الجمعة، 15 فبراير 2013

"هديل السحر: ديوان على محك الزمن"/بقلم :سعدية اسلايلي

"هديل السحر:
 ديوان على محك الزمن" تيمة الزمن 
في ديوان هديل السحر للشاعر بوعلام دخيسي

بقلم :سعدية اسلايلي
شاعرة وناقدة من وجدة /المغرب
سحر العتبات :
1- الغلاف إمعان في الانزياح والتغريب
اختار الشاعر مند الوهلة الأولى وضع حواجز متعددة في وجه المتلقي السهل والمستريح ومارس أكبر قدر ممكن من الحصار على المعاني الأولية البديهية وهو بذلك يفسح مساحة لا محدودة أمام التأويل والتأويل المشترك أو المضاد لنصوصه التي مارس عليها حمائية تعبيرية من نوع خاص . تزيد في إغرائها تماما كما يزيد الحجاب في سحر وجاذبية النساء
2-الإطار :

ألوان متداخلة وثانوية ومتدرجة بشكل موهم.

3- لوحة الغلاف
لمحمد سعود الذي ساند الشاعر في تكثيف التغريب على مستوى العتبة الأساس: اللوحة، فهي تنتمي إلى التيار الانطباعي حيث اللون وريشة الفرشاة يحدثان انزياحا عن التصويرية الفجة ويفسحان مجالا للإحساس والتأويل والقراءة وبالتالي التفاعل. تبدو الأشكال في هذه اللوحة كأنها خلف نافذة ماطرة بما يفيده الماء المنهمر من أبعاد جديدة للون والحركة والأحاسيس. وهو ما ينفي الثبات والبساطة في المعاني الممكنة والمتضمنة في المتن.
تؤثث اللوحة إلى انزياح ضبابي للمعنى ويصبغ عليها غشاوة من المتخيل والأحلام.

4- العنوان: اللغة الزئبقية والمعنى الهارب وتقنية التمنع المغري.
يحضر الزمن مند الوهلة الأولى كوعاء يؤطر العلاقة بالقارئ، فهو يتموقع في ممر من نور بين زمنين نقيضين ، فالسحر بما هو مسافة مارقة بين زمنين يوحي بإمكانية التذبذب بين الواضح والمرموز من الكلام كما يوفر فضاء ملائما للتلاعب بالمعاني في رقص انسيابي بين المألوف والمستعار، بين البوح والتشفير، بين السهل البسيط والممتنع.
في الهديل تقمص متملص ومنفلت يتنكر بفضله الشاعر لصوته ويستعير حنجرة الحمام والهديل في الاستعمال العام صوت الحمام وهو في العرف الثقافي العربي ينطوي على الحزن والأسى ويخصص للإشارة إلى صوت الوحشيّ أو البريّ منها أو ما يعرف باليمام، وهي المطوقّة، والقمرية أيضاً، ونلاحظ أيضاً أن الشعر الذي يتطرق إلى القمريّ أو الهديل.
جاء في اللسان: الهَدِيل صوتُ الحمام، وخصَّ بعضهم به وحْشِيَّتها كالدَّباسِيِّ والقَمارِيِّ ونحوها، هَدَل القُمْرِيُّ، وفي المحكم، هَدَل يَهْدِل هَدِيلاً.
يقول بشار بن بُرد :
وقد زادني شوقاً هديلُ حمامةٍ *** على إلفِهـا تبكي لهُ وتُطَرِّبُ
جرير :
أما الفؤادُ فليسَ ينسى ذِكْرَكُم *** ما دامَ يهتِفُ في الأراكِ هديلُ
طرفة بن العبد :
فلا أَعْرِفَنّي إن نشدتُكَ ذِمّتي *** كداعي هديلٍ لا يُجابُ ولا يَمَل
عمر بن أبي ربيعة :
إنَّ في النفسِ حاجَةً ما تقضّى *** ما دعا في الغصونِ داعي هديل
البحتري :
وهيّجَ شوقي ساقُ حُرٍّ أجابَهُ *** هديلٌ على غُصنٍ من البانِ أفرعا
ونلاحظ أيضاً أن الشعر الذي يتطرق إلى القمريّ أو الهديل ينطوي على الحزن والأسى والحنين كما يتضمن الدعاء والتضرع والتهجد.
وفي الحكايات الشعبية؛ إن اليمامة وهي تهدل على الشجرة فهي تبكي أخاها الذي قتل صغيراً، وكانت غائبة وعندما عادت وجدته مقتولاً فرمت نفسها عليه وتمرغت في دمه المسفوك فأصبحت ساقاها حمراوين وكان أخوها يدعى "قيساً" فهي ما تزال تناديه وتنوح عليه وتندبه بقولها: يا قيس قُم، يا قيس قُم، صلّي وقُمْ صَلّي وقُمْ.
وفي الثقافة الشعبية فإن الحمام البري يذكر الله في أوقات السحر والغروب كذلك وهذا يؤكد القيمة الروحية والعاطفية العالية . وقد ورد في سورة الذاريات قوله تعالى ‘‘وبالأسحار هم يستغفرون.
وورد في تفسير : التفسير الكبير للإمام فخر الدين الرازي: ‘‘ و وقت السحر تجتمع ملائكة الليل والنهار ، وهو الوقت المشهود ، فيقول الله على ملء منهم : إني غفرت لعبدي.
أما في الثقافة الشرقية القديمة عموما فإن وقت السحر هو وقت تنبعث في الطاقة الكونية الخلاقة في أكمل درجاتها وان الإنسان بقيامه بالتعبد أو التأمل إنما يستفيد من هذه الطاقة أو البركة ...
فليس عبثا أن يختار الشاعر هذا الوقت من النهار ليبثنا هديله أو ابتهالاته الغارقة في القدسية والملتحفة في وشاح من الزمن.
فالحنين أو الشجن أو الاستغفار هي عمليات لا معنى لها خارج الخلفية الرمزية للزمن. فمن لا ذاكرة زمنية له لا يدرك معنى من قبيل الاستغفار ولا الحنين ولا الشوق ولا غيره من المحمولات التي تزخر بها كلمة هديل. فالعلاقة بين الكلمتين علاقة إضفاء الشرعية والتسويغ والتغريب المتبادل مما يصطحب القارئ في رحلة تغشاها الضبابية ويلفها نوع من الخدر والارتفاع وهي حالات تشبه حالات الجدية الجماعية أو التأمل الروحي الفلسفي أو قل الصلاة الجماعية في وقت من اكتمال الاندماج بين الإنسان والكون بين العنصر والكلية وبين الذات والروح الكاملة كما في التصوف.
من هنا يتضح التورط الكامل للمجموعة في لعبة بالوقت يؤطرها فضاء الزمن. لعبة حيث الاحتفاء بالتفاصيل في بعدها المتحول والشفاف الخاضع لمتغيرة شكلت وتشكل رافعة أساس للفكر الفلسفي الإنساني، لازمة عابرة للحضارات والقارات والأزمنة.
فكيف حضر أو بالأحرى اخترق الزمن نصوص بوعلام دخيسي وهل كان لهذا الاختراق إضافات رمزية لمقاطع هذا الهديل المتنوع ؟ و ما طبيعة هذه الإضافة الرمزية المحتملة؟
أولا: النسبية في الزمن بين نظرية نيوتن وهديل السحر .
1ـ وأنا عندي حنين...ص13
... فجاءت في ختامي بالبداية
.. أنا عندي حنين
أن أعيد الدائرة
أن أستعيد طفولتي
وفصول حبي النادرة .
يكتسب الزمن صفة الدائرية ويخرج من خطه التقليدي ليتحكم فيه الشاعر حسب حنينه الخاص .
2ـ رقص الطفولة ص18
ويكبر الطفل في نفسي وأنفاسي
يقلب الروح من كأس إلى كاس
......
العمر سيدتي ثوب وألبسه
متى أشاء على ذوقي ومقياسي
أليست دائرة للزمن في محورها ذات الشاعر ومشاعره .
3-إلى ابنتي
ص 42
في الصبح إذا أغدو ....
وإذا أجهش في البيت صقيع الليل ....
أتحمل كل سياط العيش
صباح مساء .
أستجمع كل الماضي والحاضر
لأرى يوما من مستقبلها الغابر .
يتلخص الماضي والحاضر والمستقبل في ظل ابتسامة طفلة تتطلع إلى آفاق المستقبل
4-هرمنا
ص 69
شباب الكرامة مروا كراما
فأدبر شيبي يدير قفاه
نسيت سنيني ولدت لحيني
وعدت صبيا يجاري صباه
سأكبر حتى أصير جنينا
ويصغر في الشمس أعتا الطغاه
هو العمر ما اخترت كيف ابتدا
فدعني أقررْ أخي منتهاه
نص يتحلل فيه الزمن ويصير مطاطيا لا يحمل في حد ذاته أبعادا موضوعية بل يصبح وعاء نسبيا تملؤه القيم العليا وتمده بمعناه وتعطيه مداه ، قيم جديدة حملها الربيع الشعبي من قبيل : الحرية والكرامة ..
ثانيا: زمن الطفولة: ذلك المهجع الآمن من سطوة العمر .
1ـ متى أكبر؟ ص21
وتسألني متى أكبر؟ ...
تبسم للصبي فمي
وقلبي موجع يضجر.
في وطن لا يصلح إلا للهجر يصبح العمر شبحا والطفولة زمنا للاحتماء والاستقالة من الضجر.
ثالثا: الزمن: مشتل لنبتة الحقيقة والحكمة والكلام الإبداع .
1ـ الحزن النفيس ص27
أقول شعري شجا والعين تمطرني
دمعا فأغرس أرض العمر ديواني .
فالعمر تربة تخصب نبتات الكلام فتزهر شعرا وتثمر قصائد ودواوين والزمن هنا خميرة الإبداع وغذاء للقارئ
2ـ عذرا سأكذب ص 66
لكن ستمضي ساعتي وستقتفي
أثر الحقيقة يا أنا وتعذب
ستعود للصدق المرير مكبلا
ومرارة الأيام فيك تجرب ...
يصبح الزمن كاشفا للكذب ومحكا للحقيقة ، والدهر حكم غالب، حق وفيصل لا مرد له .
2ـ حوار المنتصف. ص 75
يحدثني عن زمان بعيد
يقلب في مقلتي الأليلا
يعيد إلى الروح روحا دفنا
ستبعث قال ويبدي الدليلا
تأمل معي يا بني بعيدا
وحرر شجونك وانظر قليلا.‘‘ بعد آخر من أبعاد الحياة.
يتقدم الزمن كمرشد يقدم النصح ويوفر المشورة ويتيح التأمل والحكمة.
رابعا: الزمن قيمة مضافة وبعد
1ـ أنت لها ص44
سألتني عن حقول لم تبد أبدا
وعن ربيع بطول الحول ممشاه
سألتني عن زروع الصيف ما ذبلت
وعن خريف عجيج الغصن يهواه
وعن شتاء صقيع الليل يلهبه
وعن لهيب ثلوج الصدر تغشاه .
يستفيض في الاحتفاء بالفصول الأربعة وما تحدثه من تغيير في الكون .
خامسا الزمن : أمانة ومسؤولية نحاسب عليها في الدنيا والآخرة .
1ـ قطار العمر ص24
تمهلْ قطارَ العمر واجبرْ فؤاديا ** فلا زاد عندي إن أتيت حسابيا
يطلب من العمر بأن يمهله قليلا لأنه لم يعد العدة للقاء الأخير.
2ـ قالت لي الساعة ص78
أصرخ واستصرخ ساعتهم أصرخ واستأسد في صوتك
والإشارة هنا إلى الساعة الموقف واللحظة الحسم والزمن المضاد الذي ينتصب في لحظة ما كبديل على زمن عصر بائد. الزمن كمرادف لمفهوم الغلبة عند ابن خلدون .
3ـ ساعة للصمت ص 81
أمهلوني سويعة سأناجي
حينها البحر ألطم الأقلاما ..
فكما هناك وقت للانفجار، وقت للتأمل، وقت للولادة، وقت للشهادة... هناك سويعة للصمت للإبداع. والشاعر يطالب باستراحة في خضم الضوضاء فقط ليرش بعض الكلام على وجوه الجرائد ولينثر بعض الدموع على خلفية الأوهام.



الاثنين، 11 فبراير 2013

اعلان

المقهى الأدبي وجدة
_________________
يقدم الفنان التشكيلي
 يحيى الدخيسي
آخر أعماله
مع قراءات من بعض نصوصه
التي تؤرخ لتجربته في المهجر
اللقاء من تنشيط الفنان التشكيلي
اليزيد خرباش
 
موعدنا يوم 16 فبراير 2013
ابتداء من الساعة الرابعة زوالا
بمقهى لاميرابيل
قبالة كلية العلوم وجدة

الخميس، 7 فبراير 2013

قصائد تتنفس تحت الماء: قراءة في ديوان "نخب حبنا قهوة سوداء" لحليمة الإسماعيلي

قصائد تتنفس تحت الماء: 
قراءة في ديوان "نخب حبنا قهوة سوداء" لحليمة الإسماعيلي

                                                 بقلم        فؤاد عفاني      
       
               قد يجازف المرء حينما يود منازلة شاعر على أرض يؤثثها القصيد وتزينها الكلمات، بيد أن احتمال المجازفة يزيد عندما يكون سيد الكلمة شاعرة من حجم الشاعرة الرقيقة حليمة الإسماعيلي. هذه السيدة التي ترعرعت بمدينة الفحم جرادة الواقعة شرق المغرب، ومن هناك صدحت بشعرها عاليا لتحظى بتكريم عديد من المنابر الثقافية في المغرب والجزائر وليبيا...وتكريما لهذه القلم النسائي الواعد سنحاول التحليق في فضاءات ديوانها الجديد"نخب حبنا قهوة سوداء" الصادر أخيرا[1].
             من بين الإشارات اللطيفة التي أوردها للباحث التونسي أبي يعرب المرزوقي –في معرض حديثه عن علاقة الشعر المطلق بالإعجاز القرآني- لدلالة الشعر اللغوية -، إذ يقول: ليس الشعر في لسان العرب إلا العلم مطلقا. وله بهذه الصفة أبعاد خمسة تتفرع على النحو التالي. فكلمة الشعر، مادة وبصرف النظر عن تغير شكلها، تبقى ذات صلة بمعنى العلم مطلقا وتنقسم إلى خمسة معان: أولها يحدد مدلول هذا العلم في علاقته بأدوات الإدراك، إذ المشاعر هي الحواس؛ وثانيهما يحدد مدلوله في علاقته بالإفادة التعبيرية، إذ الشعار هو العلامة المائزة للشيء والدالة عليه؛ وثالثهما يحدد مدلوله في صلته بفعل الجنس ومن ثم بالفعل المتصل ببداية الحياة، إذ مشاعرة المرأة هي ملابسة الرجل لها فيكون الشعار الذي بينها وبين الدثار؛ ورابعها يحدد مدلوله في صلته بالقتل، إذ الإشعار بالإدماء المؤدي إلى القتل أي الفعل المتصل بنهاية الحياة، والأخير هو المشعر والشعيرة في الدين ويتعلق بالعبادة مكانا وتمكنا[2]؛ بين كل تلك المعاني يتدلل شعر حليمة الإسماعيلي فهو قتل وحياة وخصوبة وتميز...، وقد ارتأيت أن أتوقف في هذه الدراسة عند حضور الماء في ديوانها ، ومن هذا المنطلق يستمد عنوان مقالنا " قصائد تتنفس تحت الماء" شرعيته المجازية.
         ارتبطت الشاعرة منذ 2002، بشكل وثيق مع الماء وتكفينا الإشارة هنا أن باكورتها الأولى كانت ديوانا وسم بــ"العطش"[3] لكن بعدما كان العطش والمعاناة والحلم علامات مميزة لأول عمل شعري للمبدعة، فإننا نواجه بقراءتنا لديوانها الجديد روحا تشع بالحياة ملؤها الأمل والحب.
     إن ديوان "نخب حبنا قهوة سوداء" إيذان بنهاية زمن العطش، أقول هذا لأن جل قصائد الديوان تتغنى بالحب شعرا.. وحتى تلك التي آثرت صاحبتها أن تلبسها ثوب الرثاء أو الوصف فقد تمردت وخذلت صاحبتها إذ جرتها نحو الذاتية جرا.. من ذلك ما نجده على سبيل المثال لا الحصر في قصيدة "تطوان" حيث تقول الشاعرة:
نائم وجهها على البحر
والبحر قصر من الصمت
وللبحر شرفتان
ولي شرفة على تطوان..
أنا والبحر عاشقان عتيقان
كبرنا في غربة حزننا.
والشيء يمكن أن يلمسه القارئ في قصيدة "باريس" كذلك، حيث تقول الشاعرة:
لست غريبة فيك
أنا الولهى
أعرف كل نوافذك المشرعة للغرباء
أبحث في مقاهيك
عن مواعد سكرى بالذكرى
         إن "الماء" يحاصر جل قصائد الديوان باستثناء قصيدة واحدة هي قصيدة "حلم طاعن في السن" وهي قصيدة بطعم الفراق وبالتالي فقد غيض ماؤها وأقفرت أرضها مما جعلها من حيث بنيتها الموضوعية أقرب إلى قصائد الديوان الأول.
        أثث الماء قصائد الديوان عبر تجليه في ملفوظات لغوية تتباين اشتقاقيا وتتجانس من جهة انتمائها للحقل المعجمي ذاته، وقد بلغ عدد مرات توظيف ألفاظ هذا الحقل ما يزيد عن 80 مرة؛ اختصت لفظة "ماء ومياه" بسبع عشرة مرة، بينما تكررت لفظة المطر تسع عشرة مرة، وهو العدد نفسه الذي تكررت به لفظة البحر... في حين نجد بقية الألفاظ التي انتمت إلى الحقل ذاته مرتبطة بالموضوعة الأساس بعلاقات إما سببية أو مسببية أو مكانية أو ضدية أو اعتبار ما سيكون.... ونذكر منها: ينابع، الجليد، المحيطات، موج، الوديان، يستحم، اخضرار.... فما الغاية التي تستتر وراء هذا الحضور اللافت لهاته اللغة التي أبت إلا أن تتشح بلباس من ماء؟
             منذ البدء تصارحنا الشاعرة بهوية ذلك المطر الذي حملته غيوم الجنوب.. فتقول في الإهداء: إليك يا مطري                 يا قدري الجميل: مولاي رشيد العلوي... ومع أن العنوان عتبة تستحق الوقوف، بل وقد تعمدت شاعرتنا من خلاله وضع صوى لتوجيه التأويل... إلا أن الماء دائم الانفلات، وقد استخدمت الشاعرة نفسها هذه الصورة حينما قالت في إحدى حواراتها مع مجلة الحياة الثقافية، واصفة إحدى لحظاتها الهاربة: "لحظات كانت مثل الماء في قبضة يدي كلما حاولت الامساك بها كلما تسربت وانفلتت". هكذا هو الماء في ديوان "نخب حبنا قهوة سوداء": فهو لم يركن إلى سيده الأول إنما تجاذبته دلالات سنحاول التوقف عند أهمها:
1- الماء رمز للمعاناة والعذاب: بدا الماء في هذه الحالة مؤشرا دالا على المنع ورسم صور المواجهة والتحمل،  فعلاقته مع الشاعرة في هذا المستوى علامة حرمان، فالماء هنا بحر بجبروته.. مطر بطوفانيته... عمر باستمراريته؛ تقول الشاعرة في قصيدة "مسافاتك الآن ابتدأت":
قد أكون وحيدة...
غيمة حيرى تحت المطر
قد أنتظر الفارس العتيد
أن يقتحم الشرفة ليلا
وأن يخطف مني
القبلة الأولى...
ثم تقول في موضع آخر من القصيدة ذاتها:
كيف لي أن أمخر البحر
فاجتاز العباب؟
وتقول في قصيدة "عند منعطف القلب"
أفك عنك قميص الصمت
زرا.. زرا
لعلي أحتمي من مطر العمر
2- الماء رمز للحياة وللفعل التخصيبي:
خلافا للمستوى السابق، يأتي الماء في مواضعشتى من الديوان مرادفا للحياة وللخصب، فكما تتفتح الأزهار وتورق الكروم بماء السماء فإن روح الشاعرة تبتهج وتعانق الوجود حينما يغسلها مطر الحبيب.
نقرأ في قصيدة "سيد في الأعالي"
ولي قمر...
سيد في الأعالي القصية
أحسه إذ يحتويني
ينابيع مياه نقية
كالرعشة البكر
أو كالتفاف الجذور القديمة
كما تقول الشاعرة في قصيدتها "رويدك مازلت طفلة"
وكان المساء
وألف عام والسنا لم يزل
يحرث في ذاكرتي
عشقا لا يصير إلى انتهاء
يحمل الماء في يمناه
لعطشي القديم
أو يحمل بعضا من الجنون لوجهي القديم
أو غيمة وطفاء هتون.
وتقول كذلك في قصيدة "حين يرسمني الحب"
كم أنتظر مجيئك...
لتقتحمني طوفانا...
لتمنحني
خصوبة أمطار
تثقلني بالوعد وبالرعد.
      إن الماء فلسفيا مذكر يستمد جنسه من تأنيث الأرض، هذه القطبية الثنائية ينجم عن تزاوجها الخصب والحياة، بالتالي فتوظيفه في القصيدة جاء مفعما بمعاني الحياة والخصوبة.
3- البعد التطهيري للماء:
           إن الماء عند باشلار يتلقى صور النقاء كافة. فالماء تطهير، وفي زمن نوح طُهرت أدران الأرض بالطوفان، والجنة الطاهرة تجري من تحتها الأنهار، والمسيح عيسى جعل الماء مرادفا لدمه.. ومشى فوق الماء وصيّر الماء خمرا... هو الماء المطهر النقي هو الذي نجده في المقاطع الآتية:
تقول الشاعرة في قصيدة "تطوان":
أنت يا شهوة القصب
يا نهر صنوبر...
يا حمائم مغسولة بالمطر والريحان
قم لتزرع
سنبلتي بين دمي وبين الشمس
وتتحفنا أيضا في قصيدتها "اغتراب عاشقة"
تعال لتمطرني
وتجفف دمعي
بشفاه سحقتها الرعشات...
      يحضر الماء بدلالته التطهيرية  كذلك عندما يصير دمعا يغسل الجوى، فما الدمع إلا تطهير للباطن الملتاع. ومن هذا أمثلة عدة في قصائد الديوان.
إن مطر الشاعرة جاء معادلا موضوعيا للحياة  كما حضر عاملا معيقا أيضا، مع أن هذه اللفظة "المطر" لم ترد في القرآن الكريم للدلالة على الماء النازل من السماء المنتفع به، إنما جاءت مقرونة بالعذاب أو بنزول غير الماء كقوله تعالى: "القرية التي أُمطرت مطر السوء"[4] وقوله كذلك "وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود"[5]
      رموز الديوان أيضا استعارت من الماء بعضا من سماته فزوربا متمرد على الخضوع محب للانسياب وللحياة في طلاقتها فهو من قال في رواية زوربا اليوناني"كتبك تلك أبصق عليها، فليس كل ما هو موجود، موجود في كتبك".
كنت مبهورة بك
ومبهورة ب(زوربا)
فعدوت إليك
مثل طفل
            أوفيليا أيضا وضعت حدا لحياتها بأن ألقت نفسها في الماء وذلك بعد أن اكتشفت قتل هاملت لوالدها، فكان الماء موتا لشخصية مسرحية وحياة لشخصية أسطورية احتمت بعمقها الدلالي عديد الأعمال الفنية.
           في الختام فقد ظهر الماء أيضا تقنية في الكتابة عند شاعرتنا، فقد انساب عنوان الرواية الأخيرة لأحلام مستغانمي بشكل جميل في ينابيع أحد القصائد، وأقصد بالذات قصيدة "وحدك تشتهي انتحاري" فعنوان أحلام كان "الأسود يليق بك" وفي القصيدة نجده موزعا بين المقاطع الشعرية الآتية:
أراني بالأسود
على لوحتك الحبلى بالموت
أنفض النعاس
.....
فأنا بك أليق
يا آخر نحرافاتي
يا أجمل انجرافاتي
              لقد كانت المائية في شعر بدر شاكر السياب  هادئة خفيفة، لا يكاد يسمع لها خرير بيد أنها انسابت وديانا وأنهارا ومطرا في جل قصائد الأوج عند السياب، لتعاود الهدوء والكمون فيما تأخر من ديوايون كـ"شناشيل ابنة الجلبي" و"إقبال". ولما جف الماء من قصائد السياب فاضت روحه إلى بارئها؛ وبعبارة أخرى فشاعرتنا بديوانها هذا تلج مرحلة الألق الشعري والعطاء الإبداعي، مؤكدة لنا أنه ليس دائما وراء كل رجل عظيم امرأة، ولكن الأكيد أن وراء كل بوح نسائي متميز سحر رجل ممطر.


[1]- نشر الديوان بدار عشتروت لخدمات الطباعة والنشر، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى 2012.
[2] - ينظر: أبو يعرب المرزوقي، "في العلاقة بين الشعر المطلق والإعجاز القرآني" دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى 2000، ص 28.
[3] - تحيل الكثير من قصائد هذا الديوان على موضوعة الماء 1 ـ "أوراق الشجر اليابس" 2 ـ "أمواج". 3 ـ  "من غيث فيه يحاصرني عطشي"...  
[4] - سورة الفرقان، الآية 40.
[5] - سورة هود، الآية 82.

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Best Buy Coupons تعريب : ق,ب,م