوله) حيث نقرأها (خُيولُهُو)
أو قوله مثلا:
كانَ في حِضْنِ المَدافِنِ وَحْدَهُ 37 (وحدهو)
الشكل الثاني جاء في وسط التفعيلة وهو دال على ضرورة المد من أجل استقامة الوزن.
ويمكن أن نعطي أمثلة لذلك؛
يقول الشاعر:
·       وكأنَّ إيقاعَ الخَفيفِ
تَأخَّرَتْ أسبابُهُ عنْ مَوْعِدٍ 38 (أسبابُهُو..)
·       لكَنِ َّحَبْوَ الطِّفْلِ
مَرْتَعُهُ قصيدْ 39 (مرتعُهُو)
·       وَما سَرَّهُ أنْ يكونَ الطَّليقْ (وما سرهُو)
ولمْ يَشْتَهِ أنْ ينالَ الفِكاكْ (ولم يشتهي)
ولمْ يُرْضِهِ أن يَصيرَ الصديقْ 40 (ولم يرضهي)
فَدَمي الذي خَبَّأتُهُ نَهْرٌ منَ الحُزْنِ الشَّفيفِ (خبأتهو)
يَريقُهُ قلمِي 41 (يريقهو)
...
كيْ يَبْدَأَ التاريخُ
رِحْلَتَهُ مجازا جامِحاً 42 (رحلتهو)
وبالرغم من هذه الخاصية؛ إلا أننا نلاحظ أن الطيب هلو يستعين كذلك بالتدوير، وهو امتياز يحسب له، ويدل على البعد الموسيقي الذي يطوره الشاعر ويركز عليه ويكثر منه حتى يطول البيت الشعري ليستغل أسطرا متعددة، نعطي مثالا لذلك من نصه "أبجدية الرفض":
بِالموضةِ الشَّوهاءِ (متْفاعلن / متْفاعِ)
بالإشهارِ (لُنْ / متْفاعِِ)
يَرْسُمُ صورةَ الأسْرِ السَّعيدَهْ (لُنْ / متَفاعلن / متَفاعلن / متْـ)
بالأسابِيعِ السَّريعَةِ كَالثَّواني (ـفاعلن /  متْفاعلن / متْـ)
والتَّسَكُّعِ فَوْقَ أرْصفةِ القَصيدةِ ( ـفاعلن / متَفاعلن / متَفاعلن / متَـ)
والأغاني (ـفاعلن / متْـ)
والذكرياتِ التَّافِهَهْ ( فاعلن / متْفاعلنْ) 43
ومثال ذلك كثير في ديوان "لو نبهني الحب" ولا مجال لذكرها كاملة.

ثانيا- اختلاس الحركة:
تعد ظاهرة اختلاس الحركة من المميزات التي تطبع الشعر المغربي المعاصر 44، وهي تناقِضُ تقريبا الإشباعَ، إذ المقصود منها حذفُ ساكن الذي يكون في الغالب ألف مد. وقد استطاع الشاعر والباحث محمد علي الرباوي أن يربطها بعلاقة الشاعر المغربي باللهجة المغربية وتأثره بها.
نجد الظاهرة عند الطيب هلو في مواضع مختلفة نذكر منها قوله:
قَيْسٌ يُلَوِّحُ مُتْعَباً:
أنا في القَصيدَةِ ضائِعٌ (نقرأها أنَفي القصيدة حتى يستقيم الوزن)
وَحْدي أعاني 45
ونجد الظاهرة مكررة بصورة لافتة في قصيدة "أوراق جثة في حرب الجسد" حيث يقول في بعض أبياتها:
أنا لَسْتُ إلا خَيْبَةً (أنَلَسْتُ)
وهشاشَتي قَدَري الذي لا أشْتَهِيهْ
أنا لعْنَةٌ..... أنَلَعْنة)
أنا يا صَديقي نَزْوَةٌ عَبَرَتْ......(أنَيا صديقي)
أنا لا أدافِعُ عنْ تفاهَةِ مِهْنَتِي 46 (أنَلا أدافع)
تركيب:
ما إن ينغمس الدارس في قراءة نص شعري، حتى تتراءى أمامه جملة من الملاحظات التي يراها ضرورية للدرس والنقد. غير أن الإحاطة بكل التفاصيل تستوجب صفحات عدة، لا يمكن أن تختزلها قراءة تقديمية لديوان شعري جديد.
إن قراءتنا للمجموعة الشعرية "لو نبهني الحب" للطيب هلو جمعت بين ما هو شكلي (الخطاب الشعري)، وما هو دلالي مرجعي (المرجعيات الثقافية والدينية وغيرها..)، إضافة إلى الجانب الإيقاعي. ومن ثمة طُفنا بعوالمِ القصيدة الشعرية عنده من خلال طرح قضايا تتطلب أفقا دراسيا موسَّعا، وقَدَّمنا إشكالياتٍ نقديةً تُعَدُّ أرضيةً لنقاش مستفيض، وما القراءة الأولية إلا بنكُ معلوماتٍ تجميعيةٍ تتطلب أيضا التفكيكَ وإعادةَ الإنتاج وفق رؤى جديدةٍ ونظرياتٍ أصيلة تتعمق في النصوص وتحاوِرُها.

------------------------
هوامش الجزء الثالث

-30- عبد السلام بوحجر: مقام الجنون، المجموعة الشعرية "ستة عشر موعدا"، مطبعة فضالة، المحمدية، ط. 1، 2006، ص. 13 
- 31-الطيب هلو، لو نبهني الحب، ص. 21
-32- المرجع نفسه، ص. 95
-33 نفسه، ص. 51
- 34-كمال أبو ديب، جدلية الخفاء والتجلي، دراسات بنيوية في الشعر، دار العلم للملايين بيروت، ط. 3، فبراير 1984، ص. 94 
- 35-الطيب هلو، المرجع السابق، ص. 33
-36- المرجع نفسه، ص. 59
-37- نفسه، ص. 52
-38- نفسه، ص. 56. يمكن الرجوع إلى الصفحات التالية: 57-87-88- 99- 100- 103
-39- نفسه، ص. 21
-40 نفسه، ص. 56
-41 نفسه، ص. 64
--42 نفسه، ص. 98
-43- نفسه، ص. 99
-44- نفسه، ص. 102
- 45-يمكن الرجوع إلى أطروحة الدكتور محمد علي الرباوي (العروض دراسة في الإنجاز) في هذا الموضوع وهي قيد الطبع.
-46- نفسه، ص. 86- 87

الاثنين، 22 أكتوبر 2012

اعلان عن تأسيس الصالون الأدبي وجدة


الصالون الأدبي وجدة

-I التعريف:
1- الإسم الفيسبوكي
بالعربية: الصالون الأدبي وجدة

بالفرنسية: salon littéraire oujda 

2- مكان التأسيس:
أسس الصالون الأدبي وجدة، بمركز الدراسات والبحوث الإنسانية والإجتماعية بوجدة، بمبادرة من مجموعة من الفعاليات الثقافية بالجهة.
II- الأهداف:
يهتم بالتواصل مع أدباء الجهة الشرقية ومبدعيها، والإنفتاح على الطاقات الإبداعية الوطنية و العالمية، من أجل ترسيخ الثقافة الإنسانية الهادفة والقيم النبيلة.
وذلك ب:
1- تشجيع المواهب الجديدة.
2 - التعريف بالإصدارات الجديدة.
3 - تنظيم حفلات لتوقيع الكتب الصادرة في قضايا الأدب إبداعا ودراسة
4- تنظيم ورشات أدبية وفنية.
5-تنظيم لقاءات مع الكتاب والمبدعين...
6- تنظيم ندوات ومعارض ودراسات...
7- قراءات إبداعية...

ملاحظة:
1- على رواد الصفحة الالتزام بأهداف الصالون الأدبي.
2- الصالون مفتوح للجميع ولا يكتسي أي صبغة سياسية أو إيديولوجية أو مذهبية.

--------------------------
إعلان عن  الأنشطة المزمع تنظيمها 
-------------------------

***
يسعد الصالون الأدبي وجدة أن يعلن للجمهور الكريم عن افتتاح موسمه الثقافي الأول بما يلي:
أولا: برنامج العروض:
1- يوم الجمعة 09-11-2012، ابتداء من الساعة الثالثة والنصف زوالا:

" الأدب في خدمة التنمية السياحية"، تقديم د. مولاي احمد الكامون.

2- يوم الجمعة 07-12-2012، ابتداء من الساعة الثالثة والنصف زوالا:
" ملامح الفن التشكيلي المغربي"، ذ. حماد يوجيل.
3- يوم الجمعة 21-12-2012، ابتداء من الساعة الثالثة والنصف زوالا:
" كيف نقرأ الشعر المغربي"، د. محمد علي الرباوي.

ثانيا: حفلات التوقيع:

على هامش معرض الكتاب المنظم من قبل مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية وجدة، يساهم الصالون الأدبي بحفلات توقيع للمبدعين الآتية أسماؤهم:
1- حماد يوجيل: الإبداع في الخط العربي (بحث نظري): يوم 15-11-2012.
2- حياة خطابي: التأليف المسرحي بالمنطقة الشرقية: يوم 21-11-2012.
3- عيسى حموتي: الهجرة المعكوسة (رواية): يوم 23-11-2012.
كما يساهم كذلك بعرض إصدارات بعض المبدعين.

*ملحوظة: سوف يتم التذكير بكل نشاط على حدة.


صرع الخيال محمد العرجوني



                                                     
                                             



صرع  الخيال

محمد العرجوني

تصطف الكلمات
وتخرج في زي كبريائها
 متحدية قانون القلم.
 يحركه الشاعر و هو في نوع من الغيبوبة
 وسط غيوم فاقدة القدرة
 على تحريك خلايا الشعر والإبداع،
 المتاخمة في أقصى جدار الدماغ،
 المبلط بالإسمنت
 والأجور المستورد من أقصى العصور.
 يحفر القلبَ المتعفن بالعاطفة
 المنحدرة من أسفل الأزمنة الغابرة .
 يتهجى ابن الرومي والمتنبي
 أحرف الواخزات الإلكترونية …
 هل يعلم الشاعر
ذاك المطل عبر شرفات السنين الخالدات
 أن العصر لم يعد عاقلا كبحور التفعيلات
 و لا متحمسا لدقات القلب وارتعاشاته الليلية
 أمام أطلال ليلى وعمامة قيس،
 بل لرنين حبات العرق
 المتصبب من أعلى جبهات الشقاء
 عند توليد الطاقة الشعرية
 من عصارة كلمات عاشت من الصدإ
 لمدة تزيد عن الأزل ؟
 يهوي الشاعر المحارب في زمن الكتابة والكلام
 عبر الضوء غير الهارب،
 بسيفه اللامرئي على الكلمات
 المصطفة في هدوء ونظام كتلاميذ،
مصطفين مثنى مثنى أمام الحجرات،
 عله يبعثرها حسب قانون العشوائية
 القادر على خلق الرعشة الشعرية
 التي تفاجئ لاعبي الكلمات
 غير المتقاطعة وغير المتجانسة …
 تنفر من الكسلاء …
 هي في حاجة إلى أياد رشيقة
 ترقص على الأزرار .
 هل من حاجة إلى متابعة النسيج الحرفي
 على شاكلة المتنبي
 أو حتى شوقي
 أو آخر شاعر في زمن النفط ؟..
تتسلل حروف الكلمات ثائرة .
 تواجه الشاعر بشكل انفرادي … كم نحن ؟
 وهل نحن عبيدا لك يا مستغل براءتنا؟
ويا موزع الأدوار كما تدندن في مخيلتك؟
 كان حرف السين
 أول من قفز من أعلى عرشه المسن،
 بسيفه المسلول من سماء مبرقة و مرعدة .
 سرقه للبرق السماوي
 السائل على أرض لا تعيش إلا بالسرقة .
 قال بلهجة عنترية :
" سيفي هذا
 لا يمسه إلا من سئل لمدة ساعات طوال
 عن سر دسته أياد سمراء
 كانت للسماء سمكا …
فهل لك من قدرة على فك هذا اللغز
 المندس تحت عبقرية أسناني ؟ "
تلاه اللام عاكفا ظهره من كثرة التطاول
 حتى في الكلام،
و كاشفا – بدون حياء – عن أسته :
" لك أن تختار
 أيها المعتنق لبيانات الحروف بدون اختيار،
 والساكن في قلب التيارات المتضاربة
 فوق شطآن فيروز الحروف المبللة
 بشظايا النار …
لك أن تختار يا من سولت له جنونه
 اختيار الإبحار في قارب
 مساميره كلها ثقب
 وكل مجاديفه من أسنان المنشار …
قم ! ولا تتلعثم إن واجهتك الأقدار …
واحفر بمخالبك قبرا أعمق من فكرة الإقبار؛
 فصانعي الكلمات
 بأحرف ثائرة مثلي لا يكلفهم أي عناء …
 يصبحون سجناء بليتي
 وحبيسي لحْدي الأزلي
 المتلألئ سوادا عبر عصور
 تمتد حتى قمة آخر شعرة
 لازالت تطفو فوق رأس
 أول مالك لسحر
 الحرف المتدلي
 من أعلى شرفات الزمان البالي …
 احفره شبرا، شبرا …
 وانتظر !.. انتظر حتى تبتلعك الأرض
حيا في تابوت من قصائد من جليد النار …
فكيف للشاعر أن يختار ؟
 فقد حار أمام جنون حرفين …
 شعر بسعال ينتابه بدون توقف
 كمن سكنه سل كل الأزمان …
حرفان! واحد يطرح لغزا
 لا تحله – ربما – سوى الغربان،
 حين تصبح بيضا تسقسق كالبلور،
 والثاني يأمر بحفر قبر
أعمق من العمق !
 لازال الشاعر يسعل .
لعل السين و اللام هما سبب السعال .
يتقدم حرف الميم
 يلملم أشعاره المبعثرة
 عند أقدامه الحافية،
 المرصعة بدبابيس من عدم :
" لم تمت بعد
 أيها الشاعر المسكون بأحرف من نار …
 تائه فقط أنت
 عبر مماليك ميتة منذ أن شاءت الأقدار
 وكتبت الأشعار على ورق ظل الأشجار …
 خذ عقدة من عقدي
 واربط فرسك ذاك "البيكاز "
ولا تحلق إلا وربطة عقدتي
 من عنقك تتدلى …
 وإياك أن تسقط!
  ستموت شنقا بدون بسملة ولا حتى …
 أنا الناهي والمستفسر
 كلما لاحت في الآفاق
 بوادر الزمان اللامبالي
 بحياة المجانين
 من تجرعوا سم الحروف
 المدوية عبر أعماق الأزمنة
 المتتالية منذ الأزل …"
يتابع الشاعر
 خطابات الأحرف الثلاثة باندهاش
 وانزعاج وبغبطة و سرور …
 صحيح، قوتها لا تقهر …
وطاقاتها هائلة …
هل له أن يدير ظهر دماغه لهلوستها ؟
 أم يلج عوالمها
 ويتسكع عبر متاهات الحوار اللا إنسي ؟
 تصطف الحروف كما ظهرت …
أي حسب بروزها : س.ل.م.
 تهدأ الحروف ويحيط بعالمها
 صمت ربيعي تتخلله مويجات بحرية
 ويطغى الأزرق على المكان .
 هدوء تام .
صفاء شاعري .
يستنشق الشاعر راحة الأعضاء الجسدية
 المترامية على رمال أنثوية
 اللمس والهمس …
 يلج جسد الشعر بحرارة العشق
 ويهتك عرض البحر …
وفجأة تتدلى الحاء من أعلى حافة .
 حافية القدمين،
حاملة خنجرا ذهبيا
 يلمع من تحت أشعة شمس زحلية .
 تطغى عليها شراسة جهنمية :
" أنا الحاء،
 بدوني لا حياة ولا حياء!
  بداخلي حية تبلع كل الأحياء .
 خذ من خنجري هذا شعاعا واصنع منه قلما …
 تكتب به أشعارا من لهيب المرجان …
 يكفي أن تعْدل عن نشوة الصمت
 ورعشة الرمل
 وتقبل لعنة الحرف
 الحائر في أمرك.
 تجدني في جميع الأنحاء .
 أحلب الحلم والكوابيس الملحاحة .
 تلك التي تزعج الإنسان في العالم الرحب …"
لا زال الشاعر تائها
 في عالم السلم .
 ممتطيا هدوءه …
 فإذا بالحاء تزعج سلامه
 بحشرجات متشنجة
 متتالية حبيسة البلعوم الصدئ.
 لم يقف الإزعاج عند هذا الحد .
 بل جرجرت الحاء راء تزعج حتى موتى القبر.
" أنا الراء .
لا احمل راية سلم .
 بل رنين كل الكلمات النارية
 المدوية من فوهة بركان أصم .
 هدفي إحياء طنين الصدإ الموروث
 عن كوارث الرعب …
إليك الباء لتكتمل الصورة .
ظهرت فعلا
بدون أن تتعطل ولو ربع دقيقة.
 وتبعتها دقات الطبل…
" ها أنا الباء،
 الآتية من أعماق الزمان البائد .
 دقات الطبل تشهر قدومي .
 وتقاس خطواتي بالضرب على ماء البحر .
 أقطن بلاطا من حديد
 تحميه نار من جليد…"
نشبت الحرب .
 وعمت الفوضى
 وراح الشاعر يستنجد بالسلم
 وباللمس
 وبكل ما هو أملس...
 لينزلق،
 ويحاول ثانية وثالثة....
 إلى أن سجل بالحالة المدنية
 تحت إسم:
 سيزيف...الكلمات النيئة....النائية...

--------------------------

كتب هذا النص حوالي سنة 2004


                                 
  
      

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Best Buy Coupons تعريب : ق,ب,م