الثلاثاء، 27 نوفمبر 2012

شفرة قديمة /الكاتب: محمد البوعيادي

عنوان القصة: شفرة قديمة


الكاتب: محمد البوعيادي
انزوت إلى ركن ركين في الغرفة، فوق السرير تكومت، يتخاتل الطيف إليها من خلال ثقوب الذاكرة و الأحداث، تسكن في عزلة هذه الغرفة المهترئة و لا شيء يغير من إيقاع الغياب الأزلي، مغص الرحيل المُفاجئ لازال متقدا في بطنها الممزق، كأن ذلك الحب وليد لم يكتمل نموه، كأنه جاء إلى العالم بولادة قيصرية مزقت خلالها الحبل السري و انفجرت فيها المشيمة قبل الولادة بدهر
طويل فاندلق ماء الرحم مهراقا كشلال من الحروق و الألم....
ترنحت من صعقة الذاكرة، و أخذت قلما قديما في يدها، تختط له بعضا مما لابد من قوله قبل إغماد نصل الانعتاق في شريان الألم:
من طفلة الأَخْيِلَةِ إليك أيها النَّازِيُّ القبيح. بدون تاريخ.
حبيبي:
البارحة استلمت رسالة من علبة البريد تتضمن التحاليل الكثيرة التي
أجريتها نزولا عند رغبتك، تفحصت قبل قليل بعضها و رميت الباقي في القمامة
التي لم أفرغها مُذ أسبوع أو أكثر، قال لي الطبيب أن عندي حالة اكتئاب
حاد و أرق مهول، حاول تفسير الاكتئاب في بضعة سطور: هو حالة فقدان للرغبة
في الحياة تصاحبها أعراض عديدة كالتفكير في الموت و الانتحار - الشعور
بالحزن و الإغراق في السوداوية- فقدان المتعة في الأكل و كل الأنشطة التي
كانت تسعدني من قبل ؟؟- هبوط في الطاقة - إحساس بعدم القيمة و جلد الذات
؟ - تغير في الوزن...
في الحقيقة (و لا حقيقة على الإطلاق) لا أدري ما الذي( يخربقه )هذا
المعتوه، فكل ما يقوله لا يرتبط بحالتي في شيء، زاد وزني بعض
الكيلوغرامات و انفتحت شهيتي للأكل، لكني لم أندم على زيارته على كل حال،
فقد أمتعني أن أشاهده و هو يمضغ الكلام الغليظ المُفرغ من أي معنى، أفكر
أحيانا أن الأطباء نشالون أكثر من صعاليك حيّنا القديم، المستشفيات ذاتها
مؤسسات للاختلاس غير المباشر، فكيف ستعمل إذا شفي كل الناس؟ و ماذا سيربح
الدكاترة إذا شفي المهزومون و محروقوا الذاكرة، بل ما الذي ستفعله غسالات
الجثث لتوفير خبز أطفالهن اليومي؟ إنهم يدسون السموم للناس و يساهمون في
إمراضهم عن سبق إصرار و تغوط ..
في أول حصة من حصص العلاج النفسي كنت أفكر فيك بكل جوارحي، قلت ربما كنت
الطبيب الوحيد الذي يستطيع انتشالي من هذا الوحل، كنت أفكر أن حقنة واحدة
في اليوم من شفتيك قادرة على تسكين الألم و لو لحين، لكنك لم تكن هناك،
عمدت إلى مبدأ التقية الشيعي، أتعرفه؟ ، بمقتضى هذا المبدأ أستطيع إخفاء
الحقيقة و إظهار ما ينتظره الخصم مني حتى أشل تفكيره، فعلا ألفيت الطبيب
خصمي منذ الوهلة الأولى ، أراد أن يدخل إلى أقصى نقطة فيّ ليعري ذاكرتي و
يبسط تاريخي الملوث فوق طاولة مكتبه المغبرة، لكني لم أكن في حاجة إلى
استرجاع ذاكرتي و لا تاريخي المنبوذ، كنت في حاجة لرجل غبي مثلك يستمع
لترّهاتي عن الله و الكون و المرأة و الشهوة و الغواية و الحضارات
الغابرة من بابل الألوهة إلى روما التي أحرقها نيرون و هو يضحك...
ما أردته طوال فترة غيابك هو بوق كبير بحجم منزل، أزرعه في صحراء المكسيك
الخالية و أصرخ فيه يوميا بدون كلل ، أصرخ حتى تتمزق أرجاء المكان و
تتمزق معها حبالي الصوتية، و لا يسمعني أحد سوى السحالي و الرمل و الفضاء
اللا متناهي مثل جوفي، أحكي كل شيء عنا و عن الماضي و الرؤى التي تنخر
جمجمتي كل ليلة حتى مطلع الفجر، وكأن حبات الرمل جمهوري الخاص و أنا
النجمة الوحيدة هناك...هي ذي رغبتي المستعرة المجنونة التي تعوضني عن
الانفجار العظيم.
كنت أريد شخصا أستطيع أن أصب في أذنيه شبق ذاكرتي المتعبة، فأنا كما تدري
(
أو ربما لا تدري) أعشق الحكي عنّي، عن متاهاتي الدفينة و أشيائي الصغيرة
بتفاصيلها العبثية، لكن الناس لا يستمعون لأن أذواقهم متبلدة...لكن أنت
استمع الآن.
كنت أنظر إلى الطبيب بشفقة، كل ما يعرفه عن حالات المرض قرأه في كتب
صفراء و يعتقد من كل قلبه و بكل وعيه و جوارحه أن المرأة صدى أو ميدان
تجريب لتلك الترهات التي قرأها...
لا علم له بأن الشيطان لا يسكن التلافيف الصفراء، و بأن الرغبة المجنونة
لا تظل محبوسة في الرفوف في انتظار قارئ ما..
لا علم له بتاريخ الغلمة و الغواية، بأرتيميس و تُعامة أصل السماء و
الأرض و لا علم له بِلوسالومي التي جننت ربه في العلم و مرجعه الأكبر،
حاولت أن أنظر في عينيه و هو يتخبط كطفل يتعلم المسير، يقول ما أحفظه عن
ظهر بطن في الكتب، " استرخي ، اتركي لنفسك حرية الكلام و التعبير..."
التداعي الحر الذي ينهجه مع المكبوتين، أولئك المساكين الذين يبكون
ماضيهم عند أول خروج عن الوعي تحت غطاء الثقافة الشمولية، الثقافة التي
تشرع غياب العقل في حالة التطبب، لكن هل أنا عاقلة حتى أغيب عن العقل؟
كنت أقرأ استراتيجيته كاملة في داخل مخيلتي، أتوقع كل خطوة من خطواته و
لا يخيب توقعي أبدا، يا له من ملل.
لو أنني غبت عن حالة التناسق في القول،لو عبرت عما كنت أفكر فيه آنذاك
كنت لأصيبه بسكتة قلبية، لا يعرف الدكتور أن فرويد أصيب بالجنون بسبب
امرأة و أن راينر ماريه ريلكه شاعر النمسا العظيم أصابه الاكتئاب بسب
المرأة نفسها، أربعة عظماء كادت أرواحهم تزهق بسبب غواية قطة نمساوية
شهباء،آخرهم مجنون القوة و الإرادة، و الآن، هو النكرة التي لا ذكر لها
يحاول تحليل نفسية امرأة؟
كنت أراقب الأشياء في الصالون المرتب على أبجدية كلاسيكية، بعض التماثيل
البرونزية الصغيرة من العصر الفكتوري، كتب صفراء على رفوف قديمة، يبدو أن
الدكاترة يستمتعون بمظهر المكتبات الخشبية المُترفة و بالمدفئات من طراز
العصر الوسيط..أذواقهم لا تختلف كثيرا، في سديم روتيني واحد يصطفون
كالجراد..
في أول جلسة لم أرغب في الكلام، بقيت أستمع إليه و هو يتدفق، قال الكثير
عن الحياة و الناس، سألني عن محيطي و بعض الأصدقاء و الأشياء التي تشممها
كالكلب لينفذ منها إلى داخل قلعتي، لم يكن يعلم أن لا قلعة لي و أني ملكة
في الريح، إمبراطوريتي على عروش الخمائل و السنديان، حيث حدودها من أرائك
الوهم...
لكنه مثلك يا حبيبي كان مجرد رجل، فأنّى له أن يفهم؟
لا أريد اليوم أن أكتب لك عن أشيائي الصغيرة، فأنا أعرف أنك لا تقرأ
رسائلي كاملة، ربما لا تقرأها على الإطلاق من يدري؟ قد تكون زوجتك عالمة
بمراسلتي لك، قد تكون أحرقت كل الرسائل التي وصلت و كل الرسائل التي تصل
دون أن تخبرك عن شيء، فالنساء جبانات جدا في هذه البقعة الخربة مثلهم مثل
الرجال، لكن من يهتم ؟...
سأروي لك شيئا عن الجلسة الأولى ، لأنك من نصحني بالطبيب و أعطاني عنوانه...
كان يتحدث عن ضرورة التعاقد الأولي بين الطبيب و المريض و أشياء أخرى مملة:
+
ستكونين في أمان تام ما عليك سوى أن تخبريني عن كل شيء، إحساساتك،
مشاكلك النفسية و العاطفية، الأدوية التي أخذتها، كل شيء، ثم استرخي
تماما و افعلي ما أطلبه منك و ستشفين أكيد...
آخر زياراتي لصديقك الطبيب كانت قبل أسبوع، مدّني بهاتفه الخلوي الخاص و
قال في ثقة تامة:
+
أنا في الخدمة دائما، اعتبريني صديقك و متى شعرت بحاجة إلى التحدث اتصلي...
في الغسق الأخير من الليلة الماضية جاءت الرؤى من جديد،كنت مهتزة قليلا،
نمت على الوسادة و قلبي يجتزه الهلع، أحسست برطوبة الثوب الأبيض تنحت
جداول بشرتي الرطبة و تدغدغها بلين يبعث على الشك، الضوء في الغرفة خافت
و هادئ، كان الضوء يستريح، شممت رائحة النسيم قادمة من فتحة صغيرة من
النافذة، و رائحة شجرة المسك الليلي فغمت أنفي حين اهتز الإزار الأبيض
فاسحا لها مسلك العبور، أحيانا تكون الروائح الطيبة مبعثا على الخطر و
الخوف ...
آخر مرة رأيت فيها تلك الرؤية كانت قبل فراقنا بأسبوع، بعدها تعدد الزوار
و تعددت المسارات التي تتبعها الأحداث كل ليلة..
حين أحسست بأزيز الباب الخارجي للبيت اتصلت بالدكتور، قال :
+
هي مجرد تهيؤات طبيعية لفترة النقاهة، حاولي أن تفكري في شيء آخر،
استثيري عقلك الباطن بالذكريات مثلا...
كان صوته مقتولا بالنوم و التعب..قطع الاتصال.
حاولت أن أشعل ذاكرتي بشيء ما، كنت أنت زيت و وقود ذلك الاشتعال، على أن
رماد النار تكوم بسرعة في ثخوم الثغرين، لم تدم نار الذاكرة طويلا حتى
خمدت، فقد هاجمت سيول النافذة موئل الشعلة، أطفأتنا بسرعة مثلما تنطفئ
الفراشات المضيئة آن حلول الفجر..
كنت هنا فوق السرير ( حيث أكتب الآن هذه الرسالة)، ذات ليلة أذكرها و لا
تذكرها، تسربل الثوب تحت فخذين مشتعلين حد الاحتراق، في الليلة الموعودة
كانت مدارج النور تخفت حينا و تنضو عنها غبار السواد حينا آخر، لتشب نار
القداسة في نهدي، يداك احترقتا باللهب المقدس، اخترقتني، لازالت أذكر كيف
ضمّدتُهما بقبلتين بيضاوتين كشريط طبي، في احتكاكهما بنتوءات الصدر
اشتعلت نار صغيرة عند رؤوس الأصابع..
أحاول أن أوقظ هذه الذاكرة، العقل الباطني يريد، لكن أطراف جسدي ترتعش
مخافة أن ينفلت الريق الأخير من حلقي..
كان ضوء الغرفة خافتا و أصفره ينعكس على ألوان الجدران الناعسة، لثمتَني
بين عيني و قلت ما معناه: لن تأتي الرؤى بعد اليوم، سأطردها..
صدقت آنذاك أن النافذة الصغيرة ستظل مفتوحة إلى الأبد، دون أن أخاف أنا.
فتحت سلسلة الثوب الأحمر بهدوءِ إله من جبل الأولمب، صدفات الصدر تطايرت
لوحدها كأن جاذبية ما ضايقتها في مرساها على حافتي النهدين المتوسلين في
بكاء، امتد الكفان مغلفين برغوة ساخنة نحو عنقي، فككت إبرة الحجاب عن
شعري و رميت الشال المطرز فوق أرض الغرفة الباردة فدسناه بقدمينا، لامست
المسافة الطويلة بين آخر الدقن و أول الكتف و حككت رمانتي الكتف بلطف و
توأدة، كانت أقدامي تهتز و ركبتاي تصطفقان ككوبي قهوة و تسري في رعشة
الخلق الأولى، في سيالتي العصبية كانت أشولك الغلمة تسافر متسارعة كإيقاع
مرح...ثم لحست عنقي بشفتيك كما قطة شامية مرقطة، ببطء يبعث خذرا لذيذا (
يجتاحني لحد اللحظة كلما تذكرت) مسحت جغرافية الجيد و طوبوغرافية الجسد
شبرا شبرا، آه كم كان البيت آمنا ذاك المساء؟، لم تكن الرؤى لتشغلني و
أنت تفتح فيّ شوارع الرغبة، في عاصمة الشبق، متروبول اللذة، كنت أحس كأني
آمنة أكثر من برج بابل، كصندوق حديدي بأقفال عملاقة كانت ذراعاك، لففت
ذراعك حول خصري و ضغطتني برفق و حنو وبعض الخشونة حتى تكسرت ضلوعي دون
ألم.. صنوين في الجرح كُنّا ، طفلين يلعبان تحت مطر الجسد و لا همهما أن
تتسلل القطرات بين مسام الجلد، كان الدفء و كنت تملأني و تملأ المكان...
أحاول أن أطرد الأشباح الآن، من خلال تلك اللمسات المحرقة ، تختلط في
مخيلتي صور تلك الليلة، ما قبل الأخيرة، كأننا كنا عريسين على مذبح آلهة
القمر..
من الباب الخلفي يأتي نقير خفيف على الدفتين الكبيرتين، و خطو خفيف
يقترب، تثاءب الدفء الليلي من النافذة و كان القمر يتوهج وسط هالة من
النور الشفاف..
من خلال الزجاج تبدت لي صورتك، كأنك القادم، تبسّمت ثم بكيت، ثم شعرت
بالفزع..لم تكن أنت القادم بل كانت الأخيلة، فكيف أطردها؟
أعود إلى ذاكرتي ( لا تعترض دعني أذكرنا كيف كنت تحييني قبل أن تنثرني
رمادا على سفح الغياب)..
أعود إلى ذاكرتي أحاول أن أستحضرك، أن ألدك من رحمي كي تؤنس وحدتي في
خلاء البيت الشاسع، أرغب في الصراخ لكن بيتي الصغير ليس صحراء المكسيك،
قد يحملني الجيران إلى صديقك الطبيب البليد..
أحاول أن أغافل الطيف الذي ينظر إلي من فتحة النافذة الصغيرة، عيناه
مبرقتان كالرعد، يحملق في فأشعر أن برودة ما تشقق صدري و شفاهي، فأين
أنت؟
قلت أين الدفء الذي منحتني إياه؟ ( لا أعاتبك الآن بل أحكي فقط فلا
تعترض)، قلت أين صدرك أغرس فيه أنفي لأحس الأمان في رائحة جلدك الغريبة..
أريد أن أتنشقك لا أريد العلاج، أنت ، كنت وحيدة في البيت ، إبان مرور
الطيف إلى الشق الآخر من النافذة، تصورتك تتحرك حول البيت كفراشة ربيعية
رشيقة، أيام كنت تعود سكرانا ، تغني فأسمع صوتك قبل ولوج الباب الخلفي،
أتعطر و أتزين لك فقط، أشعر بالدفء يغزو المكان، لم تكن الأطياف لتتجرأ
على دخول البيت، وحدك كنت تدخله و تدخلني متى تشاء..
الرابعة و النصف، حان آذان الفجر، كلٌّ إلى صلاته و أنا أتلو أوردة
غيابك، لازلت أمسك القلم و الطيف يحوم حول البيت، أشعر به قريبا جدا، سقط
القلم من يدي فحملته مرة أخرى ، تذكرت...
كنت أكتب شيئا ذات ليلة ماطرة، جئت كالقطار في وقتك المحدد، على سكة
الشوق و الحرائق المشتعلة جئتني، ضممتني فوق الكرسي من خلف، مررت يدك على
جبهتي و في ساقية ظهري بلطف فسقط القلم...
سقطنا معه و لم نقم ...
يتصاعد الآذان بالتكبير و يتصاعد في جسدي رعش الخوف الآن، غطاء السرير
يرقص تحتي من الخوف، أنتظر لحظة انخطاف قصوى يقتحم فيها الطيف باب الغرفة
و يذبحني من عيني بشفرة حلاقة قديمة..
يغرس أصبعيه في عيني و يقتلعهما ثم يقطع أوصالي و يأكل قلبي بنهم وحش من
وحوش الغابة، يمضغ أحشائي يلفظها على أرض الغرفة ثم يسحقها بحذائه
العسكري...
كنت أنت قبله تقطع أوصالي بالشهوة، تقطع شفتي، تمزقني ...
تحت المكتب تعانقنا، تصاعد آذان ربّهم ، ضحكنا، مزقت ثوب النوم الشفاف
على جسدي، فتطاير مزقا مزقا في فضاء الغرفة، انهمكت فيّ كأنك تحفر عن كنز
في أرض الغرفة، و كنت ضئيلة منكمشة تحتك كقطة أليفة، في دفئك كنت منزوية،
تملِكُني فأهيم في سقف الصالة بعينين معربدتين، تكتسحني غائرا كجرح عميق،
فأرخي جفوني في سكرة العشق، أموء تحتك كما قطة مشردة و يغمرني الأمان من
أخمص قدمي إلى منتهى جبهتي..
كنت أحبك حد التمزّق و كانت ثقتي فيك كبيرة كبر البحر و بعد السماء، ماذا
الآن؟ تريدني أن أزور صديقك الطبيب؟...
حبيبي: ( سأظل أناديك حبيبي إلى آخر نفس رغم كل الخرائب التي خلفتها في
روحي و جسدي و رغم كل الحروق التي تركتها على جلدي).
فلتذهب أنت و صديقك الطبيب إلى الجحيم، فلتغرقا في حمم الخراب و العفن،
أنا لست حمقاء و لا مريضة، أنا أحبك فقط...
(
تبكي و هي تخط الحروف)
أرجوك اعذرني عما قلت أرجوك، أحبك، أحبك أحبك...
لا أريد أن أعود إلى الطبيب، لازال الطيف يأتي كل ليلة، أريدك أن تطرده
أنت، أن تأتي و تأخذني في حضنك كسداة صغيرة في قلب وردة، أن تطوقني
بذراعيك فقط، هناك الآمان و سر الخلود و هنائي الأبدي...
سأعترف لك الآن، أنا أخاف وحدي هنا، أشعر أن كل شيء يحملق في بكره و
ضغينة، جدران المنزل تهمس في أذني: أكرهك أكرهك، أخاف أن تجتمع و تلتصق
علي في الممر إلى بيت النوم فتسحقني...الستائر تتمايل هامسة لي: خلفي

قصة قصيرة " صبي في ليل البحر /ذ. محمد مباركي / وجدة / المغرب

قصة قصيرة " صبي في ليل البحر "

ذ. محمد مباركي / وجدة / المغرب
أعياني المشي على الرصيف الطويل في ليل السعيدية الصيفي، بعد نهار قضّيته سابحا بين صفحات
"
مئة سنة من العزلة " . اسهوتني رواية " غابرييل كارسيا ماركيز " . تمنيت أن تطول الرواية إلى ما لا نهاية. تموقعتْ قرية " ماكوندو " في داخلي ، تغلي fأحداثها وأبطالها كالمرجل.
أعياني المشي، فجلست على الكورنيش موليا ظهري جحافل المارة تمشي الهوينى. نصف عراة كانوا يمشون وكأن نهار العري على الرمال الملتهبة لم يكفهم. كنت أنظر إلى البحر تحت الأضواء الكاشفة العالية مشبكا يدي على ركبتي اليمنى، أتأمل سحر البحر وقد لبس ظلام الليل . صعدتْ منه سحابة بخار بطيئة، واندفعت منه أمواج متلاطمة وقت المد، بيضاء كالحليب المخثر، تتكسر بجنون على الشاطئ برائحة الصدف البحري. وقوارب صغار الصيادين هناك بعيدة تتلألأ قناديلها البترولية الصغيرة وسط صمت العتمة وأعماق البحر.
أحسست بقلمي يرتعش في الجيب الأيسر لقميصي، ثلاث رعشات وسكن . لم أأبه لرعشاته، لكنه عاود الارتعاش بعنف أكبر من السابق. قلت "ربما حان وقت الكتابة" . لاح لي موضوعان في أفق البحر الأسود أمامي. الأول حول السعيدية كيف انشقت على نفسها نصفين . النصف الأول بكرنيشه وشوارعه الطويلة العريضة وفيلاته وملاعبه ومخيماته، وبدا لي النصف الثاني ، كقرية " ماكوندو " ، امتد حتى حي طنجة، بطرقه المتربة الغارقة في مستنقعات المياه العادمة الآسنة وسحب البعوض والذباب.
صرفتُ قلمي عن الموضوع الأول إلى الموضوع الثاني : شابة متسولة جالسة على قارعة الطريق بين يديها صبي يئن ويغالب النعاس. ظهرت على وجهه الضامر دمامل لسعات بعوض المدينة الحاقد. بصدره المكشوف عمدا على خرقة، كان يتوسد فخذ أمه، برزت أضلاعه من تحت جلده البرونزي، تعدها ضلعا ضلعا. سمعته يستجدي أمّه مادا يده إلى وجهها قائلا :
-
لنذهب !!
وهي تردّ عليه شاردة وقد مزّقها السؤال:
-
إلى أين؟
مكانه يا امرأة هناك، في البيت وليس على رصيف تبولت عليه كلاب البيتبول والكوانيش والمارة.
يا لتعاسته !!. وددتُ أن أقف وأقول للمتسوّلة:
"
هذا آدمي وليس بضاعة تبيعين وجهه بالتسول"
ستغضب، وسيتحول وجهها الضامر المثير للشفقة إلى قطعة من حديد وسترد:
-
هذا ليس من شأنك. ابتعد يا ولد...
سأواصل إمطارها بأسئلتي :
-
من يكون أبوه؟ سكي؟ عربيد؟ قاطع طريق؟ أين هو؟ في الحانة؟ في دور القمار؟ في البيت؟ في السجن؟
قطع نهوض الصبي من مكانه حبل أسئلتي. كان يتعثر في النعاس والساعة أعلنت منتصف الليل وبَرُدَ حال الدنيا. تبوّل قرب أمه على الحائط، مسّها رذاذ بوله. كان بُنيا وعطنا. صادف تبوله مرور ثلاثة شبان. قال له أولهم صارخا:
-
تبوّل بعيدا !!
قال الثاني لصاحبه :
-
اترك عنك الصبي.
قال الثالث : إنه يتبوّل على كل الذين تركوه بلا نوم على الرصيف حتى هذا الوقت.
مدّت الأمّ يدها إلى ثلاثتهم مستجدية. أكرموها بثلاث نظرات. سلقتْ مؤخراتهم الممسوحة بنظرة حاقدة، و قالت بصوت منخفض:
"
تفو "
تطلع إليها الصبي وقال :
"
تـْفويَيْنْ ".
كانت "تفو" الأولى عليهم والثانية عليها
.

زورو القلوب /عيسى حموتي

        
      زورو  القلوب  


لباس أسود  أم ليل مدلـهـم
كسا شمسا  بدا
منها الشعاع
انسحب من الراس حتى القدم
والوجه  مبرقع ملثم
عليه قناع
حوى  بحرين  باربع  ضفاف
تحيل الموج رذاذا
والنبض إيقاع
فما أنت فارس ليلين،والظلام
بلا أنجم ليل جرد الكون
من إلتماع
وليل لباس من النعل حتى العمام
وما سلم الوجه
غطاه القناع
فما جئت للظلم تستأصله بالتمام
قد استفحل الأمر
فما من ارتداع
ولكن رأيتك  ظالما للقلوب
تسطو عليها وتقتحم
دون دفاع

نظرت حوالي وراء والأمام
رايته لا عن حصان ترجل
ودون متاع
سوى شمس صبح بسهام
هوت من علاها ظمآى
ودون شراع
كشمس الدعاية دون فطام
قد اعرورقت وفي كوكا
وجدت نكاع
فرغم ترفع عن أناه والأنام
ذبول عيون تشي بضعف
يواريه قناع.

ترجل من فارعة ليس منها مثال
ولا زال يركنها سائق
لها لمع مرآة والتماع
رأيت البهاءين في  انسجام
وافق الضياء السناء
ونعم المتاع
فدخت وسافرت فوق الغمام
على بسط من سحاب
وحلمي شراع

وفي شبه رؤيا .الكلام حرام
أحس فؤادي ب"حاء"
" Z"تحاذي النخاع

 فلاحت جراحي كتاب ألام
لزرقة ليْزر غدت
حروف انصياع
وأجرت بصدري ثقوبا جسام
تسرب منها بريق
خطير الشعاع
علا نبض قلبي ثلاث سهام
على شكل" زاد"(زورو)
بسحر التماع
فما هو جرح لسيف الهمام
ولا رمش ريم
أصاب القلاع
أرنيمُ سحر سرى في المسام
مضى نحو قلب
سقاه شعاع
 يطيل الحياة يصد الحمام
ونبضي غدا حرا
طليق الشراع

انتهت 01-11-2012

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Best Buy Coupons تعريب : ق,ب,م