الاثنين، 22 أكتوبر 2012

بداية ونهاية /قصة قصيرة


بداية ونهاية
 قصة قصيرة 

عبد السميع بنصابر /المغرب
.
« آنئذ، شعر بدبيب الأسف يزحف على كيانه. لماذا غرز فيها كل سهام
الغضب تلك، وتركها مضرجة في دموعها؟ تطلع إلى قسماتها البريئة في أسى. ما
أظلم الرجال! أي غبي هذا الذي يسيء إلى هذا المخلوق اللطيف..! كيف نسي
أنها رفيقة العمر وأم لأبنائه.. كيف؟
تسللت يده إلى أناملها الناعمة، لكنها سحبتها منه، ثم هرعت إلى المطبخ
باكية.. إذ ذاك اعتصره الندم، فأطرق هامسا: الله يلعن« ...»
ما كاد الكاتب يتم عبارته الأخيرة.. حتى مرق من رأس القلم، وفي لمح البصر
دخان أفعواني بلون الحبر. دار الدخان وانفتل أمام ناظريه كعاصفة صغيرة،
ثم التأم شيئا فشيئا فوق المائدة، حتى أضحى بهيئة كائن غريب.. وفجأة، قصف
أذنيه بصوت كالرعد:
- لن تفعلها بي مرة أخرى..!
رمى الكاتب بالقلم وزحزح الكرسي بجسده إلى الخلف صارخا هو الآخر في ذهول:
- بـ.. بسم الله.. الرحمـ....ـن.. الر..ر..ر..رحيم! مـ..مممن.. ممن أنت؟؟!!
قهقه الكائن الدخاني بصوت مرعب:
- تخاف مني، ولا تتردد في الإساءة إلي؟
ارتجفت شفتا الكاتب وتحشرجت الكلمات في فمه، وهو يتأمل الجسم الكالح الذي
ينتصب فوق المائدة، فقال جزعا:
- من.. تكون.. أنا.. لا.. أعرفك!قال الكائن الغريب مشيرا إلى آخر سطر من القصة:
- أنا الذي كنت ستكتب اسمه هنا..
فكر الكاتب برهة والاستغراب يقضم روحه، ثم ما لبث أن صاح مرعوبا مرة أخرى:
- ماذا؟ الشيطان؟ أعوذ بالله من...
وما إن سمع الشيطان كلامه، حتى بادر بمقاطعته محذرا:
- إياك! إياك أن تفعل! إياك أن تتفوه بتلك العبارة!
إثر ذلك كبح الكاتب لسانه، وقد ناء صدره بوجيب قلبه. ولكن، لم كل هذا
الذعر؟ فقد يستطيع إجلاءه متى أراد. يكفي أن ينطق بالكلمات السحرية.
استجمع أنفاسه بعدما اطمأن إلى سلطته وهو يحدق في غرابة شكل المخلوق.
فلأستمتع بهذه اللحظة الثمينة التي لم يظفر بها أحد قبلي. هكذا قال
لنفسه، ثم أشعل سيجارة. سره أن يمتلك زمام الأمر، فقال بهدوء:
- جميل.. أنت الشيطان إذن!
حرك الشيطان رأسه الصغير ذا القرنين المستفزين إيجابا، فوضع الكاتب رجله
اليمنى على اليسرى..
- الشيطان يقف أمامي! أراه ويراني.. ما أسعدني! والآن، بربك قل لي ماذا تريد مني؟
قال الشيطان بتوسل:
- بربك أنت الذي ماذا تريد مني؟ ماذا فعلت بك يا أخي حتى تقحمني في كل
قصصك، ولا تذكرني إلا ملعونا؟!
أفرد الكاتب ذراعيه مبتسما، ثم قال ببداهة:
- لأنك الشيطان ببساطة.. ألست موقد الفتنة، ومذكي المصائب جميعها؟!
عقب الشيطان حانقا:
- لا يا صاح! غلط في غلط!
تساءل الكاتب:
- كيف أيها المارد؟
أجاب الشيطان:
- حسنا، فلنأخذ على سبيل المثال ما كتبته قبل برهة؛ بطل القصة خانته
زوجته، ولما علم بذلك غضب وحاول معاقبتها، ولكي تجد للنص مخرجا ارتأيت أن
تجعله يلعنني لتفض النازلة.. فبالله عليك ما دخلي أنا في كل هذا؟؟؟
خيمت ملامح الجدية على وجه الكاتب، وقال موضحا:
- أولا، أنا لم أذكر ذلك؛ قلت فقط إن البطل من خيل إليه ذلك لأنه شكاك
بطبعه، ومثل تلك الوساوس لا تكون سوى من بديع الشياطين.. والكل يوقن
بذلك.. فهل جانبت الصواب في قولي؟؟
أجاب الشيطان في خبث:
- نعم أيها الكاتب الكبير، لقد حدت عن الحق وضللت سواء السبيل.
تفجرت مراجل الحيرة في نفس الكاتب فانتفض قائلا:
- ماذا تقصد ؟؟
ابتسم الشيطان قائلا:
- ألم تقل في قصتك إن الزوجة سحبت من البطل يدها لما حاول تقبيلها؟؟
- أجل!
- وقلت أيضا أنها هرعت باكية إلى المطبخ ..
- بالتأكيد!!
رد الشيطان بحزم:
- أنصت يا عزيزي، أنت لا تدرك أمرا بالغة أهميته؛ تلك الحركات التي ندت
عن الزوجة، دليل دامغ أنها فعلا أتت شيئا نكرا، ولذلك لم تستطع أن ترى
الزوج المسكين يحاول استرضاءها وهي الآثمة والمجرمة في حقه. هن كذلك! ثق
بي!
تساءل الكاتب والحيرة تمتشقه:
- كيف؟ كيف ذلك؟
وفي تلك اللحظة، دلفت زوجة الكاتب إلى الغرفة، ثم وضعت فنجان القهوة
أمامه، وهي تقول مداعبة:
- ما بك يا حبيبي تتكلم لوحدك هكذا؟ قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم!
وما إن نطقت بعبارتها حتى تبخر المخلوق الأسود من فوق المائدة، فاستدار
الكاتب نحوها هاويا على خذها بصفعة قوية. اندلقت القهوة على الورقة،
وتراجعت المسكينة إلى الوراء في ذعر ويدها على خذها. هزها من تلابيبها
وهو يصيح:
- لماذا طردته؟ لماذا؟ ماذا فعل لك؟
تسمرت الزوجة في مكانها وجلة. كانت سحابة الصمت التي رانت على الأشياء
كافية لينتبه الكاتب إلى ما اقترفت يداه. أسبل جفنيه، وطفق يستعيد شريط
ما حدث.. آنئذ، شعر بدبيب الأسف يزحف على كيانه. لماذا غرز فيها كل سهام
الغضب تلك، وتركها مضرجة في دموعها؟ تطلع إلى قسماتها البريئة في أسى. ما
أظلم الرجال! أي غبي هذا الذي يسيء إلى هذا المخلوق اللطيف.. كيف نسي
أنها رفيقة العمر وأم لأبنائه.. كيف؟
تسللت يده إلى أناملها الناعمة، لكنها سحبتها منه، ثم هرعت إلى المطبخ باكية..

______________

استمع  للقصة بصوت الإذاعي العربي

مصطفى كاظم على اذاعة بي بي سي


الأحد، 21 أكتوبر 2012

ترجمة لقصيدة: ***A EL للشاعر الفرنسي : LAMARTINE



ترجمة لقصيدة: ***A EL 
للشاعر الفرنسي : LAMARTINE

• Alphonse de LAMARTINE (1790-1869)
ترجمة : عيسى حموتي 
A El***
Lorsque seul avec toi, pensive et recueillie,
Tes deux mains dans la mienne, assis à tes côtés,
J'abandonne mon âme aux molles voluptés
Et je laisse couler les heures que j'oublie;

Lorsqu'au fond des forêts je t'entraîne avec moi,
Lorsque tes doux soupirs charment seuls mon oreille,
Ou que, te répétant les serments de la veille,
Je te jure à mon tour de n'adorer que toi;

Lorsqu'enfin, plus heureux, ton front charmant repose
Sur mon genou tremblant qui lui sert de soutien,
Et que mes doux regards sont suspendus au tien
Comme l'abeille avide aux feuilles de la rose;
Souvent alors, souvent, dans le fond de mon coeur
Pénètre comme un trait une vague terreur;
Tu me vois tressaillir; je pâlis, je frissonne,
Et troublé tout à coup dans le sein du bonheur,
Je sens couler des pleurs dont mon âme s'étonne.

Tu me presses soudain dans tes bras caressants,
Tu m'interroges, tu t'alarmes,
Et je vois de tes yeux s'échapper quelques larmes
Qui viennent se mêler aux pleurs que je répands.

" De quel ennui secret ton âme est-elle atteinte?
Me dis-tu : cher amour, épanche ta douleur;
J'adoucirai ta peine en écoutant ta plainte,
Et mon coeur versera le baume dans ton coeur. "

Ne m'interroge plus, à moitié de moi-même!
Enlacé dans tes bras, quand tu me dis : Je t'aime;
Quand mes yeux enivrés se soulèvent vers toi,
Nul mortel sous les cieux n'est plus heureux que moi?

Mais jusque dans le sein des heures fortunées
Je ne sais quelle voix que j'entends retentir
Me poursuit, et vient m'avertir
Que le bonheur s'enfuit sur l'aile des années,
Et que de nos amours le flambeau doit mourir!

D'un vol épouvanté, dans le sombre avenir
Mon âme avec effroi se plonge,
Et je me dis : Ce n'est qu'un songe
Que le bonheur qui doit finir.

أسلمُ ذاتي للذة والمتع
لما وحيدين يديك في يدي
نركب صهوة الحلُم
ندع الساعات تمضي للنسيان

عندما أسحبك نحو عمق الغاب
عندما الأنفاس منك تخلب ألْبابي.
"لن أحب سواك"،عهد قطعته على النفس
حيث رددت صلوات الحب بالأمس 

عندما ينحني سحر جبينك الجذلان
على نبض قلبي الولهان
ولحظي الساهم في عينيك يعلق
كنحل شره،لم يُستثن من امتصاصه الورق

غالبا وغالبا ما في صميم القلب
ينفذ خط مبهم من الرعب
ترينني مرتعدا،مصفرا، أرتجف
في حضن السعادة بغتة أضطرب
فاجأْتُ روحي، بدمعي يُذرف

فجأة برفق ذراعيه يهصرني
في قلق تسألني
من عينيك انفلتت حبات
اختلطت بما زرعت من دمْعات

قلت لي:"يا حبيبي،
بأي عدوى روحك تعتلُّ
سلَّ نفسك من علة تنسلُّ

يسكبْ قلبك بلسما في قلبي

لا تسألني أبدا، ونصفي ضمه ذراعاكْ
عندما تقول لي أهواكْ
عندما تسهم عيني سكرى من نجواكْ
لا كائن أسعد مني في الأفلاكْ

لكن إلى غاية ساعات الهناءْ
أجهل أي صوت يتبعني للإعلامي
أن السعادة تهرب راكبة جناح الأيام
أن من حبنا لمشعل الحب فناءْ

من تحليقي في ظلام الحقب
ترتمي روحي في جحيم الرعب 
أقول لنفسي ما هذا سوى حُلُم
وعلى الهناء أن يصير للعدم

السبت، 20 أكتوبر 2012

خريطة البوح بقلم الشاعر الطيب هلو




            خريطة البوح

بقلم  الشاعر  الطيب هلو

مِنْ أَوَّلِ الْخَطْوِ ابْتَدَأْتُ
وَأَنْتَهِي ...
عِنْدَ احْتِضَارِ مَجَرَّتَيْنِ عَلَى يَدِي
مَا زَالَ فِي قَوْسِ الْحَمَاقَةِ مُتَّسَعْ
سَأُعِدُّ للشِّعْرِ الْعَنِيدِ
خَرِيطَةَ الْبَوْحِ الْمُوَارَبِ
مِثْلَ بَابِ غَرِيبَةٍ
تَتَحَسَّسُ الطَّرْقَ الْخَفِيفَ
                      مِنَ الْغَرِيبْ
وَلِآخِرِ الْحُبِّ الْعَنِيفِ
سَأَهْتَدِي
وَسَأَسْتَعِيرُ
         حِكَايَةَ الْأَمْسِ الْقَرِيبْ
سَأَجُوبُ وَحْدِي دَرْبَهَا
                أَوْ قَلْبَهَا
وَأُضَمِّدُ الْقَلَقَ الْخَفِيفَ
                 وَخَوْفَهَا
كَيْ أَنْتَهِي
عِنْدَ ارْتِطَامِ شِفَاهِنَا
                  بِنَبِيذِهَا
لِتُرِيقَ مِنْ كَأْسِ التَّوَحُّدِ
                   حَرْفَهَا
كَيْ أرْتَدِيهَا جُبَّةً
وَأَشُمَّ فِي لَيْلِ الْعِبَارَةِ
                   عَرْفَهَا
كَيْ أَمْتَطِي نَبْضَ الْهَوَى
وَأَسِيرَ فِي تِيهِ الْبَلَاغَةِ
                  خَلْفَهَا
لِأَمُوتَ فِي حُلُمٍ
             يُهَدْهِدُهُ النَّسِيبْ

الجمعة، 19 أكتوبر 2012

المؤلفات التي تم توقيعها في المقهى الأدبي


المؤلفات التي تم توقيعها في:

 المقهى الأدبي وجدة لاميرابيل  منذ انطلاقه


------------------------------------------------------



عيسى حموتي
-تضاريس القلق
-أوريات أو مجنون بنت الريف
11-02-2012





يحيى بزغود
ريح الكناسين
31-3-2012





 


لحسن قناني
-الكوميديا الصادمة
سخرية الإنسان المقهور
-تقاسيم باسمة على وتر حزين26-4-2012







محمد مباركي
-جدار
-الرقم المعلوم02-6-2012








الطيب هلو
لو نبهني الحب..
30-7-2012






أحمد اليعقوبي
ديوان زجل:
01-9-2012



نور الدين فيلالي
مجموعة قصصية: حلبة الرهان الأصعب
29-9-2012






عبد الكريم الفيلالي
الباوباب
30-6-2012



Marie Thérèse Leblanc
Eloge du métissage
07-5-2012 



خصوصية الإبداع والإقناع في ديوان: "لو نبهني الحب" للطيب هلو





خصوصية الإبداع والإقناع
في ديوان:
"لو نبهني الحب" للطيب هلو
الجزء الثاني

د. محمد دخيسي

(حفل توقيع الديوان،
المقهى الأدبي ميرابيل Mirabelle  - وجدة،
الاثنين 10 رمضان 1433هـــ،
الموافق لـ 30 يوليوز 2012م)

2- المرجعيات بين التصريح والتلميح:
جال الطيب هلو في ديوانه "لو نبهني الحب" عبر محطات مختلفة، توزعت بين الجانب الديني والثقافي والاجتماعي. ونركز بحثنا هنا على:
2-1 القرآن الكريم:
حين نتحدث عن استغلال الشاعر طاقاته الذاتية والفكرية، فإن ذلك دليل على عمق تجربة شعرية ضربت بآفاقها في عمق التاريخ والأدب والتراث بكل أنواعه. حاول الطيب هلو في ديوانه "لو نبهني الحب" أن يجعل من بعض آيات القرآن نبراسا لا من حيث المعاني؛ بل بإثارة الانتباه إلى لغته وتركيبه المعجمي.
نقرأ في قصيدة " أرتاب من قلق السحاب" قوله:
هذا أميرٌ تائِهٌ...
بَيْني وبيْنَ غِوايةِ الأمَلِ الذي رَبَّيْتُهُ
حينَ اسْتدارَ مُوَلِّياً وَجْهَ القصائِدِ
شَطْرَ إيقاعِ الطَّويلْ 16
فنلاحظ أن الشاعر تعامل مع القرآن من حيث التعبير اللغوي، واستطاع أن يوجهنا مباشرة إلى مصدره بتغييره عن أصله؛ عكس ما خلص إليه حين تقاطع مع الآية نفسها في أبيات شعرية أخرى، حيث يقول في قصيدة "لا يفلح الشاعر حيث أتى":
يَمَّمْتُ وجهِي شَطْرَها
وَبِأُذْنِها...
كَبَّرْتُ في هَمْسٍ شَهِيْ 17
كما أننا نسجل تعاملا مشابها مع بعض آيات القرآن من خلال اقتباس لألفاظ منفردة 18، أو عبارات (آيات) محوَّلة من القرآن. 19

2-2 الشعر العربي:
حين أقرأ شعر الطيب هلو أشعر أني أمام امتداد للشاعر المغربي الكبير محمد الطوبي، وقد حاولت كثيرا أن أجد العلاقة من وراء إحساسي، وعن القرينة اللفظية أو الدلالية بينهما؛ فكانت الخلاصة أن شاعرنا يكتب شعرا نسجه نسج شعر عربي أصيل شأن الطوبي، وأنه يمازج اللغة الصوفية باللغة اليومية التي تحكمها الذاتية والوله المشدود إلى الآخر.
بالرغم من ذلك، هناك ارتباط جوهري بين الشاعرين، وإلا لما اختار هلو المطبعة ذاتها التي كان ينشر بها الطوبي، فطبع ديوانه الأول: "قمر العتاب"، ولما خط الطوبي بخط يده أشعار هلو وسجلها في الصفحة الأولى. 20
لمحمد الطوبي ديوان بعنوان: "أيقونة العاشق المغربي" 21، وللشاعر الطيب هلو قصيدة بعنوان "تعويذة العاشق الأندلسي"، وهذا ما يبرر بعض حكم الانسجام بينهما. وهناك كثير من الألفاظ المستعملة من كلا الطرفين مع ذكر السبق الزمني للطوبي.
حين استعملت لفظة الامتداد أول حديثي، كان ذلك نابع من قراءة لشعر الشاعرين، دون انتقاص طبعا من قيمة اللاحق عن السابق.
نأخذ مثالا واحدا من إبداع الشاعرين؛
يقول محمد الطوبي:
أنا الذي هَدَّهُ الإرهاقُ والقَلَقُ
الأربعونَ معي يَحْيا بِها الأرَقُ
الأربعونَ أراها لا أرى وَطناً
خرائبُ العُمْرِ لا يأتي لَها الألَقُ 22
ونقرأ مقطعا من قصيدة للطيب هلو، يقول فيه:
إني اعْتَرَفْتُ طويلاً:
فِي دمي وَلَعُ
عُمري البَهِيُّ متاهاتٌ معلَّقةٌ
في سَقْفِ ذاكرةٍ أوْدى بها الوَجَعُ.. 23
إلى جانب التناص مع الطوبي؛ نجد حضورا لقصائد وشعراء، سواء بالتصريح المباشر، أو عبر قرائن مختلفة. فمن المتنبي، مرورا بمحمود درويش ثم أمل دنقل والسياب، وصولا إلى محمد علي الرباوي وعبد السلام بوحجر وغيرهم.. ولعل هذا الأمر يُحسَب للشاعر وليس عليه، لأنه دليل على عمق التجربة الشعرية، وتأصلِ المرجعيات، وانفتاحِ الشاعر على التجارب السابقة.
من أمثلة ذلك، نذكر:
أولا: حضور محمود درويش من خلال جملة من التجارب، كقصيدة "عابرون في كلام عابر" وتجارب أخرى. خاصة حين نقرأ قصيدة "تجليات في مرايا الحبر" 24
ثانيا: حضور المتنبي باستغلال اسمه أو بعضٍ من الأحداث المتصلة به. 25
ثالثا: أمل دنقل من خلال تناصه مع قصيدة "لا تصالح"، فالشاعر الطيب هلو يناور دنقل ويستدرج قصيدته "لا تصالح"، ويقوم بتطويعها وفق هواجسه ورغباته.
يقول هلو:
"أملٌ" يَنوحُ عَلَى
دواوينِ الهَزيمَةِ:
لا تُصالِحْ...
لا،
ولَوْ مَنحُوكَ أكياسَ الذهبْ 26
 ونقرأ في قصيدة "لا تصالح" لدنقل قوله:
لا تصالح!
ولَوْ مَنَحوكَ الذهَبْ
أتُرى حينَ أفْقَأُ عَيْنَيْكَ
ثُمَّ أثَبِّتُ جَوْهَرَتَيْنِ مَكانَهُما.. 27
ولعل السبب الذي جعل الطيب هلو يستنشق بنسمات أمل دنقل؛ كون هذا الأخير لامس كثيرا من القضايا العربية الراهنة، بالرغم من قدم نصه، يقول دنقل:
لا تصالح
وَلَوْ تَوَّجوكَ بِتاجِ الإمارَةِ
كيفَ تَخطو على جُثَّةِ ابْنِ أبيكَ؟
ويقول الطيب هلو:
أوْ تَوَّجوكَ مَليكَهم
وَعلاكَ تاجٌ
ليْسَ يُسْقِطُهُ الشَّغَبْ
فاستطاع الطيب هلو أن ينزِّل النص إلى أبعد نقطة تُوصِلُهُ بمضمون واقعه ومعيشه. وللإشارة فنص "لا تصالح" له أصول ثقافية أيضا، حيث يتقاطع مع شعر الشنفرى وهو أحد الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي. ويظهر ذلك من خلال المقطع السادس من نص أمل دنقل، بالرغم من احتوائه سمة العصر الحالي وكل الأجيال، يقول:
لا تصالح
ولو ناشَدَتْكَ القبيلة
باسْمِ حُزْنِ "الجليلة"
أن تَسوقَ الدِّماءَ،
وَتُبْدي لِمَنْ قَصَدوكَ القَبولْ..
فالشنفرى هو المعروف في تاريخ الشعر العربي بقصة الانتقام بقتله مائة من أعدائه، أو ما عدى ذلك حسب بعض المصادر التاريخية.
رابعا: عبد السلام بوحجر: لعل ما جعلنا ندرج اسم الشاعر المغربي العربي عبد السلام بوحجر في محور التناص عند الطيب هلو، ما لمسناه من تشابه وتثاقف بين نص "أحبك حتى انتهاء الرؤى" 28 للطيب هلو، وقصيدة "مقام الجنون" 29 لعبد السلام بوحجر.
يقول بوحجر:
يا فريدَ زَمانِهِ ما أجْمَلَكْ!
أتُرى وَصَلَتْكَ رسائلُ حُبي التي
صُغْتُها بِدَمِ القَلْبِ لَكْ؟
وَوُقوفي بِبابِكَ سَبعَ سِنينَ
مِن الاِنْتِظارِ
أمَا أخْجَلَكْ؟
......
في حين نجد الإيقاع مشابها في نص هلو بإنشاده:
وما همَّهُ
مِنْ نعيمِ الحَياةِ
سِوى أنْ يراكَ
كَطَيْفِ البَهاءِ الذي جَمَّلَكْ
فراشةَ شِعري الذي ظَلَّ.. لَكْ...
إنه البوح الشعري المنسجم مع الرؤى الفكرية، والتناغم الشعري الذي يفضي إلى توحد الرؤى كذلك، فينسج الشاعر هديل كلماته في تناغم مع شاعر آخر، وفي كثير من الأحيان لا يكون له صلة به، ولم يسبق له التواصل به، أو مع شعره؛ فيكون ذلك دليلا على سعة الشعر وملكوته التي تُزيح كلَّ الحواجز، وتحطم كل القيود التي يُكبِّلنا بها التاريخُ، وتتحكمُ فينا باسم الجغرافيا والتصاميمِ الهندسية والعمرانية.
-----------------------------
هوامش الجزء الثاني
- 16-الطيب هلو، لو نبهني الحب، ص. 22
- 17-المرجع نفسه، ص. 55
-18- لفظة صعَّر في قوله: فصعر للقصيدة خده، ص. 57
-19- نأخذ مثالا عنوان قصيدة له: لا يفلح الشاعر حيث أتى، ص. 55
- 20-الطيب هلو، قمر العتاب، مرجع سابق.
-21- محمد الطوبي: أيقونة العاشق المغربي، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، ليبيا، ط. 1، 1985.
-23- محمد الطوبي: أنت الرسولة أيقوناتك اندلعت، دار القرويين الدار البيضاء، ط. 1، 2003، ص. 19
-24- الطيب هلو، لو نبهني الحب، ص. 33
-25- المرجع نفسه، ص. 15 وما بعدها
-26-  المرجع نفسه، الصفحات 35- 37...
-27- المرجع نفسه، ص. 49
-28- أمل دنقل: قصيدة لا تصالح، منقول من مجلة عيون المقالات، ع 5، 1986، ص.2 وما بعدها.
-29- الطيب هلو، لو نبهني الحب، ص. 63


 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Best Buy Coupons تعريب : ق,ب,م