الاثنين، 29 أكتوبر 2012

الحضور السردي في «أقبض قدم الريح»(*) للشاعرة نجاة الزباير







الحضور السردي

في «أقبض قدم الريح»(*) للشاعرة نجاة الزباير

بقلم الطيب هلو

الحضور السردي في الشعر العربي قديم قدم القصيدة.فمنذ العصر الجاهلي تطالعنا القصائد الشعرية المليئة بالقصص والحكايات، كما في المغامرات العاطفية ورحلات الصيد التي تتغنى بها معلقة امرئ القيس مثلا، أو في قصائد الصعاليك المولعين بوصف مغامراتهم ومطارداتهم، وكذلك في وصف شعراء الحماسة لبطولاتهم في المعارك والحروب. وقد استمر هذا الحضور في أشعار العصر الإسلامي، في وصف المعارك وسرد مراحلها، ولم يتوقف في العصور التالية لها ، العصر الأموي والعصر العباسي وعصور الدول المتعاقبة ( المملوكي والأيوبي والعثماني). ومن يطالع ديوان عمر بن أبي ربيعة، على وجه الخصوص، يفتتن بقدرته السردية لمغامراته الغرامية وما تخللها من حوارات ممتعة ووصف بارع

على سبيل التقديم

تستمر مسيرة القصة الشعرية لتصل ذروتها مع قصائد الرعيل الأول من شعراء النهضة بتأثير من التراث الشعري العربي الغني الذي تم إحياؤه، ثم بتأثير من الثقافة الغربية الوافدة. وما في ديوان أحمد شوقي من قصص الحيوان و ما في قصائد محمود سامي البارودي الحربية وما في قصائد معروف الرصافي الاجتماعية يكفي دليلا على ذلك الحضور القوي للسرد.
ولم يكن الشعراء الرومانسيون ليتخلوا عما يمنحه السرد من قيمة مضافة لشعريتهم فقد استثمروا من مقوماته ما سمح به التجديد الذي حاولوه، وإن بدا هذا الحضور خافتا، على العموم، بسبب تضخم النزعة الذاتية المانعة من حضور أصوات أخرى.
وقد منحت الحرية التي عرفتها تجربة الشعر التفعيلي إمكانات هائلة استثمرها الشعراء ليصلوا بالسرد الشعري إلى مدى أوسع وآفاق أرحب. ومن يقرأ قصائد نزار قباني منذ ديوانه الأول» قالت لي السمراء»، وعلى امتداد تجربته، يجد قصائد كثيرة منها:» في المقهى»،» الجريدة»،» طوق الياسمين»، « رسالة من امرأة حاقدة» وغيرها، تؤكد هذا الحضور.إضافة إلى تجارب أخرى كأمل دنقل وأحمد عبد المعطي حجازي ومحمد الفيتوري وغيرهم ممن لا يتسع المجال لاستقصائهم.
على غرار هذه التجارب، تقوم تجارب كثير من شعراء قصيدة النثر على اعتماد البناء السردي في من جهة، ومن جهة ثانية حاول هؤلاء الشعراء استثمار كافة العناصر البنيوية للسرد، بدءا من تعدد الأصوات والحوار. وانتهاء بتناسل المواقف واستخدام المفارقة بوصفها أساسا للسخرية من اليومي .
ويمكن أن نجد عشرات القصائد تلعب على أوتار السخرية والمفارقة، وتجعل منها عناصر لشعريتها. بل يمكن القول إن السخرية والمفارقة وسيلتان أساسيتان لاكتشاف المناطق المجهولة التي يطمح شعراء قصيدة النثر إلى الوصول إليها . ولعل في التحرر الكلي من الوزن والقافية إمكانات كبيرة تسمح بأن يبلغ الحضور السردي مداه في قصيدة النثر.
وقد نبهت سوزان برنار إلى هذا الأمر مبكرا، حين أشارت إلى تواطؤ قصيدة النثر مع أجناس قريبة منها كالأقصوصة مثلا .
من هنا تكون قصيدة النثر بتخليها عن الإيقاع الخارجي قد سمحت باستضافة العناصر السردية لارتكازها على الجوهر الدلالي المشار إليه آنفا، وأعني به المفارقة والتضاد.
الحضور السردي في «أقبض قدم الريح»
يمنح ديوان « أقبض قدم الريح» للشاعرة نجاة الزباير، منذ عنوانه، قارئه مساحة خصبة للتأمل والدهشة. فالفعل المضارع (أقبض) المرتبط بضمير المتكلم، بدلالته المزدوجة على الفعل والحركة، وعلى الحاضر والاستمرارية، يقدم للمتلقي مفتاح الحضور السردي، في الوقت الذي يقدم الانزياح ( قدم الريح) مفتاح الحضور الشعري. فيكون القارئ بذلك مالكا لرؤية جدل الشعر والسرد في هذا الديوان.
من هنا يدخل القارئ مزودا بهذا التوقع والاحتمال، ومسلحا بالذكاء الضروري لكشف الحدود الفاصلة بين السرد والشعر.
نظرا لكثافة الحضور السردي في هذا الديوان، إذ لا تكاد تخلو منه قصيدة، فقد ارتأينا التوقف عند نصين شعريين فقط، رأينا أنهما كافيان لإضاءة هذا الحضور.
ففي القصيدة الأولى» قصيدة متسولة» تمتطي الشاعرة المقومات السردية، فتبدأ نصها بالوصف؛ وصف المدينة التي تغسل وجهها الأمطار قبيل الليل، ممهدة بذلك للحدث من جهة، و كاشفة عن الخفايا النفسية والمواقف الذاتية من المدينة. فتقول:
الأمطار تغسل وجه المدينة
والليل يجمع حقائبه
وصف مختصر ودال، يعبر عن الزمن ( الغروب) والحالة الطبيعية ( المطر) والحالة النفسية ( الحزن والتذمر من حال المدينة). وقد ساهمت الجمل الاسمية في إبراز الثبات، في الوقت الذي منحت الأفعال المضارعة الوصف سمة الاستمرار. لتنتقل بعد ذلك إلى الحدث موظفة لفظا دالا على كسر التوقع والمباغتة ( فجأة) وهو لفظ مغرق في النثرية، وظف توظيفا مناسبا في خدمة الحضور السردي، وللانتقال من الوصف إلى الحدث.
فجأة طرقت بابي قصيدة متسولة
كانت بين يديها جزر من المعاني
تصطاد لوعتي
دحرجتني فوق بساط السؤال
يمتزج في هذا المقطع الحدث والوصف. فالحدث هو الزيارة المفاجئة للقصيدة المتسولة
ودحرجتها للمتكلم على بساط السؤال، يتخلله وصف القصيدة المتسولة وهو كونها متسولة ثم إنها تحمل بين يديها جزرا من المعاني.
لتنتقل الشاعرة بعد ذلك إلى الحوار بين المتكلم/ السارد الأنثى والقصيدة المتسولة التي تبدأ الكلام:
وقالت: «هلمي إلي»
أغلقتُ جروح وطني المفتوحة
وقلت: ـ « ارحلي فكأسي صهريج دمع
وفراشي هدير أرض
والأحلام مقصلة في كل الدروب
قالت: « إليك هذا الورق الطريد»
تبسمتُ: ـ « أفيه حكايات عن الهوى؟»
تعود الشاعرة بعد ذلك إلى الوصف والسرد، وصف القصيدة المتسولة التي ( جلست في لهفة الفاتحين) وهذا الوصف مزدوج؛ وصف جسدي ووصف الملابس، لكنه أيضا وصف شعري، قائم على انزياحات تبئر الدلالات وتعمق الرؤيا الشعرية التي نصدر عنها الشاعرة.وهي رؤية الرفض و حلم التغيير. وقد اختارت الشاعرة من أعضاء الجسد القدمين، لأنهما أدل على حالة البؤس المقترن بالتسول ( أقدامها حريق أضاع ملامح الطريق).
فعلى الرغم من بوادر التغيير التي تحملها القصيدة والمتمثلة في كونها حريقا، فإنه تغيير مستحيل أو مؤجل ( أضاع ملامح الطريق). أما الأثواب فهي (همس تناثر في يدي) مما يعمق الانكسار. فالهمس خفوت وضعف، ثم إنه متناثر. كل ذلك يشي بحالة المتكلم النفسية، التي لا تريه إلا ما هو بئيس.ثم يستأنف الحوار من جديد، دالا على التعاطف و المأساة، والتماهي بين الذاتين؛ ذات السارد وذات القصيدة. فالذات تطلب من القصيدة أن تسمح لها بمسامرة جوعها، وفي ذلك استجارة من التعب. وهذا كله لتعميق المفارقات من جهة، إذ تغدو المواساة استجارة. لتنتهي الشاعرة إلى المقصد العميق للنص وهو تعرية واقع الوطن، الموصوف سابقا بكون جروحه مفتوحة، لتجعله موازيا للقصيدة في بؤسها ومساويا لها في مأساتها، وبلغة لا لبس فيها، ترتكز على التشبيه:
«
فوطني مثلك متسول
ينام على شفيرة الليل»
لتمنح القصيدة فرصة التساؤل عن سر ذلك وتمنح الذات الساردة فرصة الوصف والتعبير عن المأساة. وفي هذا كثير من الذكاء الشعري لإعطاء القصيدة مسحتها السردية:
«
أهو شريد ؟ غمغمت.
قلت: « المآذن فيه تعاشر الرصاص
والمقابر بلا هوية
وأرضنا ذبيحة قربانا للطامعين
فهل هذا يكفي كي تعرفي بؤسنا الكبير؟»
تنهدت: ـ « والعشق؟»
قلت:
«
ذاك وطن آخر...
لم يعد للمجنون في حينا مقام
وحتى لديك الجن
الهوى درب جديد يقتل النساء !!»

تُكسب هذه العناصر النصَّ خصوصيته السردية، وتمنحه حركية متجددة.كما أن الاتكاء على الحوار رفع من درجة الدرامية في النص، هذه الدرامية منحتها أيضا الطبيعةُ المشهدية للنص حيث يقف السارد متفرجا عبر استخدام الرؤية من الخارج. وبذلك لا نأخذ من النص إلا ما تقدمه الشخصيتان: الشاعر والقصيدة.
في قصيدة « سمر على حافة السؤال» تغلِّب الشاعرة الوصف وتبدأ به. وتمتطي صهوة حاسة البصر، باستخدام فعل الرؤية ( رأيته ـ لمحت) المسند إلى الذات المتكلمة. وهذا يقوي حضور الذات :
رأيته يزحف فوق الأرض
كالحلاج يحمل جثته
وجهه مسافر في راحة الرياح
لمحت فيه أطيافا مثقلة بالعويل
ويتبادل وصفُ الحركة والانزياحُ الأدوارَ لتجسيد تجاور السرد والشعر. فإذا كان السطر الأول نثري خالص، فإن بقية الأسطر ترفع المقطع إلى شاعرية باذخة، بدءا من صورة الحلاج الحامل لجثته، وانتهاءً بصورة الوجه المسافر في راحة الرياح، والأطياف المثقلة بالعويل.
وعلى عكس النص السابق، القائم على الحوار الخارجي، ارتأت الشاعرة بناء هذا النص على الحوار النفسي أو الداخلي. فهي المتكلم والمخاطب، وفي استعمال فعل (قلت) في غياب المقول له تأكيد على هذه المناجاة،ثم يرسخها استعمال التساؤل عن هوية هذا المجهول، أتراه عاشق أغلق الصباح دونه عينيه فاضطجع في أقداح الشوق يشعل الطرقات مواويل ويبكي ليلاه(...) أم شاعر يهدينا عطش غربته.
ويستمر النص في هذه المراوحة بين الوصف لهذا المجهول الذي تتساءل الذات عن هويته، وتنويع الاحتمالات: ( أم لاجئ اغتاله الكلام فانكسر...أم تائه تهجى رسمه في زقاق الملعونين) وفي كل صفة من هذه الصفات تحرص الشاعرة على هذه المراوحة بين الوصف والانزياح لتحقيق المعادلة الجمالية، فلا يطغى السرد على الشعر.
وكما في النص الأول تستعمل الشاعرة لفظة الفجأة لتنتقل بالنص من حالة السكون والتساؤل، وتمنحه الحركية اللازمة باستخدام الأفعال العنيفة والسريعة ( تسلق ـ أمسكت ـ ختلني ـ اندثر) :
فجأة تسلق جبين المدينة الضريرة
أمسكت خطاه من دبر
لكنه ختلني واندثر.. !! (ص 14)
وعلى هذا المنوال تستمر بقية القصائد في تحقيق التجاور بين السرد والشعر، في تناغم وانسياب، بعيدا عن أي تعسف، فلا يكاد القارئ يحس بالانتقال بين العالمين الفنيين لهذين الجنسين الأدبيين.
في الختام
«
أقبض قدم الريح» للشاعرة نجاة الزباير ديوان شعري جميل، يركب موجة قصيدة النثر، فيستفيد من جرعة الحرية التي تمنحها في غياب الوزن والقافية الموحدة. لكنها لا تضحي بالصورة الشعرية الجميلة. فالنصوص مضمخة بالانزياحات الكثيرة والتشبيهات المبتكرة. لكن اللافت للنظر ـ والذي يستحق الانتباه إليه ـ هو هذه النظرة المأساوية الحزينة، وهذه الوطنية الغامرة. فلا يكاد يخلو نص من مسحة الحزن ومن هم وطن «غريب الأحجار تتعثر فوق ملحه مدن أضاعت مفتاحها القدسي»وهمِّ الأرض التي أصبحت «ذبيحة قربانا للطامعين» و» الطريق أعمى».
إن هذا الديوان مرثية للجمال الراحل في زمن الاحتفاء بالقبح، و مرثية للفرح المنطفئ ،والحب الذي أصبح دربا جديدا « يقتل النساء».
إنه تعبير صادق وعنيف عن صدمة الضياع الغير المتوقع. فتعلن الشاعرة عن صدمتها صريحة:
لم أصدق أن الفصول
ستغتال وله العاشقات
وأن شهرزاد سينتهي حلمها.

بعد أن اندثر ذلك المخلص المجهول، الذي ختل الذات المحاولة إمساك خطواته من دبر.
الهامش

(*)
نجاة الزباير، أقبض قدم الريح (شعر) ،دار وليلي للطباعة والنشر ـ مراكش، الطبعة الأولى 2007 
-----------------
عن الملحق الثقافي لجريدة العلم 13/11/2009

الجمعة، 26 أكتوبر 2012

تجليات الصراع في حلبة الرهان الأصعب




تجليات الصراع في حلبة الرهان الأصعب


بقلم: د.فؤاد عفاني

هذه المقالة في الأصل مداخلة قدمها الباحث بالمقهى الأدبي (لاميرابيل) بمناسبة حفل توقيع الدكتور نور الدين الفيلالي لمجموعته القصصية "حلبة الرهان الأصعب"
قبل القراءة:
          انتبه الباحث الأنتروبولوجي كلود ليفي سترواس إلى تمايز جدير بالاهتمام بين التفكير الأسطوري والتفكير العلمي، فالأول "ينطلق من وهم معرفي كلي يفرغ في الوعي كل الظواهر لتجد تفسيرها فيه، "وهذه طريقة في التفكير تنص على أنك إذا لم تفهم كل شيء فليس بوسعك تفسير أي شيء""[1]، أما التفكير العلمي فـــ"لايبدو شديد الاهتمام بالفهم الكلي، فهو يتجه نحو إعطاء تفسير لظواهر محدودة واعتماد الإجراء كأساس في هذا التفسير وإن كان هدفه البعيد يبقى دائما هو هذا الفهم الكلي"[2]. ومن زاوية مقابلة يربط حميد لحمداني بين تلك الرؤية للعالم والكون وبين القارئ الانطباعي، هذا القارئ الذي يراه لحمداني قارئا معتدا بنفسه واثقا بإمكانياته الذاتية في الفهم والتذوق دون اعتماد مرجعيات تفسيرية، "لأن التفكير الأسطوري يصرح بنموذجه الكوني الوهمي بينما يحيل القارئ الانطباعي على ميكانزمات غامضة للتفاعل الذاتي لا يعرف هو نفسه عنها شيئا ولا يريدنا أن نعرف عنها أي شيء"[3] لكون تأمله لا يستند إلى نقطة ثابتة وغير مؤسس على سند علمي. وتماثل القراءة الموضوعية التفكير العلمي فهي قراءة "تحيل إلى نظام منطقي محكم تراعى فيه جميع عناصر الموضوع"، قراءة تبتغي تحقيق "مستوى شمولية التحليل وليس كلية التصور المسبق. ولا يتم الوصول إلى هذه الشمولية إلا بفعل قراءة حوارية مع النص غايتها الوصول إلى المعرفة لا إلى تأكيد معرفة محصلة في الذهن"[4].
التمظهر الأول للصراع:
       تتألف المجموعة القصصية "حلبة الرهان الأصعب" للقاص الواعد د. نور الدين الفيلالي من ثمان وعشرين قصة موزعة على أربع جولات: الجولة الأولى: عزف على وتر حساس، الجولة الثانية:رقصة الشتاء والصيف، الجولة الثالثة: أشجان وهواجس ذاتية، الجولة الرابعة: تغريد خارج السرب. وقد طبعت المجموعة على اثنتين وثمانين صفحة من الحجم المتوسط وتولى عملية الطبع شركة مطابع الأنواع المغاربية.

          سنتوسل في قراءتنا لنصوص المجموعة بمفهوم النموذج الذي أثبت كفاءته التحليلية في حل كثيرا من المعضلات التي تجابه دارس الظاهرة الاجتماعية والإنسانية، ويُعرّف النموذج على أنه "بنية تصورية يرى الباحث في أي فرع من فروع العلوم الإنسانية أنها هي جوهر الظاهرة التي يدرسها وهي ما تمنحها وحدتها. وبدونها تصبح الظاهرة مجموعة من التفاصيل التي لا يربطها رابط"[5]. ويُجرد النموذج من تفاصيل النص ومما يربط تلك التفاصيل من علاقات، ولاتخلو هذه الخطوات الإجرائية من ذاتية القارئ –وهذا أمر طبعي- الذي يحق له استبعاد عناصر وإبقاء أخرى ينسقها ويربط بينها بناظم معين يؤثث النموذج الإدراكي الذي يفصح عن رؤية كاتب النص للعالم.
         لقد أفضت قراءتنا التحليلية للمجموعة إلى نتيجة مفادها أن الصراع يمثل ثابتا رئيسا يمارس عبر نصوص المجموعة لعبة الخفاء والتجلي؛ فهو يبدو واضحا  مكشوفا أحيانا بيد أننا في أحيان أخرى بحاجة إلى إعمال العقل وممارسة التأويل حتى يكاشفنا الصراع بحقيقته.
          وقد لا نكون من المغالين إذا أكدنا على أن المبدع كان موفقا  في اختيار القصة القصيرة جدا كقالب فني يستجيب إلى حد بعيد للطبيعة الموضوعاتية للنصوص القصصية الواردة في المتن، فالقصة القصيرة جدا أو ما يصطلح عليه ب la micronouvelle باعتباره نوعا أدبيا خاصا داخل السرد الأدبي جاء ليثبت ذاته في شكل صراعي مع ما يجاوره من الأنواع الأخرى خصوصا القصة. إن العلاقة بين الأجناس الأدبية لم تعد كما كانت ذات يوم علاقة تكامل يسكن فيها البعض إلى البعض الآخر ولكنها انتقلت إلى علاقة صراع حقيقي فالشعر لم يعد يتربع على عرش ديوان العرب وإنما نازعته الرواية والقصة ولما لا القصة القصيرة جدا، كما لم تعد خاصية الشعرية ميزة تفرده إنما شاركته فيها أجناس أخرى، كما لم يعد السرد ميزة جنس بعينه إنما أضحت معينا ترده فنون شتى؛ ونسجل في هذه الإطار السيولة المبالغ فيها للتجنيس والتي صارت ترافق الأدب مؤخرا ويكفي هنا نذكر إلى دراستين تناولتا هذه الظاهرة؛ وهما دراسة الأستاذ نور الدين الفيلالي "القصة القصيرة جدا بالمغرب" ودراسة الأستاذ محمد القاسمي "فوضى التجنيس في القصة القصيرة بالمغرب" وهما دراستان تحيل كل منهما إلى ما يمكن أن نصطلح عليه بأزمة الذات، فكثرة المسميات دليل على غياب الوعي التام بطبيعة مانكتب، والذي لا يبتكر الأشياء لا يستطيع تسميتها.
           لقد فرضت طبيعة العصر الصراع على موقع الريادة بين القصة والقصة القصيرة جدا، "فإذا كانت القصة القصيرة "قدمت "لعصر السندويتش" أكلة أدبية خفيفة"، فإن عصر السرعة والعولمة والإنترنيت، عصر الحواسيب المحمولة والهواتف النقالة...، بما يحمله من تسارع في وتيرة الحياة"[6]، وفر أرضا خصبة لبروز القصة القصيرة جدا ملبية بذلك حاجات ملحة لقارئ يسترق لحظات القراءة في المحطات و قبيل النوم. إن القصة القصيرة جدا سمة لإنسان قلق جدا متسرع جدا.
               أمر آخر يستدعي الوقوف عنده وهو أهمية المسكوت عنه في القصة القصيرة جدا فهي تكتفي بالإشارات الخاطفة والتلميحات العابرة ليملأ القارئ ما تبقى من بياضات وما ذلك إلا تأييد صريح لما نادت به كثبر من النظريات عن موت المؤلف في النص وموت الإله في الكون ليُمَجد في المقابل القارئ ويصير الإنسان مركزا للطبيعة.
             إن أولى تجليات الصراع في عمل الأستاذ نور الدين الفيلالي تبدو من خلال صورة الواجهة الأمامية فهي صورة لخيول تتسابق في شكل من أشكال الصراع الطبيعي/الحيواني الذي يتوج الأقوى والأسرع والأذكى في غياب تام للفارس الذي يجسد سلطة العقل. ويكرس هذا المعنى عنوان المجموعة "حلبة الرهان الأصعب" فالعنوان قد يفتح على تأويلا عدة وإن كانت اللوحة قد تحد من ذلك؛ فالحلبة قد تكون –كما ورد في لسان العرب- هي الدفعة من الخيل في الرهان خاصة أو هي خيل تجمع للسباق من كل أوب، وقد تدل على مكان ممارسة طقوس الصراع، أو قد تكون الحُلبة أي ذلك الحب المعروف وقد تكون على دالة قوم حلبة أي يحلبون، وكل من المعنى الأول والثاني والأخير يصدق على محتوى القصة الأولى في المجموعة.
         تقسيم المجموعة القصصية، أيضا، يؤيد تلك المؤشرات كذلك فالنصوص احتوتها جولات؛ والجولات كما هو معلوم هي الطواف والدوران وأشواط المباريات. من كل هذه المؤشرات نؤسس لفرضية قرائية نصوغها في التساؤل الآتي: هل سيكون الصراع في المجموعة ذا وجهين صراع طبيعي/ بدائي وصراع وضعي/ "حضاري" أم أن الأمر لا يعدو أن يكون تضليلا لأفق القارئ وخلق مشاريع توقعات تزيد من لذة القراءة؟
التمظهر الثاني للصراع:  رغم أن الصراع يمثل مظهرا حاضرا في كل نصوص "حلبة الرهان الأصعب" بيد أننا سنقتصر على نماذج منتقاة تفاديا للإطالة.
-       الصراع الطبقي الاجتماعي: يجسد هذا النوع أولى قصص المجموعة، فالصراع قائم بين شخصيات رمز لها بأرقام وموضوع هذا الصراع اجتماعي فالبطل شاب معطل  ورقم (2)  رمز للسلطة الزجرية ورقم (3) واحد ممن تتسلقوا الهرم الاجتماعي بقدرة قادر أما رقم (4) فبرلماني انتهازي، والغريب في الأمر أن الصراع في هذه القصة لم يتحقق لغويا إنما تم عبر النظرات بالتالي فهو صراع خفي؛ بركان خامد مهيؤ لأن يثور في أية لحظة.
-       الصراع مع الذات:
يتجسد هذا النوع في قصة "تنظير وممارسة"؛ ونكتفي هنا بإيراد هذا المقطع لتكتشف معي طبيعة الصراع الذاتي الذي يعانيه المثقف، يقول الراوي: "نصف قرن من البحث لم تكن كافية كي توصله إلى نتيجة، لكنه أدرك كنه الإشكالية في فترة وجيزة مارس فيها السلطة، حين وجد نفسه في صراع مع ماضيه الثقافي" ص11. وحينما يتجاوز المثقف صراعه مع ذاته فإنه يستيقظ على صراع بين واقعه الكتابي النظري والواقع المعيش، وذلك ما تفصح عنه قصة نصيحة سابقة لأوانها  فما تبشر به الصحف باعتبارها منبرا للوعي الثقافي والسياسي يختلف كليا عما يتحقق في الشارع باعتباره أرضية لتجلي الواقع والراهن والأفكار. ولعل الأهم المسكوت عنه في هذه القص فهي تلمح إلى إلى سلطة الإعلام وقدرته على صياغة عالم وهمي لا يمت إلى الحقيقة بصلة كما تبرز القدرة التي صارت تمتلكها السلطة الحاكمة للوصول إل الأفراد مباشرة دون المرور بالوسائط.
-       صراع الطبيعة والثقافة: تؤسس قصة "تشريق" لصراع بين عالم الطبيعة والحرية الذي يمثله الجد وعالم الحضارة الممثلة بالجند والحدود؛ فالجد أراد أن يجول سهول أنجاد على امتدادها إلا أن الحضارة بحرس حدودها أوقفت رحلة الجد الذي ما زال يذكر ماضي سلالته المجيد فيجيبهم "عربي أنا، من بني عامر، آخر سلالات بني هلال" ص13
-       صراع القيم: قصة"مواطن عادي"  صورة لصراع يهدف إلى تطبيع القيم، فالمواطن البدوي الذي جاء إلى المدينة ينفر من كثير من سلوكاتها المنافية للأخلاق إلا أنه سرعان ما أضحى يدور في فلك حركة تلتهم كل ما هو إنساني.
-       صراع السلطة والشعب: من خلال قصة "بلاغ" يبرز الصراع بين السلطة والشعب مؤيدا بالطبيعة التي يمثلها الحمير، فــــ"قد تبين بعد عدة تحريات أن الحمير كانوا يحتجون مطالبين باستعادة عرباتهم... معبرين عن تضامنهم الكامل مع الرجال" ص15
-       صراع الشرق والغرب: تحلق قصة البطل لا يموت في عوالم أوسع فتثير بشكل فني صراعا أعمق ألا وهو صراع الحضارات، وقد عالجت القصة الإشكال عبر الوقوف على تحولات البطلين العربي والأمريكي، فالأول ينتهي نهاية مأساوية، أما البطل الأمريكي فهو واهب الموت وإله الحياة.
-       صراع الأجيال: درس العمر تكشف عن الصراع الأبدي  بين الأجيال، وإن جاءت نهاية القصة على غير العادة بالافصاح عن اعتراف الجيل المتقدم بعبقرية  الخلف؛ فها هو الأستاذ يقر لتلميذه قائلا: "أعترف أن سذاجتك كانت أصدق من علمي" ص23.
-       فوضى الصراع: قصة مواقف إشعار من القاص بالفوضى التي أصبح يعيشها العالم؛ فالكل أصيب بأنفلونزا الربيع، والكل أضحى ظالما ومظلوما، وإليكم هذا المقطع من النص، يقول القاص: "وصلت المسيرة إلى نهاية الشارع وفي طريق عودتها وجد في مقدمتها رفاق سجنه القدامى، وبعضا من جلاديه، بينما الشباب تائه في المؤخرة" ص27. إن هذا القصة تمثل كليتها مرادفا لما يسمى بالعلمانية الشاملة؛ والتي لا يقصد بها "فصل الدين عن الدولة. وإنما فصل كل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية لا عن الدولة وحسب. وإنما عن مجمل حياة الإنسان في جانبيها العام والخاص. بحيث يصبح العالم مجرد مادة استعمالية لا قداسة لها ولا حرمة، وتتساوى كل الأمور وتصبح نسبية بحيث لا يمكن تمييز الشر والخير، أو المادي من الإنساني، أو المدنس من المقدس"[7] فالأطراف المجتمعة في المسيرة الاحجاجية لا يمكن أن تجتمع إلا إذا كانت الأخلاق والقيم والبديهيات الإنسانية قد غابت.
-       صراع الأشكال: تحقق هذا النوع على المستوى الفني حيث تمكن القاص من إخضاع عناوين قصص وروايات المبدع التونسي إبراهيم درغوثي فأصبحت خادمة لقصته عوالم سحرية، ولا أدري لماذا غلب صديقي نورالدين عناوين روايات درغوثي على عناوين القصص.
            إن أهم ما يمكن أ ن يستشف من خلال الرؤية الكلية لمجموعة "حلبة الرهان الأصعب" هو هذا المزج الراقي بين الفعل الأدبي والواقع الموضوعي، فمما لا شك فيه أن "أي نص أدبي له حدوده المستقلة عن الواقع، فهو ينتمي إلى عالم الأدب قدر انتمائه لعالم الواقع. فرؤية الأدب لا تخضع لقوانين الواقع فحسب، وإنما تخضع – وبالدرجة الأولى- لقوانين الأدب وتقاليده"[8]. لكن مع أخذ كل ذلك بعين الاعتبار، فإن النظرة إلى الأدب كعالم مستقل بذاته أمر فيه قدر من المغالاة "فالنص الأدبي في نهاية الأمر تعبير عن واقع إنساني، ورغم أنه تعبير غير مباشر، إلا أنه ليس نصا مجردا مغلقا، معلقا في الهواء، وإنما هو نص متعين، جدوره في الواقع"[9]. فقد صارت كثير من النصوص شعرية منها ونثرية تطلق العنان للغة وتلهث وراء الاستعارات المغرية لكن المعنى في كل ذلك هو أعز ما يطلب. وكثيرا ما يشارك الناقد الأدبي في ذلك الخذاع الأدبي فيبدع نصا جديدا لا علاقة له بالنص الأول إلا الكلمات، فالناقد لم يعد يبحث عن القيمة الإنسانية للعمل الأدبي بل استغرق في بحث مجموعة ضيقة من القضايا والأفكار مثل عدم ثبات النص أو النصوص التي تدور حول نصوص أخرى...."[10] . إن أكثر ما نخشاه هو نصل إلا زمن نفقد فيه القدرة على التمييز بين الفن واللافن .
           أخيرا نختم مداخلتنا بإشادة أحد الباحثين، وهو الراحل عبد الوهاب المسيري، بما يسمى القراءة التقليدية، حيث يقول: "إن القراءة النقدية التقليدية ولنقل الإنسانية: ذات تتفاعل مع موضوع، فتنتج نصا له معنى رغم إبهامه، وله حدود رغم اتصاله بنصوص أخرى. ومن ثم يمكننا، من خلال النص، أن نطل على العالم ونزداد ثراء ومعرفة بإنسانيتنا"[11].


[1] - مستويات تلقي القصة القصيرة نموذجا" حميد لحمداني، كتاب "نظرية التلقي إشكالات وتطبيقات"منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 24، ص123.
[2] - المرجع السابق، ص123.
- المرجع السابق ص124.[3]
[4] - المرجع السابق، ص125.
[5] - دراسات في الشعر، عبد الوهاب المسيري، مكتبة الشروق الدولية، الطبعة الأولى 2007، ص23.
[6] - القصة القصيرة جدا بالمغرب بحث في مراحل تشكل نوع سردي جديد، نور الدين الفيلالي، شركة مطابع الأنوار المغاربية، ط1، 2012، ص5.
[7] - دراسات في الشعر، عبد الوهاب المسيري، ص150.
[8] - المرجع السابق، ص19.
[9] - المرجع السابق، ص19
[10] - المرجع السابق، ص313.
[11] - المرجع السابق، ص318

العـــيــد بقلم الشاعر محمد علي الرباوي




العـــيـــــــــــــد

بقلم الشاعر محمد علي الرباوي 

رَصَاصُ البَنَادِقِ أَخْطَأَ صَدْرَ العَدُوِّ 
وَلَكِنَّهُ قَدْ أَصَابَ صُدُورَ الأَحِبَّةِ 
آهٍ أَصَابَ الصُّدُورَا 
فَلَوْ نَحْنُ مِنْ مَازِنٍ يَا أَحبَّاءِ
لَمْ تَسْتَبِحْ طَلَقَاتُ الرَّصَاصِ الصُّدُورَا 
لِمَاذَا بِسَوْسَنَةِ الفَجْرِ نَحْلُمُ 
مِنْ أَيْنَ يَأْتِي الضِّيَاءُ إِلَيْنَا 
-أَحِبَّايَ- مِنْ أَيْنَ يَأْتِي الْحَمَامُ 
وَهَا الشَّامُ تَكْرَهُ أَهْلَ العِرَاقِ
وَأَهْلُ العِرَاقِ لَهُمْ كَارِهُونَا 
وَكُلٌّ لِصَاحِبِهِ مُبْغِضٌ 
يَرَى كُلَّ مَا كَانَ مِنْ ذَاكَ دِينَا
فَيَا طَلَقَاتِ الَبنَادِقِ 
رُشِّي صُدُورَ الأَحبَّةِ رُشِّي العُيُونَا 
وَلاَ تَسْألِي كَيْفَ نَازَلْتُ ذَاتِي 
فَلَوْ قَتَلَتْنِي فَأَرْتَاحَ مِنِّي 
وَلَكِنَّهَا أَخَذَتْنِي أَسِيرَا

تَدْخُلُُ سِيقَانُ الْحُزْنِ شَوَارِعَ ذَاتِي. مَنْ دلَّ الْحُزْنَ عَلَيْكَ وَمَنْ علََّمَهُ أَنْ يَبْنِيَ مِنْ أَشْجَارِكَ أَعْشَاشاً يَا نَارُ ﭐشْتَعِلِي. لاَ مَانِعَ أَنْ تَقْتَحِمِينِي. ٱقْتَحِمِينِي وَأَرِيحِينِي مِنْ سِيقَانِ الْحُزْنِ. هِيَ النَّارُ تَرَاقَصُ فِي غَابَاتِ الأَرْضِ وَلَكِنَّ لِذاتِـيَ أَشْجَاراً بَاسِقَةً تَحْمِي الطَّيْرَ مِنَ الْحُزْنِ فَيَا نَارُ ٱشْتَعِلِي إِمَّا جَاءَ العِيدُ وَإمَّا أدْبَرَ هَذَا العِيدُ ٱشْتَعِلِي لاَ مَانِعَ أَنْ تَقْتَحِمِينِي. ٱقْتَحِمِينِي وَأَرِيـحِينِي مِنْ سِيقَانِ الْحُزْنِ ٱلقَاتِلْ.

اِشْتعَلْتُ مِرَارَا 
وَهَا أَنَذَا أَحْتَرِقْ
هَذِهِ الرِّيحُ تَجْمَعُنِي مِنْ رَمَادِي 
تَقُولُ: ٱنْطَلِقْ أَيُّهَا الْوَلَدُ الغَمْرُ 
لَكِنَّمَا قَبْلَ أَنْ أَنْطَلِقْ 
أَحْتَرِقْ
..................................................
أَنْتِ أَيَّتُهَا العِيسُ دُوسِي بِأَخْلاَفِكِ الزُّرْقِ مَا قَدْ تَبَقَّى أَمَامَكِ مِنْ وَشْوَشَاتِ رَمَادِي ٱمْسَحِي كُلَّ ذَرَّاتِهِ أَوْ ضَعِيهَا عَلَى سَعَفِ النَّخْلِ سُنْبُلَةً تَحْتَرِقْ

مَنْ إِلَيْكَ شَكَا بِتَحَمْحُمِهِ. وَاهِمٌ أَنْتَ لاَ تَطْلُبُ البِيدُ غَيْمَكَ إِلاَّ إِذَا أَخْرَجَتْ ثِقْلَهَا الأَرْضُ. تَذْكُرُهَا وَصَوَارِمُهُمْ مِنْ دِمَائِكَ تَقْطُرُ. تَذْكُرُهَا هَلْ وَدِدْتَ عِنَاقَ الصَّوَارِمِ إِذْ لَمَعَتْ مِثْلَ بَارِقِ ثَغْرِ حَبِيبَتِكَ الْمُتَبَسِّمِ أَمْ هَلْ وَدِدْتَ ﭐلدُّخُولَ إِلَى مَمْلَكَاتِ الثُّلُوجْ.
وَاهِمٌ أَنْتَ هَلْ يَنْسِجُ الْكَرُّ وَالْفَرُّ أَجْنِحَةً فِي زَمَانِكَ هَذَا. هَلْ يَنْسِِجُ الكَرُّ وَالفَرُّ عُشًّا يَقِيكَ لَهِيبَ الثُّلُوجْ.
وَاهِمٌ أَنْتَ. هَلْ كَبِدٌ لَكَبِيرِ العَشِيرَةِ 
هَلْ كَبِدٌ لِلْحَجَرْ
فَتَسَلَّلْ إِلَى عُمْقِ أَحْشَائِكَ الآنَ 
فَتِّشْ أَتَلْْقَى بِهَا كَبِدَا

خَلِيلَيَّ مَا لِلْحُزْنِ يَزْدَادُ جِدَّةً
عَلَى الدَّهْرِ وَالأَيَّامُ يَبْلَى جَدِيدُهَا
أُقَدِّمُ قَلْبِي لِلْقَبِيلَةِ نَخْلَةً
لَعَلِّي بِهَا أَدْنُو مِنَ القَمَرِ العَالِي
وَلَكِنْ تَخَطَّانِي مَطَايَا أَحِبَّتِي
فَأَبْقَى بِلاَ قَلْبٍ وَأَبْقَى بِلاَ آلِ
فَتَعْوِي الذِّئَابُ الزُّرْقُ مَا بَيْنَ أَضْلُعِي
وَتَزْحَفُ سِيقَانُ الصَّدَى نَحْوَ أَوْصَالِي
أَلاَ مَا لِهَذَا الْحُزْنِ يَزْدَادُ جِدَّةً
وَما لِرِيَاحِ الْخَوْفِ جَاءَ بَرِيــدُهَا

هُوَ العِيدُ فِي الطُّرُقَاتِ 
يُوَزِّعُ جَمْراً عَلَى الشُّعَرَاءِ
وَخَمْراً عَلَى الأُمَرَاءِ
فَمَاذَا يُخَبِّئُ لِلْفُقَرَاءِ 
هَلْ يَلْتَقِي الْجَمْرُ بِالْخَمْرِ
هَلْ يُعْطِيَانِ لِكُلِّ الْمَسَاكِينِ وَجْهاً جَدِيدَا
........................................

هُوَ الْعِيدُ عِيدُ
بِأَيَّةِ حَالٍ يَعُودُ 
بِمَا قَدْ مَضَى أَمْ بِأَمْرٍ جَدِيدُ 
أَمَّا الأَحِبَّةُ فَالبِيدُ دُونَهُمُو
وَأَمَّا ثَبِيرٌ فَمَا عَادَتِ العُصْمُ تَأْمَنُ فِيهِ وَأَمَّا حِرَاءُ فَإِنَّ ﭐلصَّنَوْبَرَ يُورِقُ فِي جَوْفِهِ ثُمَّ يَمْتَدُّ بَيْنَ الْمُحِبِّينَ أَغْصَانُهُ تَتَسَلَّلُ جَهْراً إِلَى صَدْرِ كُلِّ عَشِيقٍ عَسَاهَا تَفُكُّ طَلاَسِمَ دَقَّاتِ كُلِّ ﭐلقُلُوبِ. وَأَمَّا الْجُنُودُ فَمَا عَسْكَرُوا فِي الثُّغُورِ وَمَا زَيَّنُوا بِالدِّمَاءِ ﭐلثُّغُورَا
وَلَكِنَّهُمْ عَسْكَرُوا مَوْهِناً فِي البُيُوتِ
وَعِنْدَ الضُّحَى طَارَدُوا فِي الْحُقُولِ الطُّيُورَا 
هُوَ العِيدُ مَنْ سَرَّهُ العِيدُ هَذَا الْجَدِيدُ
فَإِنِّي بِأَزْهَارِهِ مَا لَقِيتُ السُّرُورَا
هُوَ العِيدُ مَنْ سَرَّهُ العِيدُ وَالصَّحْبُ لَيْسُوا حُضُورَا .؟

اِشْتَعَلْتُ أَخِيراً 
وَها أَنَذَا أَحْتَرِقْ
هَذِهِ الرِّيحُ مِنْ صَدْرِ سَارَةَ،هَذَا الصَّبَاحَ، تَهُبُّ وَمِنْ صَدْرِِ صَحْبِي الْمَسَاكِينِ،هَذَا الصَّبَاحَ، تَهُبُّ وَتَجْمَعُنِي مِنْ رَمَادِي تَقُولُ ٱنْطَلِقْ أَيُّهَا الوَلَدُ الصَّلْدُ لَبَّيْكَ إِنِّي سَأَنْطَلِقْ:
إِنِّّي ﭐمْرُؤٌ عاهَدَنِي خَلِيلِي
أَلاَّ أَقُومَ الدَّهْرَ فِي الكَيُّولِ 
إِنّي ٱمْرُؤٌ بِحُبِّيَ الْمَسْلُولِ
أَنْفُخُ فِي الرَّمَادِ وَالطُّلُولِ
فَيُزْهِرُ النَّوَّارُ فِي الْحُقُولِ
وَيَمْتَطِي حِصَانَهُ خَلِيلِي
فَأُبْصِرُ كَفَّ الرِّيَاحِ اللَّوَاقِحِ
تَجْمَعُنِي حَبَّةً 
حَبَّةً
مِنْ رَمَادِي
تَقولُ ٱنْطَلِقْ
أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُرُّ
إِنِّي ٱنْطَلَقْتُ ٱنْطَلَقْتُ ٱنْطَلَقْنَا
فَمَنْ مَعَنَا مِنْكُمُو يَنْطَلِقْ
وجدة: 27/8/1985
---------------------


 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Best Buy Coupons تعريب : ق,ب,م