الجمعة، 24 أكتوبر 2014

بين المتخيل والأسطوري :تفكيك أولي لبناء النص في رواية(طوق السراب)/د محمد دخيسي



بين المتخيل والأسطوري

تفكيك أولي لبناء النص في رواية
 (طوق السراب)[1] ليحيى بزغود

 
إنجاز:
د. محمد دخيسي


تقديم:

بين التخيُّل والأسطورة برزخ معرفي، وكثيرا ما نعثر عليهما متلازمين بالرغم من خصوصية كل منهما. وحتى نستطيع تسليط الضوء على رواية (طوق السراب) ليحيى بزغود من خلال مفهومي التخيل والأسطورة؛ لابد من التركيز عليهما قليلا.

إن الحديث عن مشتقات فعل خيل كما جاء في لسان العرب يحيلنا على المقصدية المتوخاة من وراء عنونتنا (التخيُّل)، إذ يقال: "تخيَّل له أنه كذا، أي تشبَّهَ وتخايل، يقال: تخيَّلْتُهُ فتخَيَّلَ لي، كما تقول: تصوتُه فتصور لي."[2] وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿قال بل ألقوا، فإذا حبالُهم وعِصِيُّهُمْ يُخَيَّل إليهم من سحرهم أنها تسعى﴾ طه/ 66. فالتخيل مرادف للتصور غير الحقيقي، أو بعبارة أخرى اعتماد الخيال لتبني صورة غير حقيقية. والخيال في الغالب يكون أحد ثلاثة مستويات العجائبي والغرائبي كما ذهب إلى ذلك تودوروف، إذ تنتقل من :"العجائبي السائد في مجتمعات تعتقد فيما وراء الطبيعة، حيث الغيبيات والسحر والكائنات غير المنظورة، إلى الشكل الخيالي تماما أو الخالص الذي ليس له تفسير، ثم إلى الغريب الذي يفسر كل أشكال الغرابة التي تنتجها القوى اللاشعورية."[3]

إلا أن التخيُّل الذي اخترناه إنما هو: "قوة نستعيد بها نوعا أو عدة أنواع من الصور والتي قد تكون بصرية أو سمعية أو ذوقية أو شمية أو لمسية، وتختلف قوة التخيل بين الأشخاص، ووظيفة التخيل الرئيسية والطبيعية هي استعادة الصور التي يحتاجها العقل في التفكير إلا أن وظيفته لا تقتصر على الاستعادة فقط، بل تتعداه إلى الابتكار حيث يقوم التخيل في هذا المستوى بالتفريق بين الصور والمعاني ثم التأليف بينها على هيئة جديدة لم يدركها الحي من قبل."[4] لذلك فالحديث موكل إلى تبني القصد من التخيل، إذ يتحدى التصوير إلى ابتكار صور جديدة والتأليف بينها حتى تظهر في شكل غير مدرك سابقا.

إذا انتقلنا إلى الأسطورة، فهي أوسع دلاليا وتاريخيا: "إذ هي توحي بالعطاء المجنح للعقل الإنساني.. توحي بالحلم حين يمتزج بالحقيقة، وبالخيال وهو يثري واقع الحياة بكل ما يغفله ويطويه، وفي إسار من الوهم يخفيه ليخلق منه دنيا جديدة هي شعر الأحداث، وتهويم الطموح الإنساني نحو المعرفة ونحو المجهول."[5]

لذلك فالعلاقة بين الخيال (التخيل) والأسطورة قائمة على مبدإ التضمن، "فالأسطورة تمتد عبر مدى جغرافي عريض أو فسيح، وقد تحيط بالعالم كله أو تشمله، بل قد تشتمل على عوالم مختلفة أيضا.. أما الحكاية الخرافية فإنها غالبا تشتمل على مدى جغرافي محدود يتعلق بقرية واحدة أو غابة معينة مثلا."[6]

بعد هذه التعاريف، نصل إلى الرواية العربية التي اختارت في كثير من محطاتها التوغل إلى غابات الأساطير، تمتح من رفاتها، وتتغذى بأهوائها وأشلائها. فأضحت الرواية الجديدة باحثة عن تجاوز كل جاهز واختراق للواقعي والموضوعي، لذلك عمد بناؤها إلى: "الربط بين الظواهر، ورفض العلية والسببية في بناء الأحداث وتمرده على جماليات الوحدة والتماسك والنمو العضوي، وتحطيمه مبدإ الإيهام بالواقعية."[7]

من هذا المنطلق نلج عالم (طوق السراب) ليحيى بزغود، وهو عالم يجمع بين ما هو متخيَّل وما هو أسطوري، وبما أننا اعتبرنا التخيل متضمنا في الأسطورة، فنقول إن الرواية ذات أبعاد دلالية متعددة تتجزأ إلى دوائر علاقات تربط الشخصية بالمكان حينا، وبالحدث حينا آخر، وبالمقصدية التي تعقد الصلة بين المنتج والمتلقي تارة ثالثة.

تتضمن رواية (طوق السراب) ليحيى بزغود علاقات ثلاث، سنعتمد عليها لاستخلاص ثلاث دوائر علاقات هي كالتالي:

1- الأسطورة والشخصية.

2- الأسطورة والمكان.

3- الأسطورة والحيوان.

ولعلنا انطلقنا من تقسم أنواع الأسطورة عند فاروق خورشيد[8]، حين جزأها إلى الأسطورة العقائدية وأسطورة الشخصية وأسطورة المكان، والحيوان في الأسطورة العربية إلى جانب أساطير الخوارق. لكننا حاولنا أن نبحث عن أهم العلاقات الموجودة داخل الرواية، لنسلط عليها الضوء بالبحث والنمذجة.

1- الأسطورة والشخصية:

يتحدد مفهوم الشخصية في رواية (طوق السراب) من حيث مضمون الحضور والغياب، فالنص يوحي بوجود شخصية، هي في الأصل موجودة في خيال سكان القرية، ومرتبطة بحديث حيواني متخيل.

بدأ النص بسرد عصام لعزوز حكاياتٍ مرتبطةً بقريته ، وهي حكايات تتوزع بين الحقيقي والمتخيَّل، وتتلخص في قصة الشاب الأمير كونه اختير أميرا على قومه رغما عنه، لما عهد فيه من تقوى واتزان شخصية وعدل ومساواة، وكان من بين شروطه عدم تقاضي أجر عمله بل يكون متطوعا ومتى أراد الانسحاب والاستقالة كان له ذلك، وكان يقول: "إذا رأيتم فيَ اعوجاجا فقوموني"[9] وهو قول مأثور عن أحد الأئمة الخلفاء الراشدين، في ما يروى عن عمر بن الخطاب في بعض المراجع حيث يقول رضي الله عنه: (إن رأيتم مني اعوجاجا فقوموني بالسيف) كما يرجعه البعض الآخر إلى أبي بكر وغيره. ما يهمنا هنا أن الإشارة بالسياق واضحة إلى كون المستهدف من قول الروائي في النص هو أحد الخلفاء الذي عرف بعدله وتحقيقه المساواة بين الناس، وهو في الرواية حكم فترة اتسمت بالمصالحة بين أفراد قومه إلا أن تاجرا من بني الأخنس لم يرضه ذلك؛ إذ ساوى الملك بين الوجيه والوضيع وبين الغني والفقير والحسناء والشمطاء.. ويروى أنه: "لم تمض غير أيام قليلة، حتى اختفى الأمير، فلم يعثروا له على أثر ولم يعرفوا له قبرا إلى اليوم... لكن بعض أدعياء العلم والحكمة يزعمون أن الأمير ما يزال حيا، يعيش تائها بين القبائل إلى اليوم!!.."[10] من هنا تبدأ "أسطرة" هذه الشخصية، فالدائرة السردية قائمة على البحث عن الأمير الحاضر/ الغائب: الميت طبعا، وهو الأمر الذي تكلف به حماد من بني السطل الذي غادر القرية بعد أيام قلائل من زواجه من ابنة خالته "منانة"[11]، لتنتقل الحكاية إلى شكل خرافي عجائبي في جانب أسطوريتها، ذلك أن "دنيا" أخت حماد كانت تصعد كلما اشتاقت إلى أخيها إلى جبل ألغم لتنظر في عينه السحرية بحثا عن مسير أخيها. وقد وجدته أخيرا يتسكع بين القبائل بحثا عن الأمير.

من هنا تبدأ رحلته عبر مجاهل الصحراء، يخترق نجودها وتلالها بحثا عن الأمير، وفي كل قبيلة يصادف نوعا من التحدي فيهزمه، ويصارع كما صارع سيزيف كلما أنهى مغامرة يجد أمامه صخرة مغامرة جديدة.

كان المستهل مع قبيلة بني شيبان التي استضافه أهلها وأكرموا وفاده، إذ اشترطوا عليه أن ينازل العجيلان فانتصر عليه وكاد يقطع رأسه لكنه تغاضى عن ذلك ليتركه حيا. فيعطوه هدية ذلك بقول زعيم بني شيبان: "خذ سيف العجيلان، وعقاله أنت أولى بهما في هذه المفاوز... رافقتك السلامة أنت فارس العرب."[12]

بعد بني شيبان، أتى دور بني سعدان، وقد تمكن الروائي من بسط السرد بطريقة تلفت النظر، معتمدا لهجة خليجية صرفة، فكان لحماد نصيب من القوة بعد المبارزة، لكن هذه المرة خصت جانب الفحولة عنده، بالرغم من تأكد دنيا -التي تراقب مغامرته عبر العين الساحرة- من فشله حين لاحظت عدم تساوي الفرص بين أخيها والدحيديح. فينتهي الأمر بنزع دكة هذا الأخير وتقديمها لحماد، وتعلو زغاريد النساء وصياح الرجال يقولهم: "وقع الدحيديح...سقط الجبان... أنزعوا دكة الدحيديح... ليقعد مع الحريم... أنزعوا حزام المأبون!.."[13] ثم توالت الرحلات لسنوات طوال إلى أن وصل إلى فضاء بني النضير حيث وجد الملأ من قبائل مختلفة تبحث عن الأمير المفقود، فكان الشاب "الحيطيست" أبو بشارة ذو العشرين سنة (تقريبا) يخبر حمادا أن شيخهم أبا زيد الكطرة أخبرهم أن أميرهم لا زال حيا وهو يبحث عنه. وتنتهي الحكايات بدعوة زعيم بني النضير الكل بقوله: "أما السر الذي اكتشفه شيخنا فهو كتابة بعض آيات القرآن الكريم بالدم مقلوبة من اليسار إلى اليمين، ومحوها في الدم، وشرب قليل منها.. فوالله يا إخواني لا يداو منَّ أحدكم على شرب التركيبة حتى يراه رأي العين، قائما على المحجة البيضاء!.."[14] وفي هذا إشارة إلى إراقة الدماء، واعتماد التعويدة السخرية التي يخالطها الحرام بتحريف كتابة الآيات القرآنية، ثم شرب قليل من الدم، إلى جانب إشارة لاحقة تؤكد تورط زعيم القرية مع عناصر أجنبية. أما حكاية حماد فتحط رحلتها بعودته إلى قريته بعد أن ضاع لفترة بين الربع الخالي. وسنعود إلى بسط فكرة العودة حين نربط بين أسطورة الشخصية وأسطورة المكان.

نخلص من هنا إلى أن أسطورة الشخصية تتحدد عبر آفاق ثلاثة:

أولها: البعد السيزيفي، حيث تحول حماد إلى باحث عن الأمير الضائع/ الميت بتخطيه عقبات الفيافي والصحاري، وكشف قوته الجسدية وفحولته لتخليص نفسه واستمرار رحلته. وهنا ينبع سر ضعف بني يعرب وهي إشارة إلى العرب حيث أصبح هدفهم البحث عن عمر أو غيره من الخلفاء المعروفين بالعدل، بدل البحث عن العدل ذاته والتسليم بأمره وحضوره في حياتهم.

ثانيا: الأمير الضائع، إذ أنه أمير أسطوري/ حقيقي في واقع قديم يتحدث عنه الكل بملكاته وذكائه وعدله، وهو المبحوث عنه من قبل كثير من القبائل، وكل شيخ يحث أبناء قبيلته على استحضاره وتأكيده على حياته.

ثالثا: أسطورة البقاء، مع بقاء حماد حيا، بالرغم من ضياعه وسط الربع الخالي، وتحوله فور اختفاء الناقة، في حين يبقى أمر الأمير محيرا.


2- الأسطورة والمكان:

حين نتحدث عن المكان، فإننا نقصد من ورائه كل ما يرتبط به من جماد ومتحول لجماد. فالجماد هنا هي الصحراء التي يتحرك وسطها شخصيات الرواية بحرية، بالرغم من كونها ذات أبعاد طقوسية مختلفة، تتحول من طقس البحث عن الفارس، إلى طقس البحث عن الفحل إلى غيره. وكل الأمكنة دليل على وفرة الجانب الخرافي والتخيلي لدى كل قبيلة، مما يفرز كثيرا من الحكايات الأسطورية التي تنبئ بكون الشعوب تعيش وسط ركام من الأقاويل التي تجعلها ترزح في جهلها، ويتساقط أبناؤها جرحى وقتلى جراء صراعات شكلية وأخرى عصبية تمُّت أساسا إلى دواعٍ ترابية (حدودية) أو مائية (صراع حول منابع الماء)، أو سلطوية (بحث عن السلطة والمنصب).

أما عن المكان المتحول، فنرمي به أسطورة (ألغم)[15] الذي تحول من جمل كما تدعي بذلك أسطورة بني يعرب.

يتحدث عصام إلى عزوز قائلا: "أهل القرية وكل قبائل بين يعرب يتداولون خرافة تقول إن الجمل برك منذ قرون بالمكان... أفاق الناس ذات صباح فوجدوا "ألغم" رابضا يسد أفقها ويعزلها عن باقي أرجاء الدنيا، وهو يعتقدون جازمين أن "ألغم" سينهض يوما ما... سينهض إذا حضر أميرهم الأول الذي اختفى في ظروف غامضة؛ ويتشبث تجار القرية بهذه الأسطورة كحلم واه قائلين.. إذا رحل "ألغم" تخلو المسالك أمام القادمين من الجهة الغربية وراء الجبل... فيكثر وفود القبائل وتتوزع عروض التجارة وتتنقل الأخبار."[16]

يشير هذا النص إلى جملة قضايا تهم مبحثنا، نذكر منها أسطورة "ألغم" المرتبطة بالمكان الذي ربض به، وهي إشارة إلى الغم والهم الذي صار رابضا حول الأمة العربية، وهو دليل أيضا على علاقته بمضمون العدل والمساواة التي جاء بها الأمير الضائع/ المبحوث عنه، ورجوعه إلى أصله ثالثا ذو علاقة بعودة الأمير.

ونلاحظ أن الجَمَل الرابض بالقرية غاب ليلة حين أحس القوم بزلزال عنيف يهز المكان، وارتبط غيابه بعودة حماد، الذي كان يتفوه بكلام غريب، وهو الكلام ذاته الذي ذكر عن الأمير الضائع: "كان حماد، يصيح: هف... هف إذا رأيتم فيَّ اعوجاجا فقوموني!.."[17] وهي الحكمة التي جعلت القوم يتهمون بالخبل والحمق.

بالعودة إلى أسطورة المكان؛ نشير إلى كون الجمل الرابض "ألغم" يحمل معه أيضا سر الفتوحات التي كانت تستغلها "دنيا" أخت حماد في اكتشاف مراحل رحلته، وهي العين السحرية التي تنظر من خلالها إلى كل ما يقع، وهي تناشد أخاها حينا، أو تشجعه أو تحاول مساعدته دون أن يكون لصوتها وقع عنده. تقول دنيا: "ارجع يا حماد، أنت في تخوم الربع الخالي: الداخل إليه مفقود والعائد منه مولود... وقليلا ما يعود.....

لكن حمادا لم يكن يسمع شيئا غير وقع الفرس التي تضرب أرض البطاح.."[18]


3- الأسطورة والحيوان:

بعد أسطورة المكان المتعلقة بالحيوان الجامد "ألغم" نصل إلى الحيوان نفسه، أي الجمل أو الناقة لكن في صورتها الحقيقية شكلا، المفارقة لواقعها إلى شكل أسطوري. والأسطورة هنا قائمة على أساس نطق الحيوان، وكشفه ألاعيب الشيخ عباس الأخنس الذي كان يخبر عشيرته بأقوال الناقة وتنبؤاتها.

الناقة نطقت في آخر النص لتخبر الكل بمجموعة من الأفعال الدنيئة التي كان سببها الشيخ، أو شارك فيها لجعل أبناء قبيلته تحت سيطرته الفكرية والحياتية.

أخبرت الناقة القوم ب:

أولا: بأنها تحقق رغبة الشيخ لتنطق، ومعنى هذا أن كلامه ربما يكون وهما، أو كذبا، لكنه يتحقق أخيرا.

ثانيا: تكذِّبُ قول الشيخ حول المطر، وإخبارهم أنه سمعه عبر الراديو.

ثالثا: إخبارهم بقصة الراديو الذي تركه في حوزته، في حين طلب من الكل تحطيم جهازه، وقيامه بقذف راديو قديم في النار.

رابعا: إخفاء ثور الضاوية في الغابة... وغيرها

لكن الناقة تصرح قائلة: "لم أقل شيئا عن النهر... ولا عن الأمير التائه.. هذه الخرافة يتوارثها هو وأمثاله عن أجدادهم... ويشيعونها بين الناس."[19]

إلى جانب أسطورة الناقة، نقف عند أسطورة كل من الثعبان والحمامة، حيث تحول الثعبان من سيول الدم النازف من أجسام أفراد من بني حمو السطل الذين واجهوا خصومهم من بني موسى: "ونزف الدم ونزف فتجمعت سيوله فالتحق بعضها ببعض وتشكلت ساقية حمراء، ما لبثت أن أصبحت ثعبانا ضخما، مروعا يزحف نحو الفتاة التي تحولت إلى حمامة بيضاء.."[20]

إذاً، يتعدد مدلول كل حيوان، وتتعد صفاته، غير أن أسطورته متعلقة بكل من المكان والشخصية، ويمكن أن نربط بين العناصر الثلاثة عبر خيط الحدث، ذلك أن حدث اختفاء الأمير إن صح وقوعه، أخبرت عنه الناقة كما جاء على لسان الشيخ، والناقة نفسها تكذب القول، أما "ألغم" فوجد رابضا بمكانه، ونهايته كانت بعودة الأمن، وانتفاء روح السخرية والمسخ الذي أصاب الثعبان والحمامة: رمزا العداوة والسلام. أما الشخصية فيمكن أن تكون متحولة عن أصل أول، فالأمير يمكن أن يكون ذاته الناقة المتحولة، كما يمكن أن يكون حمادا، كما يجوز انتفاء وجدوه نهائيا ليكون رمزا أسطوريا، يرد حضوره حين يغيب السلم والرجاء والسخاء والعطاء والحرية والعدل والمساواة.


تركيب

سبقت الإشارة في بداية البحث، أن أسطورة الشخصية وأسطورة المكان والحيوان، تشكل تيمة موحدة، بناؤها التخيل، ووسيلتها الأسطورة المتخيلة، لذلك، فأسطورة الشخصية قائمة على استحضار القوة الخارقة للجمل الرابض، وقوة الجمل مبنية على تحمل حماد وسيطرته على مغامراته عبر مجاهل الصحراء، وقوة الجبل أيضا حكاية أخرى لسيطرة الخرافة والشعوذة، وهذا دليل على تضمن التخيل والأسطورة من جهة، وإلى اعتماد الروائي يحيى بزغود على ملكته السردية وحبكته الروائية ليجعل سيرته للشخصيات جزءا من تحول المكان والزمان، وسيطرة القوى الخارقة والخرافية. ومن ثمة فالتخيل الذي بنى به روايته هو جزء من الأسطورة، كما أن الأسطورة هي بناء روحي لفك ألغاز السيرة الروائية.



- يحيى بزغود: طوق السراب، مؤسسة النخلة للكتاب، وجدة، ط. 2 (طبعة خاصة)، 2007.[1]
- ابن منظور: لسان العرب، دار الفكر ودار صادر، بيروت، 11/ 230.[2]
- شاكر عبد الحميد: الخيال، مجلة عالم المعرفة، ع 360، فبراير 2009، ص. 203.[3]
[4]- علي آيت أوشان: التخييل الشعري في الفلسفة الإسلامية (الفارابي- ابن سينا- ابن رشد)، منشورات اتحاد كتاب المغرب، ط. 1، 2004.
[5]- فاروق خورشيد: أديب الأسطورة عند العرب، جذور التفكير وأصالة الإبداع، مجلة عالم المعرفة، ع 284، أغسطس (غشت) 2002، ص. 19.
- شاكر عبد الحميد: الخيال، ص. 193.[6]
- شكري عزيز الماضي: أنماط الرواية العربية الجديدة، مجلة عالم المعرفة، سبتمبر 2008، ص. 16.[7]
- فاروق خورشيد، أديب الأسطورة عند العرب.[8]
- يحيى بزغود: طوق السراب، ص. 16. [9]
- يحيى بزغود: طوق السراب، ص. 21.[10]
- المصدر نفسه، ص. 33- 38.[11]
- يحيى بزغود: طوق السراب ، ص. 64.[12]
- المصدر نفسه، ص.75.[13]
- المصدر نفسه، ص. 89.[14]
- ألغم كلمة أمازيغية تعني الجَمَل، لكنها في الوقت ذاته إشارة إلى كلمة عربية إن نحن حذفنا (أل) فتصبح غما وهما.[15]
- يحيى بزغود، ص. 13- 14.[16]
- يحيى بزغود، ص. 115.[17]
- يحيى بزغود، ص. 91.[18]
- يحيى بزغود، ص. 104.[19]
- يحيى بزغود، ص. 96.[20]

رَبَّاوِيَات/مختارات من شعر محمد علي الرباوي

رَبَّاوِيَات
 
 
======================
بَاتْــــــــــــــــنَــــه
======================

لِبَاتْنَةَ أَنْ تَسْكُنَ الْقَلْبَ جَهْرَا
...
لَهَا أَنْ تُصَافِحَ وَجْدَةَ إِنْ لَقِيَتْهَا تُرَفْرِفُ بَيْنَ شَوَارِعِهِ ﭐلْمُكْفَهِرَّةِ ذَاتَ مَسَاءٍ. لَهَا أَنْ
تُمَارِسَ حُزْنِي الَّذِي خَبَّأَتْهُ ﭐلسِّنُونُ بِصَدْرِي. وَأَعْطَتْهُ حَقَّ التَّسَكُّعِ فِي قَطَرَاتِ دَمِي.
وَلَهَا أَنْ تُخَبِّئَنِي بَيْنَ هَذِي الْجِبَالِ الَّتِي مَارَسَتْهَا رِجَالٌ: مَلاَمِحُهُمْ مِنْ حَصَاهَا. لَهَا أَنْ
تَقُصَّ عَلَيَّ حِكَايَةَ ذَاتِي الَّتِي ﭐرْتَطَمَتْ بِلَهِيبِ ﭐلْحَيَاةِ، وَمَدَّتْ إِلَى الْبَحْرِ جِسْرَا.
..................................................
لَقِيتُكِ بَاتْنَةُ بَيْنَ رُكَامِ الْحَكَايَا.
كَأَنِّي لَقِيتُ عَلَى وَجْهِكِ الْمُسْتَنِيرِ الشَّبَابَ. لَقِيتُكِ سَلَّمْتُ عِشْقاً عَلَيْكِ. فَتَحْتِ
ذِرَاعَيْكِ. قُلْتِ: تَعَرَّفْتُ هَذَا ﭐلصَّبَاحَ عَلَيْكَ؛ ألَسْتَ الَّذِي كَانَ يَبْكِي ﭐنْشِطَارَ الدِّيَارِ؟ بَلاَ،
ولَكِنَّنِي حِينَ أَبْصَرْتُكِ الآنَ مِنْ فَرْحَتِي زَادَ حَجْمُ بُكَايَا.
باتنة:11/11/2001
======================
(6) الوجهان
======================
أَلاَ أَيُّهَا التَّلُّ هَا قَدْ عَلاَ مِنْ بَعيدٍ غُبَارٌ كَثِيفٌ. وَأَنْتَ تَمُوتُ مِرَاراً وَخَيْلُ الْغُزَاةِ تَدُكُّ مُحَيَّاكَ
...
فِي الْمَوْتِ أَوْ فِي الْحَيَاةِ وَهَا ٱنْقَشَعَ الآنَ هَذَا الْغُبَارُ سَمِعْنَاكَ تَحْتَ الْغُبَارِ الْمُلَوْلَبِ
تَسْقُطُ لَكِنْ سَقَطْتَ عَلَى كَوْكَبٍ فِي أَعَالِي السَّمَاءِ الَّتِي ﭐسْتَقْبَلَتْكَ بِأََرْزٍ جَدِيدْ.
(جَسَدِي يَغْلِي كَالنَّهْرِ الصَّامِتِ يَرْفُضُنِي تَلاًّ سَجَدَتْ لِسَنَابِلِهِ غَابَاتُ الصَّفْصَافِ تَوَالَدُ
مِنْهُ الأَرْيَاحُ الزُّرْقُ مِرَاراً. كَانَتْ تِلْكَ الأَرْيَاحُ تُعَلِّمُنِي كَيْفَ أُبَارِزُ نَفْسِي فِي صَحْوِي أَوْ
فِي مَطَرِي. كَانَتْ تِلْكَ الأَرْيَاحُ تَشُقُّ صُخُورِي تَجْرِي فَوْقِي نَهْراً. فَإِذَا حَدَّقْتُ صَبَاحاً فِي
النَّهْرِ رَأَيْتُ عَلَى صَفَحَاتِ مَرَايَاهُ وَجْهَيْنِ أَقُولُ الْوَجْهُ الأَوَّلُ وَجْهِي وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَجْهِي
وَأَنَا أَعْلَمُ أَنِّي فِي الْبَدْءِ أَتَيْتُ بِوَجْهٍ لاَ وَجْهَيْنِ أُصَارِعُ خَوْفِي فَأَمُوتُ وَكَمْ مُتُّ مِرَارَا)
****
رَصَاصُ الْبَنَادِقِ أَخْطَأَ وَجْهَكِ لَكِنَّ وَجْهِي تَعَرَّضَ لِلطَّلَقَاتِ فَمِتُّ مِرَاراً وَعِشْتُ مِرَاراً
وَحِينَ سَقَطْتُ سَقَطْتُ عَلَى ﭐلأَرْضِ فَاسْتَقْبَلَتْنِي- وَبِي ظَمَأٌ لاَ يُحَدُّ لَهَا- بِرَصَاصٍ
جَدِيدْ.
وجدة: 3/12/1976
======================
العطشان
======================
بِي عَطَشٌ لِلسِّكِّينِ فَمَنْ يَرْشُقُ هَذَا الْجَسَدَ الْمَقْتُولَ فَلاَ ﭐلرِّحْلاَتُ السَّبْعُ تَحَوَّلَ
...
جَدْوَلُهَا أَشْطَانَ دِمَاءٍ لاَ الْجُبُّ ٱسْطَاعَ مُنازَلَتِي بِالأَصْداءِ وَلاَ التِّنِّينُ أَرَانِي كَأْسَ الْخَوْفِ
الأَحْمَرِ حِينَ أَغَارَ عَلَى ظِلَّي الْمُمْتَدِّ هُنَا مِنْ وَجْدَةَ حَتَّى بَيْرُوتْ
يَا سيَّافَ الْقَرْيَةِ هَا رَأْسِي
نَفِّذْ حُكْمَ الظَّمَإِ الأَزْرَقْ
وَأَرِحْ ظِلِّي مِنْ جَسَدِي الْمَكْبُوتْ
أَلِِفَ الْمَجْنُونُ هَجِيرَ الْبَيْنِ تَعَلَّمَ فِي الْبَيْدَاءِ لُغَاتِ الْمَوْتِ وَلَكِنْ حَتَّا مَ تَظَلُّ الأَكْفَانُ هُنَا
تَتَوَسَّخُ فِي هَذَا التَّابُوتْ
بِي عَطَشٌ لِلسِّكِّيِن فَمَنْ يَرْشُقُ هَذَا الْجَسَدَ الْمَقْتُولَ وَمَنْ يُلْقِيهِ بِوَادِي الظُّلُمَاتِ
وَيُسْكِنُهُ بَطْنَ الْحُوتْ
آهٍ مَنْ يُسْكِنُ هَذَا الْجَسَدَ الْمُتَوَرِّمَ بَطْنَ الْحُوتْ
1976

الخميس، 23 أكتوبر 2014

توسلات ../حميد يعقوبي

توسلات ..

حميد يعقوبي


 ******************
عاتبيني ..عاقبيني إن شئت
امنعي عني عبير أنفاسك والهواء
واتركيني تائها مختنقا في تجاويف الفؤاد ...

لازاد من فمك ..ولاماء في سِقاء
أو خذي أظافري لتحفري لي
قبرا عميقا بالبيداء
ثم ارم كلماتي خلف الشمس
أنثريها أشلاء
وامنعي عني صوتك والمطر وريح الشتاء
عذبيني قبل الممات ..
منك خرجت وإليك أعود وفيك البقاء
صيريني قطعا من الثلج
واحجبي عني الحر والضياء
حتى أتحسسك في أحشائي صقيعا
يثلج صهد الشوق ولهيب اللقاء
وإن شئت ..
حرمي عني عشقك أو اغفري لي كل الأخطاء
كما تشائين ليس كما أشاء ...
************************
حميد يعقوبي/القنيطرة/22/10/2014

بَيْنِيَة الذّات بين المرآة والبحر/إدريس زايدي

بَيْنِيَة الذّات بين المرآة والبحر
في ديوان " المرآة والبحـْر "
 للشاعر عبد الله فراجي
    



إدريس زايدي

( أقف أمام المرآة . يعتريني الخوف . أكتشف أن الآخر ليس سواي )
============
لا شك أن ديوان الشاعر عبد الله فراجي يحمل أسئلة وجودية ملحة من خلال اختيار عنوان "المرآة والبحر" . وحيث لا يمكن الإلمام بكل الأسئلة ، لا ينبغي أن ننتظر من الأجوبة أن تكون كافية ، بقدر ما يمنحه الديوان من وجوه للرحلة السندبادية برا وبحرا . فالديوان بالقدر الذي يبدو واضحَ المعالم لغةً وأسلوبا وتصويرا ، فهو يخفي أسراره وعمقه تحت لغة آمنت بأن الشعر لا يكون في ظاهره ، بل ليس الظاهر سوى رؤيةٍ لعاشق يمنح نفسه حق القراءة والنظر كمعبر نحو متاهات التولّـُه في الذات حين يحاصرها صوتُ الصورة ووجه الماء .
في بينية الذات
إن عنوان قراءتنا اخترناه أن يكون مصدراً ب" بينية الذات " ، وشرعية الذات تحضر في الديوان من زاويتين : فأما الأولى حديثُ الذات الشاعرة مع صورتها على المرآة كفضاء محصور. وأما الثانية فرغبة الذات في رؤية ذاتها في الامتداد بحرا . ومن هذا المنطلق تتأسس المفارقة الأساس ، هي صوت الصراع بين المحدد وغير المحدد ،وذلك اعتبارا للذات كأيقونة منفتحةٍ ومتشظيةٍ في الكلمات وبالكلمات ، حيث تنعكس امتداداً يضارع البحر ، فكانت المرآة وكان البحر على طرفي انصهار يشكلان بنية الذات التي تتموقع بينيا ، وتتراءى من خلال فضاءين ، هما وجه المرآة ووجه البحر الذين يخفيان رؤية الشاعر الذاتية ، والتي نبادر بالحكم عليها بالانكسار.
وإذا كانت البنية بمفهومها العلمي تهتم بكل العناصر المشكلة لمنظومة العمل في تفاعلها وتشاكلها ، فإن ما ينبغي الاهتمام به في العمل الأدبي عند شاعرنا ، هو ما يحدث من نقلات بينها ، أي كيف تتسلل بنية نحو أخرى بناء أو هدما لتشكيل نموذج بنائي جديد . فمهما كان البناء متماسكا وقويا فمبدأ الهيمنة يحيل على بنيات صغرى ، قد تكون إحداها بؤرة العمل ، حين يتجه صوبها باقي البنيات دون أن يتساوى الكل مع الكل . وهو ما يستدعي قراءة أعمق للديوان ، تتبع مجمل الاتجاهات الدلالية فيه . ولعل هذا ما تقصده العناوين الكلية والفرعية حين تطلق التسمية بدقة ، إذ يصبح العنوان حاملا لدلالة نصية هي عينه .أي يصبح العنوان نصا قائم الذات من جهة البناء والدلالة ، ويكون مكونا بنيويا أساسا في منظومة البنية العامة للنص كمعنى جنيني وتكويني ، يستهدف تحقيق دلالة مهيمنه ك"موتيف " رمزي دال على رؤيا الشاعر كلا أو جزءاً ، تلك الرؤيا التي لا يمكن البحث عنها إلا بين المرآة والبحر .
صورة الذات في المرآة والبحر
إن عنوان الديوان "المرآة والبحر" ، يستدعي إواليات قرائية حول الخلفية الثقافية لرمزية المكونين الذين جاءا متعاطفين تناظريا ، مما يحيل على التساوي من جهة التعريف والإفراد والدلالة . فالمرآة بحر، والبحر مرآة . وهي المعادلة التي تحققت في الذات كبنية شعرية على مستوى التخييل والتصوير . وحيث لا تنعكس الذات إلا من خلال المحمول الذي تَشَكَّل فيها ثقافيا واجتماعيا ونفسيا ، جاءت الصورة تمويها لغويا يتجاوز مساحة المرآة ،وذلك لتعانق البحر بإيحاءاته وأسئلته عن طبقات الغور فيه .
إن المرآة بهذا المعنى تبدع الصور ، وهي مصدر التأمل ، ففيها يتحقق طموح الكلمة أن تصبح وسيلة للتأمل ، بل تسعى الكلمة إلى أن تكتسب قيمتها الصورية من خلال فعل الارتماء على المرايا لتتعقد الصورة أكثر كلما انثنت لتتحول إلى شظايا وتموجات لغوية تصنع بنياتها المتحركة والمتسارعة ، وهو ما استدعى الشاعر أن يقرن المرآة بالبحر ، لأن هذا الأخير هو التجلي لمواجدَ لم تعمل المرآة سوى بتحريكها . وهذا ما سيحول كل واحد عن فعله الأول إلى الثاني ، فيتحدا في ذات الشاعر. فالمرآة منبع والبحر مصب ، وبينهما تتشكل بنية الذات في تحولها الإشراقي الحالم . رغم ما يستفاد من المعنى الظاهر من انكسار .
إن الذات لا تعدو كونها بناءً رمزيا ، تستمد كينونتها من خارجها . فالشاعر عبد الله فراجي يستوحي من ثنائية المرآة والبحر أسئلة انطولوجية يحاور من خلالها الأمداء ، فيسمي مكوناتِها بلغة ذاتية تختصر الفعل الحضاري كرؤية حالمة للوجود . وعليه تغدو المرايا حسب قول كاستون باشلار: " أدوات كثيرة التحضر ، كثيرة الاستعمال ، كثيرة الأشكال ، هي بكل تأكيد أدواتٌ للحلم من أجل أن تتوافق مع عالم الأحلام "[1]
وليس ترادف المرآة والبحر غير استحضار لعمق الشاعر في الكلماتالمحملة بالمدلولات المحتملة والخلفيات الثقافية التي تفتقر إلى ضرورة التأويل ، لأن طبيعة اللغة كرمز هو تعلقها بالواقع وانفصالها عنه في الآن نفسه ، وهو ما جعل الشاعر يبحث عن تجليات علاقة اللغة بمظاهر الثقافة التي يراها في المرآة كمعادل للواقع الثقافي غير القادر على التعبير عن نفسه بتحويل اللغة إلى كلام ، حيث يكون الاستعمال ترجمة لحقيقة الفعل عند الإنسان. وهذا الأمر سيجعل من بنية الذات موضع البوح الشعري ، تسائل وتسأل عن الوعي الشقي لدى الشاعر، على غرار الشاعر الفرنسي بودلير الذي عانقمرآته في قصيدة " الإنسان والبحر " من ديوانه "أزهار الشر" بقوله :
إنسان حر ، دوما تحب البحر
البحر مرآتك ، تتأمل روحك
تسير كموج دون انتهاء
وفكرُك غورٌ ليس أقلَّ مرارةً
فيُعجبك أن تَسْبح في صورتك
تُـــقبلها بعينيك واليدين
فالمرآة تلعب دورا كبيرا في تحقيق التوازن ، حيث تصبح بؤرة لشبكة من الصور والموضوعات ، وهي – المرآة – قد ارتبطت على مرِّ الزمن بثقافة الماء والبحر ، فهي البريق واللمعان أشبه بالسراب . والماء بهذا المعنى يشبه الأحلام ويستدعيها بشكل قوي ، ما دام القاسم هو ذلك الانعكاس الوهمي بالشيء .هكذا تتجاوز المرآة أن تعكس صورة الإنسان ، بل يصبح الإنسان هو نفسه الصورة المجازية للأشياء بل لكل محيطه ، إنها عملية الرؤيا الشعرية التي لا تتحدد بالأشياء ، بل بظلالها . وعليه يكون الشاعر صوتا للمرآة والبحر معا . بل صورة لكل ما يعيشه حبا وفكرا وتاريخا وثقافة، كرمزية للوجود الذي يسكنه . ومن هنا تعلق الشعراء كما شاعرنا عبد الله فراجي بالماء كعنصر للحياة ، خاصة وأن وجهه البحري تحول إلى مرآة مستفزة لأسئلة الذات عن بنيتها ، وأمست الصورة وجها يترجم العلاقة مع هذه الحياة ، أشبه بعلاقة شرعية من حيث كون كل إنسان يتآلف طبيعيا مع نمط من الرؤيا لوجود يتنازعه الجبر والاختيار .
إن لفظة المرآة أمست مفهوما أساسا في الشعر العربي ، وذلك مما يختزله من دلالة رمزية ناتجة عن توظيفه كتقنية ، وهي التقنية التي لم يُولِها النقد العربي الحديث عناية قدر الاهتمام بالقناع وأنواع الرمز ، رغم الحمولة الدلالية التي اكتسبتها المرآة منذ القدم . فالبحر صورة رمزية لنفسية الإنسان العربي ، كما جاء في قول امريء القيس :
وليل كموج البحر أرخى سدوله *** علــــي بأنواع الهمـــوم ليبتـــلي
ونفس الحال عبر عنه الشعراء المحدثون . فهذا الشاعر علي جعفر العلاق[2] ، يقول :
أرى ماء المرايا مائجاً فينا
استحلنا كلُّنا الآن مراياها
اشتعلنا في لظى الماءِ
تَرى فينا ندى فضّتها.
وفي هذا الصدد يرى جابر عصفور أن استخدام الأدب للمرآة كانعكاس يؤكد " ثبات الأدب إزاء موضوعه ، ومن ثم ثبات صورة المرآة إزاء ما تعكسه " [3]. فبهذا المعنى فإن الذات تعكس موضوع إدراكها وتحاكيه بالطريقة التي يماثل فيها العمل الأدبي صور المرآة ، ويتضح ذلك عند الشاعرعبد الله فراجي وهو يتحدث في المقطع الثالث ( في عمق الذات) من القصيدة التي تحمل عنوان الديوان (المرآة والبحر ) ، يقول وبطريقة توصيفية سردية لأناه المعذبة :
وأنا في تلك اللحظة كنت صبيا
أخطو نحو سواد اللجة والبحر
تشرق أنفاسي من ظلمات البحر
إلى أن يقول :
وعلى جسدي ...
اَلمرآة انتصبتْ
عكست عنف الأبعاد المحترقة
كانوا خلف المرآة .
على جسدي ...
المرآة انكسرتْ
سقطتْ أشلاء في الوطنْ..
شنقوني ولا من يدري .
إن الشاعر عبد الله فراجي في ديوانه يستعمل المرآة كتقنية يستخدِمها بطرق متعددة ومتنوعة ، فتارة تعيد المرآة تشكيل الكون وتصوره من خلال ما تحيل عليه من موضوعات وتارة تأتي كمرآة لتصوير الجزئيات وأخرى تحيل على الصور المعنوية في تعددها الانشطاري . وتصبح الذات تبعا لها بؤرة التشابكات ، لدرجة أمست الدلالة زئبقية متحولة ، لكن بوعي وإدراك شعريين لموقعها. فهي تارة مطابقة للمرآة من حيث المكانية حيث يقول : (وعلى جسدي .../ اَلمرآة انتصبتْ ) وتارة تتوارى خلف المرآة لتكون صورة للآخر في قوله : (كانوا خلف المرآة .../ على جسدي ...) وأخرى تتحول إلى جزئيات تعكس الوطن ، يقول (المرآة انكسرتْ .../ سقطتْ أشلاء في الوطنْ.. ) وبين هذا وذاك تتشكل الذات في الوطن ومنه كما تتعلق بالمجتمع ، على سبيل التشظي كحالة وجدانية انكسارية أمام شبح مجهول . ويتضح ذلك من خلال نسْبِ فعلِ الكينونة إلى واو للجماعة (كانوا ) . فالشاعر لا يمكن أن يكون إلا ذلك الذي خانته المرآة التي لم تعكس صورته ، بل مارست عليه عنفها التغييبي الإقصائي ليجد نفسه في قبضة الجماعة التي مارست قسوتها ، بإلغاء صورته ، وبالتالي تصنع مرآتها الخاصة من الخلف . ويتحمل الشاعر عبء تحقيق رؤياه حين يجعل من المرآة قوة تثور طوعا في وجه انكسارها لتتحقق كلا منسجما من خلال تحولها إلى أشلاء في الوطن المكان والجسد ، وهذا ما يفسر علميا أن كل تحول هو إحالة على بنية أخرى جديدة .
الذات مرآة ثالثة
إن الشاعر عبد الله فراجي بين صورتي المرآة والبحر يصنع مرآة ثالثة في ذاته ، تعكس تجربة الاغتراب في مستويات عدة ، لعل أبرزها الموقف تجاه قيم الخيانة والغدر التاريخيين .
وبنَفَس درامي يستحضر تفاصيل الأشياء في قصيدة ( عندما أقرأ التفاصيل والمتناقضات ) . وهي مجموعة من اللوحات لا تتضمن لفظتي المرآة والبحر ، لكن المقاطع الخمس عشرة تحولت إلى مرآة يقرأ فيها الشاعر ذاته من خلال صورة الآخر المتسلط والمتجبر،يقول[4]:
عندما أقرأ التفاصيل التي أرقتني...
في معابد المدن العتيقة ..
وأرفع رأسي مخترقا لون السحابِ...
أتحلل كينونة هجينةً ..
في ساحة كبلتها الحجارة ..
وإذا انهالوا فوق رأسي كالجبال ْ
أموت منتشيا بالمرارة .
وبهذا المعني تتحول الذات نفسها إلى مرآة ، تحمل أشكالا من الصور والأصوات ، وتواصل الإبحار في قضايا وطنية وقومية عربية .
ورغم أن البحر كلفظة في الديوان جاء قليلا بالمقارنة مع المرآة ، فإن حضوره في قصيدته الأولى بل في جل شعره من خلالما يستدعيه كلمة " السندباد " كملازم أسطوري ، أكسب صورة البحر أبعادا انزاحت عن معناها الحقيقي لتحمل دلالات ورؤی جديدة ، وأحياناً تصبح رموزاً قوية في المنجز الشعري كله ، بحيث تدل علی حالات الاغتراب المتنوعة ، فتجاوزت دلالة الترميز للحياة والخصب ، لتدلّ علی الحالة النفسية المنكسرة لمشاعر الذات وشعورها باليأس وفقدان الأمل في حقيقة الأشياء. وهو مقصود من الشاعر عبد الله فراجي حين جعل من العنوان نصا يوجه القاريء للغوص في عوالم السقوط والانكسار من حيث الأبعاد السياسية والوطنية والقومية على غرار شعراء الحداثة في المغرب . فالبحر بالقدر الذي يحمل دلالة ترمز للخوف والغموض والرحلة في طريق الحياة ، وارتياد المجهول ، فإنه عند الشاعر وسيلة لمحاكمة الواقع غير المحدد المعالم . أي يستعير صورة البحر كرد فعلي تجاه قيم الواقع المنحطة ، وإعطاء الذات بنية قادرة على المقاومة . وهنا يتوحد الشاعر مع البحر ليؤكد من خلاله صورة الواقع الباعثة على التأمل .إنها ممارسة لفعل التواصل عبر لغة الجمال التي تكونت في الذات كرمز لغوي والبحر كرمز طبيعي ، وبين المرآة والبحر كان صوت الشاعر مرآة ثالثة .
إن البحر عند شاعرنا يعكس الطموح إلى تجاوز الواقع نحو عالم أكثر اتساعا ورحابة ، حيث تُحقق الذات كينونتَها في بُعديها الفردي والجماعي ، وهي نظرة ثنائية أكد عليها عز الدين إسماعيل بقوله :" عادية على المستوى الجمعي للإنسان ، لأن قصة الإنسانية إجمالاً هي قصة المغامرة في سبيل كشف المجهول ، وهي غير عادية على المستوى الفردي ، لأننا ألفنا الفرد الذي تتلخص فيه التجربة الإنسانية ... "[5] . فصورة الأنا / الذات السندبادية ، تحضر في الديوان بشكل مكثف ومتوال ، فتارة كصوت موجه لخارجها ، يقول الشاعر [6]:
رفعتُ راحتَيَّ كالمجنون أقطف الحروف
وأجمع المتلاشيات من الورق
أبني الحكاية والخيالْ
وتارة تستبطن الفعل الخارجي مستعينة بالمرآة ، حيث يقول [7]:
في صورة هذا الكون
كسروا الوردة في ظلي ،
واقتحموا ما في عمقي ،
وأعادوا تشكيل المرآة ..
تركوها غائرة ..
في درج من حجرْ ..
وبينهما تتوزع رؤيا الشاعر لتُبَنْيِنَ الذات في مواجهة أهوال رحلته السندبادية ، حيث يبحث عن لغة الخطاب الشعري المتعالي على لغة الخيانة والغدر في الواقع الذي يحمل رؤيا وجودية كوعي بانكسار القيم ، إلى جانب البحث عن جذوة نورانية تختصر الرحلة اللامتناهية . وعليه يجعل من الماء لفظا مرادفا للفظة البحر، فهو مادة شفافة التي تملك قدرة التطهير والكشف عن رغبة الذات في التحول عما علق بها من خداع ، كما تبين الأسطر التالية من مقطع ( الممنوع من الصرف) [8]:
يا هذا الشبقي المخدوع ،
يا هذا الحامل كأسا يشربها سمّاً ،
يا هذا المتصلب في رائحة الخوف ...
وقميصك مبلول عن آخره ،
مثقوب من طرفيه ْ.
إلى أن يقول :
يا هذا المخدوع المتباهي،
هل تستجمع قاربك البحري وتبحر ..
من أبراج الآلهة
فمتى ترحل ..؟
ومتى يأتيك حمامة نوح من زخم الطوفان ؟
إن صوت الشاعر عبد الله فراجي بصيغة النداء ، هو صوت موجه لمخاطب يشير إليه ب(هذا) . والمشار إليه هنا معلوم بالإشارة ، مجهول لأنه بدون تسمية . وحيث أداة النداء (يا) للبعيد ، دل الخطاب على معاناة الذات بين صورة الثبات (هنا) وصورة السفر(هناك) . فالمرآة الذاتية تنزع نحو الامتداد والهجرة نحو آفاق أرحب ، يقول :
أنا هنا ،
كالسندباد مهاجر ..
بلا سلاح في خطاي
لكن هجرة الشاعر لم تكن سوى سفر في الذات التي لم تنجح في أن تتحول إلاَّ نحو نفسها ، فيصبح صوت الأنا مشروخا في يد الآخر الذي يمارس عليه فعل الخيانة والتدمير القسري ،ويحوله إلى قربان هديةً غير مستحقة للآلهة في واقع مشحون بالهوان ، يقول [9]:
وصولتها تُقدّمني ..
قربان عيدٍ ..
في براكين الهوانْ .
إن الشاعر بين المرآة والبحر يتحول هو نفسه إلى مرآة ، حيث يعكس أفكاره ومواقفه وهو مؤمن بدوره الفكري ، فيحاول ترجمته وتصويره كانعكاس لوعيه الشقي ، في انزياح لغوي يعيد بنية الذات كشفا للاوعي الراكد فيها . ويعيد بناء المسافات الزمانية والمكانية فيطفو العقل الباطن ليعبر عن قضايا الذات الكبرى ، المتمثلة في قضية فلسطين والعراق في قصيدته ( مديح لشقائق النعمان) يقول [10]:
من جدار الخيانة ،
من سجف السحب ،
من مراكب تجمعنا في الرياح ..
إلى أن يقول [11]رافعا من قدر الشهداء :
أستشرف للشهداء قوافلهم
ثم يعود إلى صورة الذات يفضح حالها ، حيث يقول [12]:
فأنا لا أملك سرا أخفيه
بل أخجل من علن قد يفضحني
وفي هذا السياق تتحد رؤيا الشاعر البنائية ، حيث يسقط قناع المرآة ليكشف عن لعبة التجلي والخفاء بلغة كمال أبو ديب ، فهو لا يملك سرا بل يملك الخجل والخوف كقدرة ليس سهلا امتلاكها رغم ما فيهما من سلبية الدلالة . وحين نتأمل السطرين ، نرى أن المعاناة تأتي من خارج الذات ،أي من الآخر الذي يملك سلطة العقاب والفضح . فالشاعر يخشى التهمة ، مما يحول الجهر والوضوح إلى غموض وسر . وقد عبر عن ذلك بالضد ، وهو ما يجعل من بنية الذات في تحول مستمر . لأنها في كل مرة تأخذ لبوسا مغايرا لا يمكن الكشف عنه إلا في ما يتيحه السياقات من تأويل لباقي الأبنية السياقية والنصية والدلالية . فمعنى الكلمة كما يقول عبد السلام المسدي لا ينكشف إلا في حقلها الدلالي ، ضمن " ما تمثله کل الکلمات التي لها علاقة ما بتلك الكلمة سواء کانت علاقة ترادف أم تقابل الجزء من الکل أو الکل من الجزء " [13] .
إن المغامرة الفنية عند الشاعر عبد الله فراجي تحمل طابع مغامرات السندباد .فالشعر رحلة كشفية عن ماهية الوجود ، وبحثا عن سبل التحرر من أسر التخلف والقهر والانحطاط . هو بحث عن القيم الإيجابية في عالم منحط ، مستعينا بتقنية المرآة ليرى من خلالها كيف تتكون بنية صورتها ضمن باقي العناصر المكونة لرؤياه ، والتي عانقت عالم البحر تطهيرا عبر الرحلة والبحث عن الأفضل ، كما جاء في قوله تعالى: ( ربُّكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيمَــاً ) [14]. وقد عبر عن ذلك الشاعر مستحضرا قصة الطوفان قائلا:
ومتى تأتيك حمامة نوح من زخم الطوفان
بغصن،
من وحل النهرين بماء.
فقد استعمل الشاعر استفهاما انكاريا ، ينكر في بنية اللاواعي للذات أنْ تجيءَ حمامة نوح بغصن . لأن الطوفان لا يشبه الطوفان الذي يعبر عنه ، فهو من وحل النهرين في إشارة إلى دجلة والفرات كرمزين للحضارة العربية الموؤودة . هكذا يستحضر الشاعر قصة الطوفان بصورة إيجابية يجعل من وحل النهرين مكانا لنبع الماء حيث الخصب بعد إبعاد كل عناصر اليباب المتمثلة في إبعاد الظالمين ، كما في قوله تعالى( وَقِـيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِين)[15] . فبالقدر الذي تحضر المرجعية الدينية ، تحضر ثقافة الشاعر الفلسفية والشعرية اللتين أسعفتاه على استدعاء رمزية عشتار[16] وجلجامش [17]وبابل [18] والريح[19] ، وكلها وردت في قصيدة " تحولات" [20] ، لتؤسس صورة المفارقة الذاتية لدى الشاعر من خلال تبني رؤية جلجامش الذي لم يستسلم لفتنة عشتار اللعوب لإيمانه بأن ظاهر الأشياء لا يعكس دواخلها ، حيث يقول [21] :
فتحت أبواب أنوثتها للأغراب
صاحت من شدة لوعتها ..
ثم احتضرتْ .
وأمام هذه الصورة التي تعكس السقوط ، يبحث الشاعر عن الصورة الإيجابية ،يقول [22]:
جلجامش ..
عاشق عشتار ..
عاشق بغداد ..
حبك يعصف كالطوفان ..
وهنا يستعين الشاعر بالمرجعية التاريخية التي تحكي عن بلاد الرافدين وجلال النهرين ، إذ يتحول التاريخ إلى قوة مرآوية ، تعكس صورة الذات القلقة والتي تحاول أن تجد مستقرا لرؤيا شعرية ، تبحث عن شيء يمنحها القدرة على الوجود. فتتحول الأنا إلى صيحات تعلو تارة وتخبو أخرى ، يقول[23] :
قاف معقوفةْ ..
صحراء وغبارْ ..
سقطتْ في الرملَة والأنبارْ
جلجامش .. عاشق عشتار ،
يمتد ويخترق اللعنات ،
كالمارد يعلو ..
فوق صقور الهكسوسِ ..
وزبانية الرومْ
وأباطرة الفرس ..
إن الشاعر قد شحن السياق الشعري بشحنة شعورية ، استطاعت أن تجعل من المرآة والبحر في النص ،رمزين يكتسيان دلالة وظيفية تشير الی ماهية الوجود . وبُناء على هذا الکشف الدلالي ، ابتعد عن الأبعاد المعروفة ليجعل من المرآة خطابا شعريا ذاتيا ومن البحر امتداداتها الحُلْمِية ، كما يقول يونغ نقلا عن ريتا عوض ، فالبحر" يرمز الی اللاوعي الذي تتحشد فيه آمال الإنسان وأحلامه ورغباته عارية عذراء لم تعرف قناعاً " [24]
فالشاعر يطهر ذاته ، ويعطيها شحنة قوية وجريئة ، يخاصم مرآته وجها لوجه مع صوته الداخلي ، هو صوت الأنا المشروخة بالطعنات . والنص الأخير في الديوان [25] ، خير تعبير عن رفض السقوط في شرك الواقع العربي الموبوء . فهو رغم الأيادي الآثمة التي تشكل بنية المجتمع العربي باسم الجبروت ، لا يستسلم ، يقول[26] :
يا هذا الصخر العاتي ،
تسرقني من ذاتي
تمنعني من نحت الكلمات ..
إلى أن يقول [27]:
لكن أرفض أن أسقط منهارا ،
وأمزق لائحة الترتيبات ..
أرفض نور الشمس إذا ذبلت أوراقي ..
وأطهر ذاتي ..
بالحب وبالكلماتِ.
والشاعر في موقف الرفض يطفئ لمعان المرآة وبريق البحر ، حين يقرن بين ذبول الأوراق ونور الشمس ، كدليل على اختلال التوازن في بينة الأشياء . وهو بذلك يحلم بإعادة الأسماء التي يكشفها نور الشمس ويعريها ... وفي ذلك تشكيل لرؤيا الذات بين الانكسار والأمل على غرار الشعراء المحدثين ، مع تنوع أعطى الديوان سعة بحجم البحر بإيحاءاته الرمزية لعلاقة الذات بالواقع العربي الجريح .
تلك كانت مرآة الشاعر عبد الله فراجي والتي لا يمكن سبر أغوارها إلا لمن عانق فيها البحر عبر قراءة وتأمل كبيرين للديوان الذي استضاف تجربةً ذاتيةً لشاعر آسرته شعرية المرآة والبحر فجاء صوتا مرآويا ثالثا هوعنوانُ بنية الديوانِ العميقة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إدريس زايدي ــــ
الهوامش :
ــــــــــــ
[1] كاستون باشلار، الماء والأحلام " ص32
[2]- علي جعفر العلاق ، ديوان " أيام آدم " قصيدة ( أغنية المرآة ) ص5
[3]- جابر عصفور ، المرايا المتجاورة ، ص 37.
[4]- الديوان ، ص 38
[5] - عز الدين اسماعيل ، ( 1972 م): الشعر العربي المعاصر / قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية ، ط 2 ، بيروت ، دار الثقافة 1972 ص 203.
[6]- الديوان ، حروف تنبت زهرا ، ص 1 .
[7]- الديوان ، صور من قطف الريح ، ص 70 .
[8]- الديوان ، "تحولات " ص 20 -22
[9] - الديوان ، ( عابر في خطوها ) ص 69
[10]- الديوان ،( مديح لشقائق النعمان) ص 15
[11]- النص نفسه ص 16
[12]- النص نفسه ص 17
[13]- المسدی، عبدالسلام الأسلوبية والأسلوب، نحو بديل ألسني في نقد الأدب، تونس، الدار العربية للکتاب. (1977م)ص150
[14]- سورة الإسراء: الآية ، 66
[15]- سورة هود ، الآية 44
[16]- الديوان ، ص 19 و 25
[17]- الديوان ، ص 24
[18]- الديوان ، ص24
[19]- الديوان ،ص19
[20]- الديوان ، ص 19
[21] - الديوان ،ص 19
[22]- الديوان ، ص 28
[23]- الديوان ، ص 27
[24]- ريتا عوض: أسطورة الموت والانبعاث في الشعر العربي الحديث ، المؤسسة العربية للطباعة والنشر بيروت 1978 ، ص 103.
[25] - الديوان ، قصيدة " تطهير الذات " ص 81
[26]- الديوان ،ص 81
[27] - الديوان ، ص 82

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Best Buy Coupons تعريب : ق,ب,م